المثقف الغربي وفوبيا الإسلام

ثقافة عامة

تبدو فوبيا الإسلام في الغرب أكثر قوة هذه الأيام. يحدث هذا في مناطق عدة من أوروبا وكذلك في أميركا حيث ازدادت هذه الظاهرة حضوراً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، وأثرت في سياسة الإدارة الأميركية.

هذا أمر عادي في عالم السياسة الذي يستغل أحياناً المخاوف غير المبررة لدى الشعوب، والذي يرتكز على نوع من تنميط الآخر ووضعه في إطار محدد لا يسمح له بمغادرته. ولا شك في أن الخطاب السائد يعزز هذه التنميطات.

كما يسعى هذا الخطاب أحياناً إلى دفع الجموع إلى تصديق هذا التصوير الذي يميزنا عن الآخرين ويجعلنا أفضل منهم، لكي يستطيع مروجو الخطاب استغلال تلك الجموع وجعلها تتصرف وفقاً لآلية تخدم أغراض أصحاب المصالح.

المأساة تكمن في انتقال هذه الرؤية العنصرية التنميطية ضد الإسلام والمسلمين إلى أوساط المثقفين والكتاب والروائيين والشعراء. هذا لا يعني أن شريحة المثقفين بمنأى عن هذه الرؤى العنصرية، بل إنها أحياناً تعد مصدر تلك الرؤى والمروجة لها، وقد تسعى هي نفسها إلى نشر ذلك بين أوساط القراء. ما أعنيه هو أن انفتاح العالم على بعضه بعضاً، وقدرة الكتاب والمثقفين في العالم على التواصل وبناء جسور مشتركة، قلّلا من إمكان بروز رؤى حادة تفصل الحضارات والثقافات بسيف بتار. وعلى النقيض من ذلك، فإن عدداً كبيراً من المؤتمرات والندوات وحلقات البحث والدراسة التي أشارك بها تعلمني كل يوم أن في الإمكان تكوين رؤى مشتركة حول العلاقة بين الحضارات والثقافات المتعددة المختلفة الممتدة في التاريخ والجغرافيا، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً.

ما أثار هذه الأفكار في رأسي، وجعلني أعود إلى سؤال فوبيا الإسلام، والخوف الهستيري في بعض الأوساط الإعلامية والثقافية الغربية، ما قاله الكاتب والروائي البريطاني “مارتن إيميس” حول الإسلام. فـ”مارتن إيميس”، خلال مشاركته قبل أيام قليلة في مهرجان هاي الأدبي Hay-on-Wye Festival والذي كان يروج فيه لكتابه الجديد [الطائرة الثانية]، نصح مرشح الحزب الديموقراطي للرئاسة الأميركية “باراك أوباما” بأن يأخذ حذره لأنه من صلب أب مسلم، وكونه الآن نصرانياً، اعتنق ديانة والدته النصرانية، يجعله مرتداً عن الإسلام. وفيما يبدو تحريضاً هستيرياً ضد “أوباما”، قال إن الأخير يحتاج إلى فتوى تشبه تلك الفتوى التي أصدرها الخميني قبل حوالى العقدين من الزمن ضد سلمان رشدي.

الأمر يبدو نوعاً من الخوف من الآخر، والهلوسة المستمرة به ، واعتباره عدواً دائماً وحضارة مهددة، ووجوداً ينبغي أخذ الحذر منه. والمشكلة أنها ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها “مارتن إيميس” الإسلام والمسلمين، إذ سبق له أن دعا في تصريحات جنونية خلال أيلول عام 2006، بعد تفجيرات لندن، إلى طرد عدد من المسلمين من بريطانيا عراة (!) حتى يتعلموا التعايش ويربوا أبناءهم على احترام مواطنتهم البريطانية. كما أن كتابه الأخير [الطائرة الثانية] مكتوب بضغط أيلول 2001، وفيه نوع من تخييل الأشخاص الذين شاركوا في تفجير الطائرات الأميركية وتدمير برجي نيويورك. لكن “إيميس” واصل الكتابة في ما بعد حول الإسلام والمسلمين، كما أنه واصل التحريض على مسلمي بريطانيا في الندوات والمقابلات التي أدلى بها للصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية. إن سجله في موضوع فوبيا الإسلام ليس ناصعاً على الإطلاق، ممّا دعا الناقد البريطاني “تيري إيغلتون”، زميله في جامعة مانشستر، إلى شن حملة شعواء عليه في الصحف البريطانية الكبرى، واصفاً دعوته لمعاقبة المسلمين، سواء كانوا مذنبين أم أبرياء، بأنها نوع من العنصرية التي تدعو إلى العقاب الجماعي للآخرين.

لكن المهم في هذا السياق أن مواصلة “إيميس” صاحب روايات[قوس الزمن] و [المال] و [حقول لندن]، الحديث عن الإسلام المهدد، الإرهابي، الكاره للآخرين، المنغلق على نفسه وعلى أتباعه، تعد أمراً خطيراً في مجتمع متعدد الأعراق والديانات والثقافات مثل بريطانيا، فبريطانيا التي نشأ فيها “إيميس” قبل خمسة عقود (إيميس من مواليد 25 آب/ أغسطس 1949)، ليست هي نفسها اليوم؛ بل هي اليوم ملونة أكثر، متعددة أكثر، قد اختلطت فيها الأعراق وامتزجت الدماء والثقافات والألوان. ألا ينبغي إذاً أن يقوم المثقفون في العالم بتعليم الناس الإحترام المتبادل والتعايش السلمي؟ لكن قبل هذا أليس من الضروري أن يضربوا لقرائهم المثل على ذلك؟
__________
الحياة اللندنية العدد16510بـ”تصرف”