د. شعاع اليوسف الخليجية تفك ألغاز الحضارة

ثقافة عامة

بقلم د أحمد القديدي
أعتذر للزميلة الفاضلة والأخت الكريمة أ.د.شعاع اليوسف لأمرين اثنين: الأول أني تأخرت عن عرض كتابها القيم الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث بدولة قطر بعنوان (حضارة العصر الحديث) والثاني لأني أتبعت اسمها بلقب الخليجية. ولكن عذري سيكون مقبولاً لديها لسببين: الأول أني حين انقطعت عن الخليج بعد اثني عشر عاماً قضيتها هناك عسر اتصالي في باريس بثقافته ومثقفيه لأسباب يجب علاجها تتلخص في تواضع الاشعاع الثقافي الخليجي في الغرب.

فإنه رغم ثراء فكر الكتاب الخليجيين وتميز إبداعاتهم وأهمية العناية بالثقافة كبعد نبيل وشديد الأثر من أبعاد التعريف بأوطاننا فإني لاحظت أن الاخوة الدبلوماسيين الخليجيين في عواصم الغرب لا يولونه الأهمية التي يستحق، مع العلم أني كنت قد عايشت فترة ذهبية من ازدهار الفكر في ربوع الخليج وعرفت أبرز مبدعيه ومن بينهم الأستاذة زميلتي في جامعة قطر أ.د. شعاع اليوسف إحدى أوفر الجامعيات الخليجيات انتاجاً علمياً في مجال تخصصها الدقيق وهو علم الحيوان والبيولوجيا والطبيعة ثم في مجال هوايتها وهو علم الحضارة. والسبب الثاني هو أني قصدت من وراء وضع صفتها الخليجية مع اسمها أن أقدمها للقراء العرب وغير العرب كسيدة مثقفة من سيدات إقليم الخليج العربي الكريم تتمتع بقدر غير قليل من علوم عصرها مع احتفاظها بأصول إسلامها ورموزه ونواميسه بدون عقدة استنقاص من هويتها العربية الإسلامية وبدون جري أعشى وراء التشبه بالغربيات والغاء الذات والإكتفاء بالتبعية والإنبهار كحال بعض نسائنا العربيات المنسلخات المقلدات.
فالإبداع الفكري الذي يميز كتاب الأستاذة شعاع لم يأت من فراغ روحي تعانيه المرأة العربية المبهورة بقشور الغرب، بل هو ثمرة تأصيل ووفاء ونتاج حرية وارتقاء.

وإني أتفق مع الكاتبة حين تؤكد في مطلع كتابها بأنها متحضرة بالفطرة لا متحضرة في الظاهر، فالمرأة المسلمة المثقفة الواعية تولد وهي تحمل حضارة تتراوح من فجر الإسلام إلى اليوم ومن عصر النهضة إلى عصر العولمة دون الشعور بضرورة التقيد بالتقليد الأعمى لنساء الغرب حتى تنال لقب المتحررة ! فالحضارة الإسلامية الأصيلة تشكل التحرير الحق للرجل والمرأة على السواء.
يتناول الكتاب تعريفات الحضارة بما يؤكد الجهد الأكاديمي الذي بذلته الكاتبة في التقصي والفرز بينها حتى تقوم بعملية تأصيل للحضارة ثم تبحث في أسباب عذاب جيلنا المذبذب بين القطيعة مع الماضي وعسر الإندماج في الحاضر وهو ما تسميه الكاتبة بالصدمة وتطرح بدائل متاحة في عواصف الشك والإحباط والحيرة.

وفي هذا المسار الفكري لا تحبس الكاتبة نفسها في فضاء تجريدي فلسفي غامض أو أيديولوجي مسيس مضلل، بل تنطلق في تفكيك آليات عالمنا المعاصر في الدين والإقتصاد والتجارة والعلاقات الدولية والإعلام والتربية والثقافة متخلصة إلى ظلم النظام العالمي الذي حكم على شعوب كاملة بالفقر والإحتلال والأوبئة لتنعم شعوب أخرى بخيرات الأرض في معادلة جائرة تندد بها الأستاذة شعاع وتقترح لها الحلول الإنسانية العادلة، التي من أهمها اكتشاف الحلقات المفقودة ما بين الإنسان والطبيعة وما بين الفرد والأمة وما بين الحاضر والمستقبل.

وتبحث الأستاذة بحسها كأم عن أسباب الإنحراف وتقترح للتربية الإسلامية غايات أبعد من مجرد الدعوة والإرشاد، وذلك بغرس العقيدة السليمة مع تنمية المهارات وتفتيق العبقريات في منظومة من القيم الخالدة التي لا تبلى مثل الإيثار والتكافل وإعمال العقل وتهذيب الغرائز وزرع الثقة في الله ثم في الأمة و النفس.

وفي تأملاتها عبر ماضي الحضارة الإسلامية وحاضرها تستشرف الزميلة الفاضلة آفاق ومصير أمتنا وتقترح علينا نماذج للنهضة غير مستوردة مثل منهج الشورى الذي تلائمه الكاتبة لعصرنا حتى يتيح مشاركة المواطن في إدارة الشأن العام وسن الخيارات الوطنية ومثل النظام المالي الإسلامي الذي يتخلق بأخلاق السلف الصالح فينكر الربا ويحث على الفضيلة والعدالة في توزيع الثروة ومثل رسالة المثقف في مجتمعه حيث يصبح المنتج للفكر الحر المسؤول ومثل الإعلام الذي تريده الدكتورة معلم الخير وباث الحقيقة.

نعم ! إن كتاب (حضارة العصر الحديث) يشكل جملة أحلام . ولكنها أحلام بناءة صادقة تنبع من نفس شفافة ومتى تأسست الحضارات بدون هذه الأحلام الكبرى؟ .
إن الحلم بأمة أسعد وأقوى هو الذي كان المحرك الأساسي للكتاب. وإنك حين تبدأ بقراءة هذا الكتاب فلن تسلم من شعور الحيرة البناءة التي تجعلك تفكر وتناقش وربما تعترض وتنقد لكنك في نهاية الكتاب تخرج من قراءته بيقين هو أن الكاتبة أثارت بفصولها قضايا محورية واستنطقت تاريخ الحضارة ونجحت بتوفيق من الله تعالى في رسم صورة المستقبل بفكر ثاقب ولغة سلسة وتواضع جم. وهذه صفات وشروط المفكر إذ يفكر.
______________
الشرق القطرية 23/7/2008م بـ”تصرف”