احذر الغش والتلبيس

اسلاميات

أيها الأخُ المسلمُ: لتعلمْ ـ وفقك اللهُ لما يحب ويرضى ، وباركَ لك في تجارتك ـ أنَّ كُلَّ عملٍ تضر به أخاك المسلمَ ظلمٌ ، والظلمُ ظلماتٌ في القلبِ والقبرِ والحشرِ ، قال صلى الله عليه وسلم : (( اتَّـقُوا الظلمَ فإنَّ الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامةِ ))(1) وأنت يوم القيامة في أمس الحاجة إلى النّور ، فإذا سعى المتقون المؤمنون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئاً ، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب ؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر(2).
أخي المسلمَ ، عاملْ أخاك المسلمَ في بيعك بما تحبُّ أن يعامِلَكَ به ، فانصحْ له وبَـيِّن له عيوبَ السّـلعة ـ إن كان فيها عيوب تعلمها ـ يبارَكْ لك في بيعك ، وتربحْ تجارتُـك ، قال صلى الله عليه وسلم :(( البَيِّعَانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما))(3) وتفصيلُ النّصحِ المأمورِ به في المعاملةِ يكونُ في أمورٍ ثلاثةٍ:
الأول : أن لا تـُثْني على السّـلعة بما ليس فيها ، فإنَّـه كذبٌ ، والكذبُ حرامٌ ، وهو مُمْحِقٌ للبركة ، كما في الحديث السّابق ، ومضى حديثُ : (( المـسلم أخو المـسلمِ لا يَكْذِبه ...)) ثُمَ إنَّ الكذبَ خَصْلَةٌ من خِصَال المنافقين ، قال صلى الله عليه وسلم : (( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصّاً ومن كانت فيه خصلةٌ كانت فيه خصلة من النّفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ))(4) ، ثم إن كذبت على أخيك فقبل السّلعة مصدقاً لك فهو ـ مع كونه كذباً ـ تلبيس وظلمٌ ، وقد عرفت ما في التلبيس والظلم من العقوبة في الدنيا والآخرة .
الثّاني : أن تظهرَ جميعَ عيوبِ السّـلعةِ خفيَّها وجليَّها ولا تكتم منها شيئاً تعلمه ، فذلك واجب ، قال صلى الله عليه وسلم : ((المسلم أخـو المسلم ولا يحلُّ لمسلمٍ باعَ من أخيه بيعاً يعلمُ فيه عَيْباً إلا بَـيَّنه له ))(5) ، فإن أخفيته كان ظلماً وغشاً ، والغِشٌ حرامٌ ، بل قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( مَنْ غشَّنا فليسَ مِنَّا ))(6)
ومر الرّسول صلى الله عليه وسلم علىصبرة طعام(7) فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال : (( ما هذا يا صاحب الطعام قال : أصابته السّماء(8) يا رسول الله ، قال : أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه النّاس ، من غش فليس مني ))(9) .
وإخفاء العيب فيه تركٌ للنُّصح الواجبِ بين المسلمين ، وقد مضى حديث ((الدين النّصيحة)) وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : بايعت النّبي صلى الله عليه وسلم على السّمعِ والطَّاعة ،فَلَقَّنَني فيما استطعت ،والنّصحِ لكلِّ مسلمٍ )) (10) .
الثّالثّ : أن تعدلَ في الكيلِ والوزنِ وغيرِهما من أنواع المقاييس ، فينبغي أن تكيلَ للنَّــاس كما تحبُّ أن يكيلوا لك ، قال الله سبحانه وتعالى :{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِـينَ * الذينَ إذا اكْتَالُوا على النّاسِ يَسْتَوْفُوْنَ * وإذا كَالُوهُمْ أَو ْوَزَنُوْهُمْ يُخْسِرُونَ ألا يَظُنُّ أولئكَ أنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَومٍ عَظِيمٍ }[المطففين:1ـ5] فالله سبحانه وتعالى يتوعد في هذه الآيات الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن وغيرهما ، وإذا باعوا ووزنوا لغيرهم نقصوا ـ بالخسران والهلاك ، ثم يقول سبحانه وتعالى : {ألا يَظُنُّ أولئكَ أنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَومٍ عَظِيمٍ} أي “ أما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السّرائر والضمائر في يوم عظيم الهول ، كثير الفزع ، جليل الخطب ، من خسر فيه أدخل ناراً حامية ، يقومون حفاة عراة غرلاً ، في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ، ويغشاهم من أمر الله سبحانه وتعالى ما تعجز القوى والحواس عنه ” (11) .
أخي المسلمَ ، حتى يتيسَّر لك القيامُ بحقوقِ اللَّهِ ـ سبحانه وتعالى ـ في معاملةِ خَلْقِه ينبغي أن تعتقدَ جازماً بأمرين :
الأول : أن إخفاءَ العيوبِ في السّلعِ وترويجها ، وثناءَك عليها بما ليس فيها وعدمَ عدلك في الكيل والوزنِ وسائرِ المقادير ـ لا يزيد في رزقك بل يمحقه ، ويذهبُ بركتَه ، وما تجمعه من الغِشِّ والتلبيس يهلكه اللَّه دفعةً واحدةّ ، فإذاً لا يزيد مالٌ من خيانةٍ ، كما لا ينقص من صدقةٍ ، ومن لا يعرف الزّيادةَ والنّقصانَ إلا بالميزانِ لم يصدِّق بهذا .
الثّاني : أن تعلمَ أن ربحَ الآخرةِ وغِنَاها خيرٌ من ربحِ الدُّنيا ، وأنَّ فوائدَ أموالِ الدُّنيا تَـنْقضي بانقضاءِ العُمُر ، وتبقى مظالمها وأوزارُها ، فكيفَ يَـسْـتَجيزُ العاقلُ أن يستبدلَ الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ ، والخيرُ كُـلُّه في سلامةِ الدِّين .
تَفْـنَى اللَّذَاذَةُ ممن نالَ شَهْوتـَه مِن الحرَامِ ويَـبْقى الإثمُ والعارُ
تَبقى عَوَاقبُ سوءٍ في مَغَـبَّتها لا خيرَ في لَذَّةٍ من بعدها النّارُ(12)
ويقول الآخر:
فلا تقرب الأمرَ الـحرامَ فإنَّه حلاوته تفنَى ويـَبْقى مَريْرُها
أخي المسْلمَ ، أنت تشهد أن لا إله إلا اللَّه ، وأنَّ محمداً رسولُ اللَّه ، ولكن لا يكفي مجردُ النّطقِ بها ، بل لابد أنْ تعملَ بمقتضاها ، وأن تكونَ خالصّةً من قلبكَ ، فهلْ تدري ما إخلاص لا إله إلا الله؟ ، اقرأ معي هذا الحديث : قال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة )) قِـيْـلَ: وما إخلاصُهـا ؟ قال : تحجزه عما حرم الله )) (13) .
فإن قلتَ : إذا بينت عيوبَ السّلعةِ ، فلن تشترى ، قِـيلَ لك : ليس الأمرُ كذلك ، إذ شَرْطُ التاجرِ المسْلمِ الذي يخاف اللَّهَ واليومَ الآخرَ ، أن لا يشتري للبيعِ إلا الجيدَ الذي يرتضيه لنفسِه لو أمسَكَه ، ثم يقنع في بيعه بربحٍ يسيرٍ، فيبارك اللَّهُ له فيه ، ولا يحتاج بعد ذلك إلى التلبيس والغش (14) .
حواشي احذر ...
(1) أخرجه البخاري في المظالم ، دون قوله : (( اتقوا الظلم)) فتح الباري 5/ 100 ومسلم في البر والصّلة 16/ 134 بشرح النّووي .(2) ابن الجوزي . الفتح 5/100 بتصرف .(3) متفق عليه: البخاري في البيوع ، باب: إذا بين البَيِّعان ولم يكتما ونصحا ، الفتح 4/134 ، ومسلم في البيوع ، باب: الصّدق في البيع والبيان .(4) رواه البخاري ومسلم كلاهما في الإيمان .(5) رواه أحمد ، وابن ماجه ، والحاكم ، واللفظ لأحمد وقال ابن حجر :(( وإسناده حسن )) الفتح 4/ 311 .(6) رواه مسلم في الإيمان 2/ 108 بشرح النّووي .(7) الصّبرة الكومة المجموعة من الطعام (النّووي) .(8) أي المطر .(9) رواه مسلم في الموضع السّابق. (10) متفق عليه ، البخاري في الأحكام ، الفتح 13 / 93 ، ومسلم في الإيمان باب بيان أن الدين النّصيحة . (11) تفسير ابن كثير 4/ 483.(12) ينسبان لعلي رضي الله عنه، انظر مجمع الحكم والأمثال ص444 (13) قال العراقي في تخريج الإحياء 2/76:((أخرجه الطبراني وإسناده حسن)) . (14) انظر في وجوب بيان عيوب السّلع الإحياء 2/75.