الاجتهاد الانتقائي

الاجتهاد

الاجتهاد الانتقائي

الخلاف الفقهي ليس شرا

سعة دائرة الترجيح والانتقاء

عوامل عصرية مؤثرة
1. التغيرات الاجتماعية والسياسية المحلية والعالمية
2. معارف العصر وعلومه
3. ضرورات العصر وحاجاته

ونعني بالاجتهاد الانتقائي: اختيار أحد الآراء المنقولة في تراثنا الفقهي العريض للفتوى أو القضاء به، ترجيحا له على غيره من الآراء والأقوال الأخرى.
ولست مع الذين يقولون: إن أي رأي فقهي إلينا عن أحد المجتهدين نقلا صحيحا يجوز لنا أن نأخذ به دون بحث عن دليله، وخصوصا إذا كان منسوبا إلى أحد المذاهب المتبوعة.
فالواقع أن مثل هذا الأخذ تقليد محض، وليس: من الاجتهاد الذي ندعو إليه في شيء، لأنه مجرد أخذ قول غير المعصوم، بلا حجة.
إنما الذي ندعو إليه هنا: أن نوازن بين الأقوال بعضها وبعض، ونراجع ما استندت إليه من أدلة نصية أو اجتهادية، لنختار في النهاية ما نراه أقوى حجة وأرجح دليلا، وفق معايير الترجيح، وهي كثيرة، ومنها: أن يكون القول أليق بأهل زماننا، وأرفق بالناس، وأقرب إلى يسر الشريعة، وأولى بتحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، ودرء المفاسد عنهم.
ومما لا يجهله دارس أن عندنا ثروة من الآراء والأقوال المختلفة في أكثر مسائل الفقه، فإن المجمع عليه قليل جدا بالنسبة للمختلف فيه، بل كثير مما ادعى الإجماع عليه، ثبت أن فيه خلافا.
ولابد للفقيه المعاصر أن يختار من الآراء المذكورة رأيا يرجحه، ولا يدع الناس في حيرة بين الرأي وضده، حتى أنها أحيانا لتغطي كل احتمالات القسمة العقلية.
وهذا واضح في مثال قتل المكره، أعني من قتل إنسانا تحت ضغط الإكراه الملجئ، فعلى من يكون القصاص؟
قيل: القصاص على من باشر القتل وهو المكره (بفتح الراء)، لأنه هو الذي باشر القتل.
وقيل: القصاص على من أكرهه، لأن القاتل بمثابة آلة له.
وقيل: القصاص عليهما، الأول بمباشرته، والثاني بإكراهه.
وقيل: لا قصاص على أي منهما، لأن جناية كل واحد منهما لم تتكامل.
الخلاف الفقهي ليس شرا
ولا يحسبن القارئ أن هذا الخلاف الفقهي شر أو خطر، كلا. فهو دليل على مرونة شريعتنا، وخصوبة مصادرنا، وثراء فقهنا، وتسامح أئمتنا، فقد تعايشت هذه الأقوال والآراء جنبا إلى جنب، في عصور الاجتهاد، برغم اختلاف منازعها، وتعدد مشاربها، ولم تكن بينها إلا التعاون والاحترام المتبادل، وأقصى ما قال مجتهد عن نفسه: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
بل كان هناك من يرى أن رأي كل مجتهد صواب، وأن حكم الله في المسألة هو ما انتهى إليه المجتهد في اجتهاده. وهؤلاء هم الذين يسمون “المصوبة”.
بل رأينا في داخل المذهب الواحد خلافا، يقل ويكثر، ويضيق ويتسع، بسبب تعدد الروايات عن إمام المذهب، وأقوال أصحابه، واختيارات من بعدهم، حتى مذهب الإمام أحمد الذي يظن أنه يقوم على الأثر، قد ملأ الخلاف المذهبي فيه صحائف اثنى عشر مجلدا، وذلك في كتاب “الإنصاف في الراجح من الخلاف، على مذهب الإمام المبجل، أحمد بن حنبل”.
إنما الذي نريده هنا أن ننتقي من هذه التركة الغنية ما نراه أوفق بمجتمعاتنا وعصرنا، بعد البحث والموازنة والتمحيص.
وقد رأينا صاحبي أبي حنيفة: أبا يوسف ومحمدا يخالفانه في بعض القضايا لتغير زمانهما عن زمانه، ويقول في ذلك علماء المذهب: هذا اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان.

سعة دائرة الترجيح والانتقاء
وفي دائرة هذا الانتقاء يجوز لنا أن نرجح رأيا من داخل المذاهب الأربعة، ربما كان هو الرأي المفتى به في المذهب، وربما كان غير المفتي به. لأن المفتى به في عصر معين، وفي بيئة معينة، وفي ظل ظروف معينة، قد يصبح غير صالح للإفتاء به إذا تغير العصر، أو تغيرت البيئة، أو تغيرت الظروف، وهو ما عبر عنه علماؤنا بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف.
ومن أجل هذا اختلفت التصحيحات والترجيحات داخل المذهب الواحد من عصر إلى عصر، فكم من قول في مذهب كان مهجورا، جاء من أبرزه وشهره، وكم من قول كان مرجوحا، ثم جدت وقائع وأحوال، جعلت بعض العلماء يرجحه ويقويه، حتى أصبح هو المعتمد والمفتى به، والأمثلة على ذلك كثير داخل المذاهب الأربعة.
وقد تأخذ في مسألة بمذهب مالك، وفي أخرى بمذهب أبي حنيفة وفي ثالثة بمذهب الشافعي وفي رابعة بمذهب أحمد.
كما إذا أخذنا في مصارف الزكاة مثلا بمذهب مالك في بقاء سهم (المؤلفة قلوبهم) وبمذهب أبي حنيفة في جواز نقل الزكاة لذي رحم محرم، أو لمن هو أشد حاجة وبمذهب الشافعي في إعطاء الفقير والمسكين ما يكفيه طول عمره، ولا يحوجه إلى الزكاة مرة أخرى.
وبمذهب أحمد في صرف الزكاة في شراء السلاح والكراع ونحوها باعتبارها “في سبيل الله” دون قصرها على الغزاة المتطوعين.
وقد تأخذ في جزء من المسألة بمذهب أحدهم، وفي جزء آخر بمذهب غيره وليس هذا تلفيقا كما ذهب إليه المتأخرون، ومنعوه في بعض الصور، لأن التلفيق المقصود يعني ترقيع بعض الأقوال ببعض بغير دليل، إلا التقليد المحض، واتباع ما يشتهى لا ما يصح ويترجح.. بخلاف ما ندعو إليه هنا، فإنه اتباع للدليل حيث كان، سواء وافق هذا المذهب أم لم يوافق، وإنما تذكر الموافقة من باب الاستئناس والتقوية.
وهذا ما ترجح للعلماء الناظرين في المعاملة التي تجريها “المصارف الإسلامية” والتي أطلق عليها “بيع المرابحة للآمر بالشراء” فقد رجحوا جوازها، بناء على أن الأصل في المعاملات الإذن والإباحة، وأن الأصل في البيوع الحل (وأحل الله البيع وحرم الربا) ووافقوا في هذا مذهب الشافعي الذي نص عليه في الأم بقوله.
ولكنهم خالفوا الشافعي هنا، حيث رأى أن الآمر بالشراء أو الواعد به، مخير بعد شراء المأمور السلعة بالفعل: إن شاء أمضى البيع المتواعد عليه، وإن شاء تركه.
والذي رآه هؤلاء ـ ورأيته معهم ـ أن وعده بالشراء بعد طلب السلعة ملزم له، بناء على وجوب الوفاء بالوعد ديانة، كما تدل عليه ظواهر النصوص من القرآن والسنة، وكما ذهب إليه عدد من علماء السلف والخلف، وأن كل ما هو واجب ديانة يجوز الإلزام به قضاء.. وبعضهم كان قاضيا يلزم بالوعد، وقد كتبت في ذلك دراسة ضافية.
وفي دائرة الانتقاء يجوز لنا الخروج على المذاهب الأربعة، لاختيار رأي قال به أحد فقهاء الصحابة أو التابعين، أو من بعدهم من أئمة السلف.
ومن الخطأ الظن بأن رأي أمثال عمر وعلي وعائشة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ومعاذ وغيرهم من علماء الصحابة، أو رأي مثل ابن المسيب والفقهاء السبعة وابن جبير، وطاوس وعطاء والحسن وابن سيرين والزهري والنخعي أو مثل الليث بن سعد والأوزاعي والثوري والطبري وغيرهم دون رأي الأئمة المتبوعين.
ولهذا لم أجد حرجا أن آخذ في قضية الرضاع برأي الليث بن سعد وداود بن علي، وأصحابه من الظاهرية ومنهم ابن حزم، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد: في اعتبار الرضاع ما كان عن طريق التقام الثدي وامتصاص اللبن منه، دون الوجور ـ الصب في الحلق ـ أو السعوط ـ الصب في الأذن ـ ونحوهما، لأن هذا ما تدل عليه كلمة “الرضاع” و”الرضاعة” و”الإرضاع”، التي رتب عليها التحريم في القرآن والسنة. وهو ما وقف عنده ابن حزم ووضحه بكل قوة، وعلى أساسه أجزت “بنوك الحليب” إذا دعت إليها الحاجة، واقتضتها المصلحة، بالإضافة إلى عنصر الشك فيمن أرضعت، وكم أرضعت، واختلاط لبنها بلبن غيرها.. مما يضعف في النهاية القول بالتحريم، كما نصت عليه كتب المذهب الحنفي.
وقد ذهب العلامة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود في رسالته “يسر الإسلام” إلى جواز الرمي قبل الزوال في الحج، موافقا في ذلك رأي فقيهين من فقهاء التابعين هما عطاء وطاوس، ومستندا إلى عدد من الحجج والاعتبارات الشرعية القوية منها:
1. الحاجة التي تبلغ مبلغ الضرورة في بعض الأعوام حينما يشتد الزحام حتى يهلك الناس تحت الأقدام، كما في الموسم الفائت (1403هـ) حيث بلغ عدد الحجاج نحو ثلاثة ملايين.
2. اليسر الذي قامت عليه الشريعة بصفة عامة، وفي الحج بصفة خاصة، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم، ما سئل عن أمر قدم ولا أخر من أفعال الحج وإلا قال “افعل ولا حرج”.
3. أن الرمي من الأمور التي تحدث بعد التحلل النهائي من الإحرام بالحج.
4. أن أبا حنيفة: أجاز الرمي قبل الزوال في يوم النفر، لحاجة المسافر إلى التكبير.
5. أن الحنابلة أجازوا للحاج أن يؤخر الرمي كله إلى اليوم الأخير.
6. أنهم أجازوا تأخير الرمي إلى الليل.
7. أن القصد من الرمي هو الذكر ـ كما في الحديث “إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله تعالى” رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وقال تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) وأجمعوا على أنها أيام التشريق الثلاثة من الحادي عشر إلى الثالث عشر من ذي الحجة.
وذكر الله في هذه الأيام هو التكبير في أدبار الصلوات، والدعاء والتكبير عند رمي الجمار، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص هذا المقام بتطويل الوقوف للذكر والدعاء والابتهال، كما رواه عنه ابن عمر وهو في صحيح البخاري.
8. أنه لم يأت نص بالنهي عن الرمي قبل الزوال، وكل ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال. ومجرد فعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على أكثر من المشروعية أو الاستحباب، أما الوجوب فلابد له من دليل آخر. وقوله صلى الله عليه وسلم: “خذوا مناسككم” لا يدل على أن كل أفعال الحج مأخوذة عنه واجبة، كما أن قوله: “صلوا كما رأيتموني أصلي” لا يدل على أن كل أفعال الصلاة المروية عنه واجبة ففيها الركن والواجب والمستحب.
ومن العجائب ـ والعجائب جمة ـ أن الناس يلقون مصارعهم، وتدوسهم أقدام المتزاحمين على الرمي بعد الزوال ـ ولا تبالي هذه الأمواج البشرية بما تزهق من أرواح مؤمنة.. ومع هذا لا يزال أكثر علمائنا متشبثين بفرضية الرمي بعد الزوال، وليمت من يموت!

عوامل عصرية مؤثرة في الانتقاء
ولا ريب أن هناك عوامل جدت في عصرنا، ينبغي أن يكون لها تأثيرها القوي في الانتقاء والترجيح بين الآراء المنقولة في تراثنا.
1. التغيرات الاجتماعية والسياسية المحلية والعالمية
فمما لا ينازع فيه أحد أن عصرنا قد حدثت فيه تغيرات ضخمة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وهذه تفرض على الفقيه أن يعرض عن بعض الأقوال القديمة التي لم تعد تلائم الأوضاع الجديدة بحال، وأن يختار بعض الآراء التي لم يكن لها الأرجحية من قبل، بل لعلها كانت مرجوحة أو مهجورة.
ولا بأس أن نذكر لذلك بعض الأمثلة.
ذكر معظم الفقهاء في العصور المتأخرة أن المرأة تصلي في بيتها ولا تخرج إلى المسجد، وبخاصة الشابة، وعلى أبيها أو زوجها أن يعلمها أمور دينها.
فهذا إن قيل به في العصور الماضية يوم كانت المرأة حبيسة بيتها، لا يجوز أن يقال به اليوم، بعد أن خرجت المرأة إلى المدرسة والجامعة والسوق المنتزه والعمل وأصبح المكان الوحيد المحرم عليها هو المسجد! وغدونا نرى كل نساء العالم يذهبن إلى معابدهن: النصرانية تذهب إلى الكنيسة، واليهودية إلى البيعة، والوثنية إلى المعبد. والمسلمة هي الوحيدة المحرومة من المشاركة في العبادة في مساجد الإسلام.
على أن المسجد ليس دارا للعبادة فحسب، بل هو جامع للعبادة، وجامعة للعلم ومنتدى للتعارف، ومركز للنشاط، يلتقي فيه أبناء البلد أو الحي، فيتفقهون، ويتأدبون ويتعارفون ويتآلفون، ويتعاونون، وهذا يشمل المؤمنين والمؤمنات: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [التوبة:71].
وإذا كان الفقهاء السابقون قد وكلوا إلى الأب أو الزوج تعليم المرأة وتفقيهها في دينها، فالواقع يقول: أن الآباء والأزواج لم يقوموا بمهمتهم، لأنهم أنفسهم كانوا ولا زالوا في حاجة إلى من يفقههم، وفاقد الشيء لا يعطيه.
هذا مع أن الحديث الصحيح يقول: “لا تمنعوا إما الله مساجد الله” وكان النساء في عصر النبوة يذهبن إلى المسجد، ويحضرن الجماعة، ولازال “باب النساء” في المسجد النبوي معروفا إلى اليوم.
ومن ذلك ما ذهب إليه الشافعية، والمالكية، ومعظم الحنابلة: أن من حق الأب أن يجبر ابنته البكر البالغة الرشيدة على الزواج بمن يريد، وإن لم يستأذنها بل يزوجها وإن كانت كارهة رافضة، بناء على أن الأب أعلم بمصلحتها، وغير مهتم في أمرها. وربما يقبل هذا في زمن لم تكن تعرف الفتاة، عمن يتقدم لخطبتها شيئا إلا عن طريق وليها وأهلها.
ولكن الظروف الاجتماعية الحديثة التي هيأت للمرأة أن تتعلم وتتثقف وتعمل. وتطلع على الكثير من شئون الحياة والمجتمع والعالم، تجعل الفقيه المعاصر يختار في هذه القضية مذهب أبي حنيفة، وأصحابه ومن وافقهم من الأئمة، الذي جعل الأمر إلى الفتاة، واشترط رضاها وإذنها، وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة: “إن البكر تستأذن وإذنها صمتها” كما في الصحيحين. “والبكر يستأذنها أبوها” كما في صحيح مسلم، وفي سنن النسائي وغيره: أن أبا زوج ابنته من ابن أخيه وهي له كارهة، فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الأمر إليها. فلما تقرر لها هذا الحق قالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن يعلم الآباء أن ليس لهم من الأمر شيء!
ومن التغيرات المعاصرة المهمة: التغير في المجال الاقتصادي، ولا سيما ما كان في صالح الفئات الضعيفة والمسحوقة في المجتمع.
وهذا ما يوجه الفقه الاقتصادي إلى ترجيح الأقوال التي تشد أزر هؤلاء، وتقلل الفوارق بين الطبقات، فتحد من طغيان الأغنياء، وترفع من مستوى الفقراء.
ومن هنا رجح الفقه المعاصر هذه الأقوال:
قول أبى يوسف: “كل ما يضر بالناس حبسه فهو احتكار، سواء كان قوتا أم غيره”.
قول الشافعي: “إن الفقير يعطى من الزكاة ما يغنيه طول عمره، ولا يحوجه إلى أخذها مرة أخرى، مادام في حصيلة الزكاة متسع لذلك”. وهو ما جاء عن عمر رضي الله عنه في قوله: “إذا أعطيتم فأغنوا”.
قول ابن تيمية وغيره: “إن التسعير جائز بل واجب إذا تلاعب التجار بالأسعار واحتكروا السلع، لرفع الضرر عن الناس، وإلزام التجار بالعدل الذي ألزمهم الله به”.
بل جواز تدخل الدولة حماية لأي طرف ضعيف ـ وبخاصة الجمهور ـ في مقابلة الطرف القوي، سواء كان القوي المحتكر، يتمثل في المنتج أو التاجر أو العامل، ويكون ذلك بتحديد ثمن المثل، وأجر المثل. كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة الحسبة.
قول ابن حزم: “وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم. ولا فيء سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة”.
وفي المجال السياسي عرف الناس في عصرنا تنظيم حق الشعوب في اختيار حكامها ومحاسبتهم وتقييد سلطتهم، وعزلهم إذا خانوا دستور البلاد.
ومثل هذا المناخ الفكري يجعل القول بأن الشورى معلمة لا ملزمة، لم يعد قولا مقبولا في هذا العصر. وغدا القول المنصور اليوم في نظر الفقه العصري: إن الشورى ملزمة. ولا يجوز للحاكم المسلم أن يستشير أهل الحل والعقد ثم يضرب بآرائهم ـ أو بآراء أغلبيتهم ـ عرض الحائط، وينفذ ما يراه هو، وأي قيمة للشورى حينئذ إذا كان رأي الحاكم هو الذي يمضي؟ وماذا يحل أو يعقد أهل الحل والعقد إذا كانوا يشاورون ويخالفون؟
وفي المجال الدولي نرى العالم قد تقارب حتى غدا كأنه مدينة واحدة، بل قال بعض فلاسفة العصر: العالم قريتنا الكبرى!
وقد ربطت جملة من المواثيق والمعاهدات الدولية السياسية والثقافية والاقتصادية بين دول العالم بعضها وبعض، وأصبح الجميع أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وما يتفرع عنها من مؤسسات.
وهذا كله يوجب على الفقيه المعاصر أن ينظر في الفقه الموروث حول العلاقات الدولية، وعلاقة دار الإسلام بدار الكفر: هل الأصل هو السلم أو الحرب؟ وهل يقاتل الكفار لكفرهم أم لعدوانهم؟ وما وضع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي وما وضع المسلمين في مجتمع غير إسلامي؟
كل هذه وغيرها لا يكفي أن يلتزم فيها مذهب واحد، بل لابد من النظر في جميع المذاهب والأقوال لنأخذ منها ما هو أرجح في نظرنا اليوم، وأليق بتحقيق مصالح المسلمين، ودرء الخطر عنهم، ودفع الشبهات والمفتريات عن دينهم.

2. معارف العصر وعلومه
ومن العوامل المؤثرة في ترجيح رأي على آخر في عصرنا، ما توافر لدينا اليوم من علوم ومعارف لم تكن لدى أسلافنا من فقهاء الأمة، وخصوصا في مجال العلوم الطبيعية والكونية التي يعرف التلميذ في المرحلة الابتدائية منا ما لم يكن يعرفه أكبر الفلاسفة في العصور الماضية.
فهذه المعارف الجديدة قد صححت للمعاصرين كثيرا من المعلومات القديمة في الطبيعة أو الفلك والكيمياء والأحياء والطب والتشريح ووظائف الأعضاء وغيرها كما أنها أعطت الإنسان أدوات للمعرفة الصحيحة، ومقاييس لاختيارها، لم تكن معروفة من قبل.
وهذه المعارف التي تتسع وتنمو يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، تمنح الفقيه المعاصر قدرة على أن يحكم على بعض الأقوال الفقهية الموروثة بالضعف وعلى أخرى بالصحة والرجحان.
لنأخذ مثلا لذلك مذهب من قال: أن الخمر هي ما اتخذ من العنب فقط خلافا، لمن قال: كل مسكر خمر.
فالعلم الحديث يثبت أن المادة الفعالة في الإسكار هي “الكحول” وهو موجود فيما يتخذ من العنب، كما يوجد فيما يتخذ من البلح أو التفاح أو الشعير أو البصل أو غيرها.
وبهذا يتفق العلم اليوم مع الحديث الصحيح “كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام”.
ومثل آخر: هو ما ذكره الفقهاء في أقصى مدة يمكنها الحمل في بطن الأم، من سنتين عند الحنفية، بناء على ما روى في ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وهو رأى عند الحنابلة، إلى أربع سنوات عند الشافعية والحنابلة، إلى خمس عند المالكية بل روى عندهم: سبع سنوات! اعتمادا على أقوال مروية عن بعض النساء.
وعلم العصر القائم على الملاحظة والتجربة، يرفض هذه الأقوال المبالغة التي لا تؤيدها المشاهدة والاستقراء والحق أنها لم يقم عليها دليل من كتاب أو سنة حتى رفضها كلها رجل مثل ابن حزم الظاهري، واكتفى بالرجوع إلى عادة الناس المتكررة في ذلك، ورأى أن مدة الحمل تسعة أشهر، وذهب غيره (محمد بن عبد الله بن عبد الحكم) إلى أن أقصى الحمل سنة قمرية، وبه أخذت بعض قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة.
ولو كان لهذه الأقوال المذكورة سند من الواقع المبني على الاستقراء ما غاب ذلك عن أجهزة الرصد والإعلام، التي تجري وراء كل واقعة نادرة أو شاذة ولو كانت في أقصى أطراف الأرض، ولطيرت أخبارها إلى أنحاء العالم، كما رأينا ذلك فيمن تلد عدة توائم، حيث تتناقل وكالات الأنباء أخبارها، وتثبتها في أرجاء المعمورة.
يقول العلامة الشيخ أبو زهرة في كتابه عن “الأحوال الشخصية”:
“والحق في هذه القضية أن هذه التقديرات لم تبن على النصوص، بل على ادعاء الوقوع في هذه المدد، وأن الاستقراء في عصرنا الحاضر لا يجد من الوقائع ما يؤيد التقدير بخمس، ولا أربع، ولا سنتين، وإنما الوقائع تؤيد التقدير بتسعة أشهر، وقد يوجب الاحتياط التقدير بسنة، ورجح بعض الفقهاء المتقدمين ذلك فقد قال ابن رشد: وهذه المسألة الرجوع فيها إلى العادة والتجربة، وقول ابن الحكم والظاهرية هو الأقرب إلى المعتاد”.
ولقد كان العمل بمقتضى مذهب أبي حنيفة، وهو اعتبار أقصى مدة الحمل سنتين، ولكن جاء القانون رقم 25 لسنة 1929 فعد أقصى مدة الحمل سنة شمسية (365) بالنسبة لسماع دعوى النسب كما تقرر ذلك بالنسبة لثبوت الإرث للحمل وثبوت الوصية له.
وهذا قريب من مذهب الحكم، وليس هو النص، لأن السنة عند ذلك الفقيه المالكي هلالية، ولأن الأساس عنده ألا يثبت النسب، إن جاء الولد بعدها لا ألا تسمع الدعوى فقط.
ومن ذلك ما قاله جماعة من الفقهاء: أن الولد يمكن أن ينسب إلى أبوين رجلين وبعضهم قال ينسب إلى ثلاثة إذا ادعوا نسبه، أو ألحقه بهم القافة (الخبراء الذين يحكمون بالشبه) خلافا لمذهب الشافعي الذي قال: لا يلحق الولد بأبوين، ولا يكون الإنسان إلا أب واحد، ومتى ألحقته القافة باثنين سقط قولهم.
وحجته أن الله قد أجرى عادته أن للوالد أبا واحدا، وأما واحدة، ولم يعهد قط في الوجود نسبة ولد إلى أبوين فقط.
ومن ألحق باثنين قالوا: إن الولد قد ينعقد من ماء رجلين كما ينعقد من ماء الرجل والمرأة.
وقال الآخرون: إذا جاز تخليقه من ماء رجلين جاز تخليقه من ماء ثلاثة وأربعة وخمسة.
وهذا كله مرفوض بمنطق العلم الحديث ومسلماته التي دلت عليها الملاحظة والتجربة وآلات الاختبار والتصوير وغيرها.
فقد أصبح من أوليات العلم اليوم: أن الجنين يتكون من حيوان منوي واحد من الرجل وبويضة من المرأة، يلتقي بها فيلقحها ويغلق عليها الرحم، ويتكون منها كائن حي ينمو ويتطور يوما بعد يوم، وأمكن رصد نموه، وتصويره منذ المرحلة الأولى.
ولهذا تكون هذه الافتراضات التي جوزت أن يتخلق الولد من ماء اثنين أو أكثر لا محل لها.
وهذا يرجح مذهب الشافعي ومن وافقه هنا، وهو الموافق للشرع وللعادة في نسبة الإنسان إلى أب واحد لا أكثر.

3. ضرورات العصر وحاجاته
وعامل آخر له أهميته في مجال الاجتهاد الانتقائي، وهو ضرورات العصر وحاجاته، التي تفرض على الفقيه المعاصر الاتجاه إلى مراعاة الواقع والتيسير والتخفيف في الأحكام الفرعية العملية، سواء في العبادات أم المعاملات، ولا سيما من كان يجتهد لعموم الناس، فإن المطلوب منه رعاية الضرورات والأعذار والحالات الاستثنائية عملا بالتوجيه القرآني: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [سورة البقرة:185]. والتوجيه النبوي: “يسروا ولا تعسروا” متفق عليه.
هذه الضرورات العصرية هي التي جعلت الفقه المعاصر يتجه إلى إجازة سفر المرأة في الطائرات ونحوها. بغير محرم ـ بموافقة زوجها أو أهلها ـ إذا توافر شرط الأمن والطمأنينة عليها، كما هو قول ابن حزم الذي استدل لذلك بحديث “الظعينة” التي تسافر من الحيرة إلى الكعبة لا تخاف إلا الله!
وهذه الضرورات هي التي جعلت علماء العصر لا يرون حرجا في بيع المصحف لحاجة الناس إلى ذلك، رغم نص كثير من الفقهاء على كراهة بيعه أو تحريمه.
وهي التي جعلت الكثيرين من أهل الفتوى يأخذون برأي ابن تيمية وابن القيم في جواز طواف الحائض في الحج طواف الإفاضة ـ بعد تحفظها واحتياطها من نزول الدم ـ إذا كانت لا تستطيع التخلف عن رفقتها، ومواعيد رجوعها في الباخرة أو الطائرة ونحوها.
وهي التي جعلتهم يفتون أيضا بجواز الرمي قبل الزوال في منى، نظرا لضرورات الزحام الهائل الذي جعل الناس يرمون من الصباح إلى منتصف الليل ولا تنقطع الأمواج البشرية المتلاطمة.

الاجتهاد الإنشائي
ونعني بالاجتهاد الإنشائي: استنباط حكم جديد في مسألة من المسائل، لم يقل به أحد من السابقين، سواء كانت المسألة قديمة أم جديدة.
ومعنى هذا أن الاجتهاد الإنشائي قد يشمل بعض المسائل القديمة بأن يبدو للمجتهد المعاصر فيها رأي جديد لم ينقل عن علماء السلف ولا حجر على فضل الله تعالى.
والقول الصحيح الذي نرجحه أن المسألة الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء السابقون على قولين، يجوز للمجتهد فيما بعد أن يحدث قولا ثالثا، وإذا اختلفوا على ثلاثة أقوال، يجوز أن يحدث رابعا، وهلم جرا.
وذلك لأن الخلاف فيها يدل على أنها قابلة لتعدد وجهات النظر، واختلاف الآراء، وآراء أهل النظر والاجتهاد لا يجوز تجميدها ولا إيقافها عند حد معين.
وهذا ما جعلني اختار في زكاة الأرض المستأجرة: أن يزكي المستأجر الزرع والثمر الذي يحصله من الأرض ـ إذا بلغ نصابا ـ محسوبا منه مقدار الأجرة التي يدفعها لمالك الأرض ومؤجرها له. باعتبارها دينا عليه، وبذلك يزكي ما خلص له من زرع الأرض.
وأما المالك المؤجر فهو يزكي ما يقبضه من أجرة الأرض ـ إذا بلغ نصابا ـ محسوما منه ما يدفعه من ضرائب عقارية مفروضة على رقعة الأرض. وبذلك يزكي كل منهما ما وصل إليه من مال عن طريق الأرض، كما لو اشتركا فيها بطريق المزارعة، فإن كل منهما يزكي نصيبه.
وهذا القول بهذه الصورة لم يذهب إليه أحد ممن سبق. وإنما قال أكثرهم زكاة الزروع والثمار في الأرض المستأجرة على المستأجر، وقال أبو حنيفة: على المالك المؤجر.
وسبب الخلاف كما قال العلامة ابن رشد في “بداية المجتهد”: هل الزكاة ـ أو العشر ـ حق الزرع أو حق الأرض، أو حق مجموعهما؟ إلا أنه لم يقل أحد: أنه حق لمجموعهما، وهو في الحقيقة حق مجموعهما.
ومثل ذلك اجتهادنا: أن يكون للزكاة في النقود اليوم نصاب واحد لا نصابان وأن الأولى أن يقدر النصاب بقيمة نصاب الذهب لا الفضة، وأن هذا ليس خروجا على النص ولا الإجماع، كما هو مبين في موضعه.
على أن أكثر ما يكون الاجتهاد الإنشائي في المسائل الجديدة، التي لم يعرفها السابقون ولم تكن في أزمانهم، أو عرفوها في صورة مصغرة، بحيث لا تكون مشكلة ولا تدفع الفقيه إلى البحث عن حل لها باجتهاد جديد. فكما أن الحاجة هي التي تدفع إلى الاختراع، فإن معاناة المشكلة هي التي تدفع إلى الاجتهاد.
من ذلك ما ذهب إليه علامة زمانه مفتي الديار المصرية: الشيخ محمد بخيت المطيعي في رسالته “القول الكافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي” أن هذا التصوير حلال، لأن علة التحريم هي مضاهاة خلق الله، وهذا التصوير ليس مضاهاة لخلق الله تعالى، وإنما هو خلق الله نفسه انعكس على الورق، كما تنعكس الصورة في المرآة، واستطاع الإنسان بالعلم أن يثبتها بوسائط معينة..الخ.
وهذا في نظري اجتهاد إنشائي صحيح، يؤيده أن أهل قطر والخليج يسمون التصوير “عكسا” والصور “عكوسا” والمصور “عكاسا” ويقول أحدهم للمصور “اعكسني”.
ولو أن الناس سموا هذا التصوير أول ما عرف في بلادنا “العكس” ولم يطلقوا عليه لفظ “التصوير” ما ثارت الشبهة في أذهان كثير من المتشددين الذين يحرمون كل “عكس” ولو كان “تليفزيونيا” مع أن الصورة التي نشاهدها في التلفاز هي انعكاس خلق الله نفسه، وليس صورة مضاهية له.
ومن ذلك ما ذهب إليه جماعة من علماء العصر من وجوب الزكاة في إيراد العمارات السكنية المؤجرة وكذلك المصانع ونحوها. وهو رأي المشايخ محمد أبي زهرة وعبد الوهاب خلاف، وعبد الرحمن حسن، وهو ما رجحناه وأيدناه بالأدلة في كتابنا “فقه الزكاة”.
ومن ذلك ما ذهب إليه الشيخ عبدالله بن زيد المحمود رئيس المحاكم الشرعية في دولة قطر من جواز الإحرام من جدة لركاب الطائرات.
فهذا اجتهاد إنشائي جديد، حيث لم يكن لدى السابقين طائرات، وقد استند الشيخ حفظه الله إلى أن الحكمة في وضع المواقيت في أماكنها الحالية كونها بطرق الناس، وأنها على مداخل مكة، وكلها تقع بأطراف الحجاز، وقد صارت جدة طريقا لجميع ركاب الطائرات، ويحتاجون بداعي الضرورة إلى تعيين ميقات أرضي يحرمون منه لحجهم وعمرتهم، فوجبت إجابتهم، كما وقت عمر لأهل العراق ذات عرق. إذ لا يمكن جعل الميقات في أجواء السماء، أو في لجة البحر، الذي لا يمكن الناس فيه من فعل ما ينبغي لهم فعله، من خلع الثياب، والاغتسال للإحرام، والصلاة، وسائر ما يسن للإحرام، إذ هو مما تقتضيه الضرورة، وتوجيه المصلحة، ويوافقه المعقول ولا يخالف نصوص الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد علق الشيخ على الحديث الشريف الذي ورد في المواقيت المعروفة “هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن” فقال:
“ومن المعلوم أن مرور الطائرة فوق سماء الميقات ـ وهي محلقة في السماء ـ لا يصدق على أهلها أنهم أتوا الميقات المحدد لهم لا لغة ولا عرفا، لكون الإتيان هو الوصول إلى الشيء في محله.. فلا يأثم من جاوزها في الطائرة ولا يتعلق به دم عن المخالفة”.
وهذا تيسير عظيم على الناس في هذا الزمان، بدل تكليفهم الإحرام في الطائرة مع ما فيه من حرج، أو الإحرام من بيوتهم في بلادهم، ولم يلزمهم الله بذلك.
وقد كنت قرأت لبعض علماء المالكية أقوالا لها اعتبارها، في جواز تأخير الإحرام في البحر لركاب السفن، حتى ينزلوا إلى البر في جدة، مستدلين بمثل الاعتبارات التي ركن إليها فضيلة الشيخ، ولا ريب أن راكب الجو المعلق بين السماء والأرض، أولى بالتيسير من راكب البحر.

الاجتهاد الجامع بين الانتقاء والإنشاء

قانون الوصية الواجبة

نظرة تحليلية للقانون

الأحكام التي تؤخذ من هذه المواد القانونية

متى يجوز الإجهاض

ومن الاجتهاد المعاصر ما يجمع بين الانتقاء والإنشاء معا. فهو يختار من أقوال القدماء ما يراه أوفق وأرجح، ويضيف إليه عناصر اجتهادية جديدة.
قانون الوصية الواجبة
مثال ذلك قانون “الوصية الواجبة” المعمول به في مصر منذ عدة سنين كما تدل على ذلك نصوص مواده التالية:
مادة 76
وإذا لم يوص لفرع ولده، الذي مات في حياته، أو مات معه ولو حكما، بمثل ما كان يستحقه هذا الولد ميراثا في تركته، لو كان حيا عند موته، وجبت للفرع في التركة وصية بقدر هذا النصيب. في حدود الثلث بشرط أن يكون غير وارث، وألا يكون الميت قد أعطاه بغير عوض من طريق تصريف آخر قدر ما يجب له. وإن كان ما أعطاه أقل منه وجبت له وصية بقدر ما يكمله.
وتكون هذه الوصية لأهل الطبقة الأولى من أولاد البنات، ولأولاد الأبناء من أولاد الظهور، وإن نزلوا. على أن يحجب كل أصل فرعه، دون فرع غيره، وأن يقسم كل أصل على فرعه وإن نزل قسمة الميراث، كما لو كان أصله أو أصوله الذين يدلى بهم في الميت ماتوا بعده. وكان موتهم مرتبا كترتيب الطبقات.
مادة 77
إذا أوصى الميت لمن وجبت له الوصية بأكثر من نصيبه ـ كانت الزيادة وصية اختيارية. وإن أوصى له بأقل من نصيبه وجب له ما يكمله.
وإن أوصى لبعض من وجبت لهم الوصية دون البعض الآخر ـ وجب لمن لم يوص له قدر نصيبه.
ويؤخذ نصيب من لم يوص له. ويوفى نصيب من أوصى له بأقل مما وجب ـ من باقي الثلث، فإن ضاق عن ذلك فمنه ومما هو مشغول بالوصية الاختيارية.
مادة 78
الوصية الواجبة مقدمة على غيرها من الوصايا.
فإذا لم يوص الميت لمن وجبت له الوصية، وأوصى لغيرهم استحق كل من وجبت له الوصية قدر نصيبه من باقي ثلث التركة، إن وفى، وإلا فمنه ومما أوصى به لغيرهم.

الأحكام التي تؤخذ من هذه المواد القانونية
وبالنظر إلى هذه الصياغة القانونية، نستطيع أن نقول: أنها اشتملت على الأحكام الآتية:
1. إنه يجب على الشخص أن يوصي لفرع لولده الذي مات في حياته بنصيبه الذي كان يرثه لو كان حيا.
2. إذا كان الفرع المتوفى في حياة أحد والديه ذكرا يجب له الوصية ولابنه مهما نزل كابن ابن ابن مثلا، بشرط ألا تتوسط أنثى بينه وبين الميت مثل ابن ابن بنت ابن، ففي هذه الحالة لا تستحق الطبقات التي تلي الأنثى.
3. إذا كان الفرع المتوفى في حياة أحد والديه أنثى ـ لا تجب الوصية إلا للطبقة الأولى التي تليها فقط، فعندما تتوفى “بنت” في حياة أحد والديها لا تجب الوصية إلا لولدها فقط، أي ابنها وبنتها، ولا تجب لابن ابنها ولا لابن بنتها.
4. كل طبقة تستحق الوصية الواجبة تحجب من دونها إذا اتصل بها، أما إذا لم يتصل بها فلا تحجبه. ولو أسفل منها.
5. إذا لم يوص المورث بهذه الوصية الواجبة نفذت في ماله بحكم القانون.
6. إن تزاحمت الوصية الاختيارية والوصية الواجبة قدمت الوصية الواجبة على غيرها. وما بقي تتزاحم فيه الوصية الاختيارية.
7. يقسم الموصى به في الوصية الواجبة بين المستحقين تقسيم الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين إن كانوا مختلطين: ذكورا وإناثا، وإن كانوا جنسا واحدا قسم بينهم بالتساوي.
8. هذا الاستحقاق بالوصية الواجبة مشروطة بما يلي:

ألا يكون الفرع الذي مات أصله في حياة أحد أمواته حائزا لأي قدر من التركة بطريق الميراث. مهما كان هذا المقدار قليلا، ولو وصى لهم تكون الوصية حينئذ وصية اختيارية. لا تقدم على غيرها. وتجرى عليها كل أحكام الوصية الاختيارية.

ألا يكون الميت أعطاهم “بغير عوض” بطريق آخر غير الميراث، كالهبة والوقف، ونحو ذلك، مقدار من المال يساوي ما وجبت به الوصية.
فإن كان أعطاهم أقل مما تجب به الوصية كمل لهم إلى ما يجب: نصيب الموروث، أو الثلث.

تقدر الوصية الواجبة بنصيب المتوفى، بشرط ألا يزيد على الثلث فإن زاد على الثلث لا يعطى إلا بمقدار الثلث، وتكون الزيادة وصية اختيارية، وإن أوصى بأقل من النصيب كمل بشرط ألا يزيد على الثلث، كما أشرنا من قبل.

نظرة تحليلية للقانون
وإذا نظرنا في هذا القانون نجد أنه مبني على مذهب بعض السلف في وجوب الوصية لغير الوارث من الأقربين، كما يدل عليه قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) [سورة البقرة:180].
وهو المذهب الذي اختاره وأيده ابن حزم في “المحلى”.
قال ابن حزم:
“الوصية فرض على كل من ترك مالا، لما روينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما حق امرئ مسلم له شيء يوص فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة”.
وروى ابن حزم بسنده إيجاب الوصية عن ابن عمر من قوله، وعن طلحة والزبير أنهما كانا يشددان في الوصية، وهو قول عبدالله بن أبي أوفى وطلحة بن مطرف وطاوس والشعبي وغيرهم. وهو قول داود والظاهرية.
ثم قال بعد ذلك: فمن مات ولم يوص نفرض أن يتصدق عن ما تيسر، ولابد. لأن فرض الوصية واجب كما أوردنا، فصح أنه قد وجب أن يخرج شيء من ماله بعد الموت. فإذا كان كذلك فقد سقط ملكه عما وجب إخراجه من ماله. ولا حد في ذلك إلا ما رآه الورثة، أو الوصي، مما لا إجحاف فيه على الورثة، وهو قول طائفة من السلف.
ونحن نرى أن الذين قالوا بوجوب الوصية من السلف والظاهرية أطلقوا الوجوب ولم يحددوا مقدار الواجب، ولا لمن يجب من الأقربين غير الوارثين. وإذا كان ابن حزم قد ألزم بإخراج شيء من التركة لتبرئة ذمة الميت، فإنه لم يجد في ذلك حدا إلا ما رآه الورثة، أو الوصي.
أما القانون، وإن أخذ برأي من قال بوجوب الوصية من السلف، وبرأي ابن حزم ومن وافقه بإخراج جزء من تركة من لم يوص ـ فإنه قد اجتهد في تحديد القدر الواجب على ما رأينا في مواده، وتحديد من يستحقه ويصرف له، وهو أولاد البنين وإن نزلوا مطلقا، والطبقة الأولى من أولاد البنات، بالتفصيل الذي أثبتناه.
وكان هذا اجتهاد من واضعي القانون مبنيا على رعاية مصلحة أولاد الأبناء والبنات الذين يموت آباؤهم أو أمهاتهم في حياة أجدادهم، فيبتلون باليتم والحرمان من الميراث، مع غلبة الشح والأنانية في هذا العصر، فجبروا بالوصية الواجبة، فهذا اجتهاد إنشائي مستنده المصلحة المرسلة، وهي معتبرة ـ عند التحقيق ـ لدى عامة الفقهاء.

متى يجوز الإجهاض
ومثال آخر للاجتهاد الجامع بين الانتقاء والإنشاء نجده في فتوى “لجنة الفتوى” في دولة الكويت حول موضوع الإجهاض، ما يحل منه وما يحرم، فقد انتقت من أقوال الفقهاء وأضافت إليها عناصر إنشائية جديدة اقتضاها التقدم العلمي والطبي الحديث، الذي استطاع بأجهزته التكنولوجية المتقدمة أن يكتشف ما قد يصيب الجنين في الأشهر الأولى من تشوهات يكون لها تأثير جسيم على جسمه أو عقله في المستقبل وفقا لسنن الله تعالى.
تقول الفتوى الصادرة في 29/9/1984م:
“يحظر على الطبيب إجهاض امرأة حامل أتمت مائة وعشرين يوما من حين العلوق إلا لإنقاذ حياتها من خطر محقق من الحمل.
ويجوز الإجهاض برضا الزوجين إن لم يكن قد تم للحمل أربعون يوما من حين العلوق.
وإذا تجاوز الحمل أربعين يوما، ولم يتجاوز مائة وعشرين يوما لا يجوز الإجهاض إلا في الحالتين الآتيتين:
1. إذا كان بقاء الحمل يضر بصحة الأم ضررا جسيما لا يمكن احتماله أو يدوم بعد الولادة.
2. وإذا ثبت أن الجنين سيولد مصابا على نحو جسيم بتشوه بدني أو قصور عقلي لا يرجى البرء منهما.
ويجب أن تجرى عملية الإجهاض في غير حالات الضرورة العاجلة في مستشفى حكومي ولا تجرى فيما بعد الأربعين يوما إلا بقرار من لجنة علمية مشكلة من ثلاثة أطباء اختصاصيين أحدهم على الأقل متخصص في أمراض النساء والتوليد. على أن يوافق على القرار اثنان من الأطباء المسلمين الظاهري العدالة”.