مجال الاجتهاد

الاجتهاد

مجال الاجتهاد

أما مجال الاجتهاد ـ أو (المجتهد فيه) كما يعبر الأصوليون ـ فهو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع. وإنما ذكروا “الشرعي” احترازا عن العقليات ومسائل الكلام.
قال الغزالي: “فإن الحق فيها واحد، والمصيب واحد، والمخطئ آثم. وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما”.
وقولهم: “ليس فيه دليل قاطع” لإخراج وجوب الصلوات الخمس والزكاة وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع. ففيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف، فليست محل الاجتهاد.
قال أبو الحسن البصري: “المسألة الاجتهادية هي التي اختلف فيها المجتهدون من الأحكام الشرعية”. وهذا ضعيف، لأن جواز اختلاف المجتهدين مشروط بكون المسألة اجتهادية، فلو عرفنا كونها اجتهادية باختلافهم فيها لزم الدور!
وبعضهم لم يكتف بما ذكره الغزالي في تحديد المجتهد فيه، بل قال: “كل حكم شرعي عملي..الخ” فأضاف قيد “عملي” حتى يخرج المسائل الشرعية الاعتقادية من مجال الاجتهاد، لأنه لا مجال لمجتهد فيها أن يكون له عذر، فضلا عن أن يكون له أجر. ولهذا حملوا على عبيد الله بن الحسن العنبري إذ قال عن المختلفين في خلق أفعال العباد ونحوها: “هؤلاء قوم عظموا الله، وأولئك قوم نزهوا الله”!
والذي يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن مجال الاجتهاد: هو كل مسألة شرعية ليس فيها دليل قطعي بالثبوت، قطعي الدلالة، سواء كانت من المسائل الأصلية الاعتقادية أم من المسائل الفرعية العملية.
ومجيئها في الشريعة على هذا الوجه دليل الإذن بالاجتهاد فيها، وإلا لجعل الله تعالى فيها من قواطع الأدلة، ومحكمات النصوص، ما يرفع التشابه، ويغني عن النظر، ويمنع الاختلاف، ولهذا أنزل الله تعالى في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) [سورة آل عمران:7].
ومن حكمة إنزال هذه المتشابهات أن تتسع لأكثر من فهم وأكثر من تفسير وبذلك يتسع دين الله للمختلفين وإن خطأ بعضهم بعضا، ولكن لا يكفر بعضهم بعضا.
أما تأثيم المجتهد في المسائل العلمية والاعتقادية، فهو مناف لما قرره القرآن والسنة في مثل قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [سورة البقرة:286]، (فاتقوا الله ما استطعتم) [سورة التغابن:16]، “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” الحديث.
ومن بذل وسعه في طلب الحقيقة، ولم يدخر جهدا في معرفتها، فقد أتى ما كلفه الله إياه. ولو أخطأ الطريق. فهذا هو وسعه وطاقته، وقد علم الله المؤمنين أن يدعوه فيقولوا: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) [سورة البقرة:286] وجاء في الصحيح: أن الله تعالى قد أجاب هذا الدعاء.
قال الإمام ابن دقيق العيد:
“ما نقل عن العنبري: إن أراد أن كل واحد من المجتهدين مصيب لما في نفس الأمر فباطل. وإن أريد به أن من بذل الوسع ولم يقصر في الأصوليات يكون معذورا غير معاقب، فهذا أقرب، لأنه قد يعتقد فيه أنه لو عوقب وكلف بعد استفراغه غاية الجهد لزم تكليفه بما لا يطيق”.
وهذا هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا، قال في إحدى رسائله:
“فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية والعملية، أو المسائل الفروعية العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام”.
وأما تفريق المسائل إلى أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها، فهذا التفريق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام. وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض.
أما إخراج المسائل العلمية الاعتقادية من مجال الاجتهاد ـ وإن لم تكن أدلتها قطعية ـ والمبالغة في تأثيم المجتهدين فيها، فإنه انتهى بقوم إلى تكفير المخالفين لهم في الأصول، كما فعل المعتزلة و كثير من الفرق الأخرى، وبعض أهل السنة أيضا. مع أن باب التكفير باب خطر، ولا ينبغي لمسلم بصير أن يلجه ما لم يسلك المسالك كلها، ولا يجد مجالا لعذر أو تأويل.
قال الشوكاني: “واعلم أن التكفير لمجتهدي الإسلام بمجرد الخطأ في الاجتهاد في شيء من مسائل العقل عقبة كئود لا يصعد إليها إلا من لا يبالي بدينه ولا يحرص عليه، لأنه مبني على شفا جرف هار، وعلى ظلمات بعضها فوق بعض، وغالب القول به ناشئ عن العصبية، وبعضه ناشئ عن شبه واهية ليست من الحجة في شيء، ولا يحل التمسك بها في أيسر أمر من أمور الدين فضلا عن هذا الأمر الذي هو مزلة الأقدام، ومدحضة كثير من علماء الإسلام. والحاصل أن الكتاب والسنة ومذهب خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم يدفع ذلك دفعا ولا شك فيه ولا شبهة. فإياك أن تغتر بقول من يقول منهم إنه يدل على ما ذهب إليه الكتاب والسنة، فإن ذلك دعوى باطلة مترتبة على شبهة داحضة، وليس هذا المقام مقام بسط الكلام على هذا المرام لوضعه في علم الكلام”.
هل يدخل الاجتهاد أصول الفقه؟
وإذا كان بعض مسائل الاعتقاد قابلا لأن يدخل دائرة الاجتهاد، فأولى منه بالدخول بعض مسائل “أصول الفقه”، على الرغم مما شاع لدى كثير من الدارسين أن أصول الفقه قطعية، وأن الأصول إذا لم تكن قطعية ودخلها الاجتهاد كغيرها، لم يعد لنا معيار نحتكم إليه إذا اختلفنا في الفروع!
ومنذ سنوات ثارت هذه القصة على صفحات العدد الافتتاحي من مجلة “المسلم المعاصر” حيث تبنت المجلة الدعوة إلى اجتهاد معاصر قوي يعتمد على أصول الإسلام، ولا يغفل حاجات العصر، ولم تقصر دعوتها على الاجتهاد في الفقه، بل شملت الاجتهاد في أصوله.
واعترض بعض الباحثين المعاصرين على هذه الدعوة بأن أصول الفقه قطعية، فكيف نجتهد فيها؟
وكان لي شرف المشاركة في تجلية هذه القضية في العدد التالي وكان مما قلته فيها:
لا ريب أن الشاطبي رحمه الله بذل جهده لإثبات أن الأصول قطعية، ولكن ما المراد بالأصول هنا؟ يحسن بنا أن ننقل من تعليق العلامة الشيخ عبدالله دراز على “الموافقات” ما يوضح المقام حيث يقول:
تطلق الأصول على الكليات المنصوصة في الكتاب والسنة: مثل “لا ضرر ولا ضرار” الحديث، (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [سورة فاطر:18]، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [سورة الحج:78]، “إنما الأعمال بالنيات” الحديث. هكذا. وهذه تسمى أدلة أيضا كالكتاب والسنة والإجماع..الخ وهي قطعية بلا نزاع.
وتطلق أيضا على القوانين المستنبطة من الكتاب والسنة، التي توزن بها الأدلة الجزئية عند استنباط الأحكام الشرعية منها، وهذه القوانين هي من الأصول. فمنها ما هو قطعي باتفاق، ومنها ما فيه النزاع بالظنية والقطعية.
فالقاضي: “أبو بكر الباقلاني” ومن وافقه على أن من هذه المسائل الأصولية ما هو ظني، والشاطبي قد عارض هذا بأدلة ذكرها، مقررا في النهاية أن ما كان ظنيا يطرح من علم الأصول، فيكون ذكره تبعيا لا غير. (انظر الموافقات جـ، حاشية ص29 ط التجارية).
والذي يطالع علم أصول الفقه يتبين له أن رأي القاضي ومن وافقه هو الراجح، وذلك لما يرى من الخلاف المنتشر في كثير من مسائل الأصول، فهناك من الأدلة ما هو مختلف فيه بين مثبت بإطلاق، وناف بإطلاق، وقائل بالتفصيل. مثل اختلافهم في المصالح المرسلة، والاستحسان، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستصحاب وغيرها. مما هو معلوم لكل دارس للأصول.
والقياس وهو من الأدلة الأربعة الأساسية لدى المذاهب المتبوعة، فيه نزاع وكلام طويل الذيول من الظاهرية وغيرهم.
حتى الإجماع لا يخلو من كلام حول إمكانه ووقوعه، والعلم به، وحجيته.
هذا إلى أن القواعد والقوانين التي وضعها أئمة هذا العلم، لضبط الفهم، والاستنباط من المصدرين الأساسيين القطعيين: “الكتاب والسنة”، لم تسلم من الخلاف وتعارض وجهات النظر، كما يتضح ذلك في مسائل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، والناسخ والمنسوخ.. وغيرها، فضلا عما تختص به السنة من خلاف حول ثبوت الآحاد منها، وشروط الاحتجاج بها، واختلاف المذاهب في ذلك أمر معلوم مشهور، نلمس أثره بوضوح في علم أصول الحديث، كما نلمسه في علم أصول الفقه.
وإذا كان مثل هذا الخلاف واقعا في أصول الفقه، فلا نستطيع أن نوافق الإمام الشاطبي على اعتبار كل مسائل الأصول قطعية. فالقطعي لا يسع مثل هذا الاختلاف ولا يحتمله، من ثم ألف العلامة الشوكاني كتابه الذي سماه “إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول” محاولا فيه تمحيص الخلاف، وتصحيح الصحيح، ونبذ الضعيف، وقال في مقدمته:
“إن علم أصول الفقه لما كان هو العلم الذي يأوي إليه الأعلام، والملجأ الذي يلجأ إليه عند تحرير المسائل، وتقرير الدلائل، في غالب الأحكام، وكانت مسائله المقررة، وقواعده المحررة، تؤخذ مسلمة عند كثير من الناظرين، كما تراه في مباحث الباحثين، وتصانيف المصنفين، فإن أحدهم إذا استشهد بكلمة من كلام أهل الأصول، أذعن له المنازعون، وإن كانوا من الفحول، لاعتقادهم أن مسائل هذا الفن قواعد مؤسسة على الحق الحقيق بالقبول، مربوطة بأدلة علمية (أي يقينية) من المعقول والمنقول، تقصر عن القدح في شيء منها أيدي الفحول، وإن تبالغت في الطول، وبهذه الوسيلة صار كثير من أهل العلم واقعا في الرأي رافعا أعظم راية، وهو يظن أنه لم يعمل بغير علم الرواية ـ حملني على ذلك ـ بعد سؤال جماعة لي من أهل العلم ـ على التصنيف في هذا العلم الشريف، قاصدا به إيضاح راجحه من مرجوحه، وبيان سقيمه من صحيحه، موضحا لما يصلح منه للرد إليه، وما لا يصلح للتعويل عليه. ليكون العالم على بصيرة في علمه يتضح له بها الصواب، ولا بيني وبينه وبين درك الحق الحقيق بالقبول حجاب.. لأن تحرير ما هو الحق هو غاية الطلبات، ونهاية الرغبات، لا سيما في مثل هذا الفن الذي رجع كثير من المجتهدين بالرجوع إليه إلى التقليد من حيث لا يشعرون، ووقع غالب المتمسكين بالأدلة بسببه في الرأي البحت وهو لا يعلمون”.
وبهذا كله يتضح أن للاجتهاد في أصول الفقه مجالا رحبا، هو مجال التمحيص والتحرير والترجيح فيما تنازع فيه الأصوليون من قضايا جمة، ومحاولة الشوكاني “تحقيق الحق” منها لا يعنى أنه لا يدع لمن بعده شيئا، فالباب لا يزال مفتوحا لمن وهبه الله المؤهلاتولو لوجه، ولكل مجتهد نصيب، وقد يتهيأ للمفضول مالا يتهيأ للفاضل.
الأمر الذي يجب تأكيده بقوة هو أن ما ثبت بدليل قطعي لا يجوز أن ندع للمتلاعبين أن يجترئوا على اقتحام حماه. فإن هذه “القطعيات” هي عماد الوحدة الاعتقادية والفكرية والعملية للأمة. وهي لها بمثابة الرواسي للأرض، تمنعها أن تميد وتضطرب. ولا يجوز لنا التساهل مع قوم من الأدعياء، يريدون أن يحولوا القطعيات إلى محتملات، والمحكمات إلى متشابهات، ويجعلوا الدين كله عجينة لينة في أيديهم يشكلونها كيف شاءت لهم أهواؤهم، ووسوست إليهم شياطينهم.
ولقد بلغ التلاعب بهؤلاء إلى حد أنهم اجترئوا على الأحكام الثابتة بصريح القرآن، مثل توريث الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، فهم يريدون أن “يجتهدوا” في التسوية بين الذكر والأنثى! بدعوى أن التفاوت كان في زمن لم تكن المرأة فيه تعمل مثل الرجل، وجهل هؤلاء أو تجاهلوا أن المرأة ـ وإن عملت وخرجت من مملكتها وزاحمت الرجال بالمناكب ـ تظل في كفالة الرجل ونفقته: ابنة وأختا وزوجة وأما غنية كانت أو فقيرة، وأن أعباءها المالية دون أعبائه، فهو يتزوج فيدفع مهرا، ويتحمل نفقة، وهي تتزوج فتأخذ مهرا، وينفق عليها، ولو كانت من ذوات الثراء.
وبلغ التلاعب ببعضهم أن قالوا: أن الخنازير التي حرمها القرآن وجعل لحمها رجسا، كانت خنازير سيئة التغذية، أما خنازير اليوم فتربى تحت إشراف لم تنله الخنازير القديمة.
وهكذا يريد هؤلاء لشرع الله أن يتبع أهواء الناس، لا أن تخضع أهواء الناس لشرع الله (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) [سورة المؤمنون:71].
إننا نقول لهؤلاء الذين عبدوا أنفسهم لفكرة التطور المطلق ويطالبون الإسلام أن يتطور! نقول لهم: لماذا تطالبون الإسلام أن يتطور، ولا تطالبون التطور أن يسلم؟!
والإسلام إنما شرعه الله ليحكم لا ليحكم، وليقود لا ليقاد، فكيف تجعلون الحاكم محكوما، والمتبوع تابعا؟! (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) [سورة المائدة:50].