أهمية تقدير الذات

الادارة

ن البداية هي أن نعترف بأن لكل منا الحق في احترام الآخرين، فقط بسبب وجودنا، ولأننا جميعا بشر، بصرف النظر عن أي أسباب أخرى، لسنا مضطرين لأن نقبل رغبات الآخرين وما يفضلونه، يجب أن يختار كل فرد بنفسه ما يريده، ودون أن يبدي أي شـــرح أو تبرير للآخرين.

إن كلمة “نفسي أو ذاتي” تنطوي على جزئية خاصة ودقيقة، فالعقل سيقبل كل ما نخبره به إذا كررنا هذه العبارة بشكل كاف، ليس الموضوع هنا في أن ما نقوله صواب أو خطأ، إيجابي أو سلبي، فإذا كررنا هذه الكلمات بشكل كاف، سنؤمن بها في النهاية، ساعد هذا الأسلوب الأفراد على أن يقابلوا المشاعر السلبية بعبارات إيجابية، وعادة ما يطلق على هذا الأسلوب تسمية “محاورة الذات”.

إذا نظرت إلى صورتك في المرآة كل يوم لمدة ثلاثين يوما، وكررت بصوت عال خمسين مرة باقتناع: “أنا بائع ماهر” أو “سأكون من المتفوقين في هذه الدورة”، فسوف يقبل عقلك ما تقوله كما لو كان حقيقة واقعة، و سوف تزداد ثقتك بنفسك وتشتد رغبتك في أداء الأمور التي تعد لازمة للنجاح مثل تحديد العملاء المرتقبين أو المواظبة أو صقل عرضك التقديمي، أو إجراء الاتصالات بالعملاء، أو المواظبة على حضور جميع الفصول التعليمية، وما إلى ذلك، إن إقناع نفسك بقدرتك يعد أول خطوة هامة لبلوغ أي هدف. يقول سميث: في الحياة غرضان حقيقان بالعناية: أن تظفر بما تبتغي ثم تتمتع به بعد ذلك، وأحكم الحكماء يدركون الغرض الثاني وحدهم، وما أجمل قول الشاعر:
ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه فمن كان أسعى كان بالمجد أجدر
وبالهمة العلياء يرقى إلى العلا فمن كان أرقى همــــــة كان أظهرا

أسباب التقدير المتدني للذات
يقول الخبراء إن أهم عنصر يجعل الأطفال يكتسبون إحساسا بتقدير الذات هو على الأرجح أن يقدرهم الآخرون لما لديهم من سمات فريدة للشخصية، وعقل وذكاء ومواهب، فلا يوجد اثنان متشابهان، لذلك يجب أن نتعلم من البداية أن نقيس أداءنا وفقا لقدراتنا لا وفقا لقدرات زملائنا أو أقاربنا.

إذا كنت طفلا وكان والداك مثاليين، فإنك قد تتعلم ذلك بالفعل، أما إذا كانت لديهما نقاط ضعف وزلات عادية فإنك –مثلنا جميعا– على الأرجح قد تربيت بصورة تجعلك غير مثالي وملئ بالشكوك الذاتية والمخاوف التي تزعجنا جميعا، إن الإحساس من وقت لآخر بالخوف أو بعدم الكفاية يعد جزءاً معتادا من الحياة، جزءاً ينبغي التعامل معه والتغلب عليه.

ينشأ معظم شعورنا بقلة تقدير الذات الضعيف من تجارب الماضي المؤلمة، عندما كان أي فرد مهم في حياتنا (مثل الوالدين أو المعلم أو الرئيس، أو أي شخص مؤثر آخر) يجعلنا نشعر بعدم الكفاية، كنا نبدأ بالشك في أنفسنا، وكلما امتد هذا النقد، استمر الشك، إلى أن نشك بقدراتنا على القيام بأي شيء على وجه صحيح، لقد استسلمنا لرأي الآخرين بأننا غير أكفاء، وأهملنا الحقائق في الموقف.

تمر بعض المجموعات بأوقات عصيبة جدا، فما زال المسلمون وبعض الأقليات الأخرى في الدول الغربية يواجهون انطباعات سلبية عن أعرقهم أو أديانهم، بالرغم من الحقيقة المعروفة بأنهم ليس لديهم ما يفعلونه حيال الآراء المشوهة لهؤلاء الذين يؤكدون على نزعاتهم الظالمة والقاسية.

تحمل النساء أيضا أعباء المواقف الاجتماعية التي تربط القيمة بالمظهر، ذكرت ساندرا هابر، الطبيبة النفسانية في مدينة نيو يورك، والمتخصصة في علاج اضطرابات العادات السلوكية للأكل، في عدد شهر أغسطس 1991 من مجلة “كوزموبيليتان” إنه: “ربما يرجع الكثير من أهم الاختلافات الشائعة المستمرة في الطريقة التي ترى النساء بها أنفسهن إلى ما يشعرن به عن مظهرهن”. قالت أيضا “إن المظهر يعبر عن الشخص بأكمله”. ما نراه في المرآة يعبر عن الأدوار التي نقوم بها في حياتنا. إننا في الواقع نستخدم الصورة الذاتية كمرادف لتقدير الذات.

كذلك يميل كل البشر إلى التأثر ذاتيا بتجارب الفشل، و غالبا ما يعطونها اهتماما أكثر مما تستحقه. لأن أي تجربة فاشلة تترك في الذاكرة أثرا لا يُمحى، فإننا نسمح لها بأن توثر على حاضرنا ومستقبلنا أكثر مما ينبغي. بغض النظر عن حجم هذا الفشل، فإن أي هزيمة تعد مؤقتة إذا لم نجعلها دائمة. إذا تعلمنا من التجربة، فقد قمنا بخطوة صغيرة نحو النجاح في المستقبل، حيث لن نكرر هذا الخطأ ثانية.

إذا نظرت بعمق إلى حياة الناجحين، فسوف تكتشف أنها تمتلئ بتجارب الفشل المثيرة؛ سنجد مثلا أن إبراهام لينكولن قد فشل كأمين مستودع وكجندي وكمحامي، مع ذلك ساعدته كل هذه التجارب على نحو خاص في أن يقود الولايات المتحدة في أسوأ أزماتها وهي الحرب الأهلية، لقد أصبح لينكولن واحدا من أعظم رؤساء أمريكا، وذلك لتعاطفه الشديد مع الآخرين، نتيجة الصعوبات التي واجهته في حياته. ونجد عالم النفس الشهير “أدلر” يؤكد على أن الفشل الإنساني يأتي عندما لا يكترث الشخص بأخيه الإنسان فيقول: “إن الفرد الذي لا يكترث بأخيه الإنسان، هو من يواجه مصاعب جمة في الحياة، ويتسبب بأعمق جرح للآخرين، ومن بين أمثال هؤلاء ينبع الفشل الإنساني”. ولو طبقنا كلام “أدلر” على مجتمعات أمتنا في وقتنا الراهن، والمنشغل تقريباً فيها -كل شخص- بحاله دون الاهتمام بإعطاء أدنى اهتمام لمشاكل من يحيطون به؛ نجد أن “أدلر” قد أصاب في كلامه هذا قلب الحقيقة. لذا من الحكمة أن نتدبر بعض الكلمات وهي: “السعادة كالقبلة لا نظفر بها إلا بالمشاركة “. ويقول فرانكلين: “عندما تسعد الآخرين –في الواقع– تسعد “.

قبل أن تصبح شركة فيدرال إكسبريس من ألمع شركات النقل الجوي، نجد أن مؤسسها “سميث” قد عانى كثيرا من أزمات خطيرة؛ فقد كانت الشركة على حافة الإفلاس لسنوات، وتمت مقاضاة سميث شخصيا بتهمة التدليس، وقاضته أسرته أيضا، مع ذلك تحلى سميث بالمثابرة والإصرار، لقد أدرك ذلك الرجل أنه: لا تتحقق الأعمال بالتمنيات، و إنما بالإرادة الفولاذية تُصنع المعجزات؛ ففي عام 1990 أصبحت شركة فيدرال إكسبريس أول شركة خدمية تفوز بجائزة مالكولم بالدريدج القيًمة، وهي أسمى تقدير للجودة في الدولة.

نقطة البداية لتحسين تقدير الذات
بغض النظر عن تجاربك السابقة، فلدينا خبر سعيد: لن يفوت الأوان أبدا حتى تتعلم وتغير رأيك في نفسك وقدراتك، أول خطوة للإصلاح الذاتي هو التقييم الذاتي. تبدأ هذه العملية بتقييم صادق لنقاط ضعفك وقوتك، ورغبة جادة في التغيير للأفضل.

من المهم أن تعلم من البداية أنه توجد جوانب عديدة لشخصيتنا تسهم في تقديرنا لذواتنا، يتحدث آديل شيل: المتخصص في تخطيط المسار الوظيفي في نيويورك، ومستشار الإدارة والمحاضر عن هذا الموضوع في إحدى المقالات بمجلة “وركينج وومان”: “من أكبر الأخطاء التي مازالت عالقة بأذهاننا أنه يوجد ما يسمى بالذات الحقيقية الثابتة”، ولكننا نتصرف بشكل مختلف عند اختلاف الظروف.

“إننا نقوم دائما بتعديل سلوكنا ليتناسب مع الموقف؛ فكر في هذا الأمر: إننا نتكلم مع والدينا بشكل يختلف عن أطفالنا أو زملائنا أو رؤسائنا، إن كياننا الحقيقي يضم مجموعة من الذوات، بعضها أكثر خبرة وأفضل مظهراً. إذا نظرنا إلى أنفسنا بهذه الطريقة فستكون هناك فرص أكثر للتغيير، بدلا من أن نلزم أنفسنا بذات واحدة مزعومة، فنلاقي شتى أنواع العذاب كي ننسجم مع تلك الذات”.

لكي تغير أي شئ فيك، لابد أن تقبل هذه الحقيقة: توجد أشياء يمكن أن تسيطر عليها، وأخرى لا يمكنك أن تسيطر عليها، يرجع ضعف تقدير الذات إلى التأثير التراكمي للطريقة التي يتعامل معك بها والداك أو أصدقاؤك أو أقاربك أو زوجتك، أو أي إنسان آخر يمثل قيمة كبيرة لك، أي أن حل المشكلة يكمن في الماضي.

لا يمكن أن تغير الماضي، ولكن يمكنك أن تغير الطريقة التي يؤثر بها عليك، يجب أن تترك الماضي خلف ظهرك، اعلم جيدا أننا لا نستطيع أن نتحكم في الآخرين أو الطريقة التي يتعاملون بها معنا، ولكن نستطيع أن نتحكم في ردود أفعالنا تجاههم، لا يمكن لأحد أن يُغضِبك أو يُضايقك، كما لا يمكن لأحد أن يُشعِرَك بعدم الأهمية أو الدونية، إلا إذا سمحت له بذلك، وساعدته عليه. يستحيل ببساطة أن يؤثر أي إنسان على أي من آرائك أو مشاعرك أو عواطفك ما لم تسمح له بذلك!!. وكما قيل: “لا رأي لمن لا إرادة له” ، وفي المقابل علينا أن نوقن بأنه: “لا مستحيل عند أهل العزيمة” ، “ولا مستحيل تحت الشمس”.

خذ على نفسك عهدا بأنك لن تسمح لأحد بعد الآن أن يتحكم في حياتك، أو رد فعلك تجاهه، أو تجاه الأحداث التي يفتعلها، أمسك بزمام الأمور. أعلم أنك وحدك تختار الطريقة التي تمارس بها حياتك. لا تتطلب هذه الأمور تغيرا جوهريا في شخصيتك، وإنما تحتاج فقط إلى التزام تام بأن تُلقي الماضي وراء ظهرك، وأن تنسى الذات التي عاملك بعض الناس –وأنت تعيش بين جنباتها- بشكل سيئ، أو آذوك. عليك أن تفكر في مستقبل مشرق، لا أن تعيش في تجارب الماضي الفاشلة. و كما يقول شكسبير: “التفاؤل بالمستقبل هو الشاهد على صحة العقل والنفس”.

بعض علامات ضعف توكيد الذات:
* الميل إلى موافقة الآخرين ومسايرتهم في أغلب الأحوال.
* الإذعان لطلبات الآخرين ورغباتهم ولو على حساب حقوق الشخص وراحته.
* ضعف القدرة على إظهار المشاعر الداخلية والتعبير عنها.
* ضعف القدرة على إبداء الرأي و وجهة النظر.
* الحرص الزائد على مشاعر الآخرين وخشية إزعاجهم.
* ضعف الحزم في اتخاذ القرارات والمضي فيها.
* صعوبة النظر في عيون الآخرين وضعف نبرات الصوت.
* التواضع الزائد عن حده في مواقف لا يتناسب معها ذلك (مثل التحدث بِذُلٍ مع المتكبرين).

بعض المفاهيم الخاطئة عن توكيد الذات:
* الحياء المحمود شرعاً والمقبول عرفا.ً
* التواضع المطلوب ومن لين الجانب.
* الإيثار ومحبة الآخرين.
* يجب أن أكون محبوباً من الجميع، مقبولاً عندهم، معروفاً باللطافة والدماثة.
* يجب أن أقدم رغبات الآخرين ومشاعرهم على رغباتي ومشاعري دائماً.
* يجب أن لا أزعج مشاعر الآخرين أبداً، وأن لا أجرحها بإبداء مشاعري وآرائي وطلباتي.
* في السوق يلح البائع على المشتري بشراء بعض السلع التي لا يرغبها، فيقوم بشراء ما لا يريده (ولو كان ثمنه مرتفعاً)؛ لأجل أنه لا يستطيع أن يبدي عدم رغبته في الشراء (ضعف القدرة على الرفض).
* الاستمرار في الاستماع لشخص لا يهمك حديثه وفي وقت ضيق بالنسبة لك (لديك مواعيد أخرى مثلاً)؛ فتتحرج أن تعتذر له بالانصراف، (ضعف القدرة على إبداء الرغبة).
* عند الاستدانة، حيث يلح المُستدين على الطرف الآخر بإقراضه مبلغاً قد يكون كبيراً، أو هو في حاجة لهذا المال فيقرضه وهو كاره لذلك (ضعف القدرة على الاعتذار).
* شخص يتحمل أعباء (وظيفة أو مهمة اجتماعية) فوق طاقته وليست واجبة عليه، ولا يريدها ولا يستطيع إبداء رأيه في ذلك.
* التنازل عن بعض القيم والمبادئ المهنية خجلاً من شخص أو مجموعة ما من الأشخاص.
* استخدم اختبار التقييم الذاتي التالي كدليل تقيس عليه مدى تقدمك في المستقبل، أجب على كل الأسئلة بكل أمانة وموضوعية بقدر الإمكان، تماما كما لو كنت تقيم شخصا آخر.