مكونات الحدث \”الأسباب والأعراض\”

الادارة

الأسباب هي بدايات أو خيوط أودوافع حدوث أمر من الأمور، والأعراض هي أوصاف لها، سواء كانت الأوصاف حسية أو معنوية، فالأسباب تتقدم على الأعراض من حيث وقت حدوث الفعل وهي تكون من المكونات الرئيسية والأسس المتينة للفعل أما الأعراض فلا تعد من أركان الفعل أو الحدث، كما أن بقاء الأسباب تغذي الحدث أو المشكلة بخلاف بقاء الأعراض، لذلك فالإهتمام بالأسباب أولى من الأعراض.
العارض للشيء ما يكون محمولا عليه خارجا عنه والعارض أعم من العرض إذ يقال للجوهر عارض كالصورة تعرض للهيولى، عليه فان الأعراض ليست من أصول الشيء بل هو خارج عنها
والعلة تقترب معناها مما نريد أن نسقط عليه مفاهيمنا وما نريد أن نقرء به الأحداث السياسية والدينية والإجتماعية وغيرها وهناك المتقدم بالعلية وهي العلة الفاعلية الموجبة بالنسبة إلى معلولها وتقدمها بالعلية كونه علة فاعلية كحركة اليد فإنها متقدمة بالعلية على حركة القلم وإن كانا معا بحسب الزمان (التعريفات 1\\256)
قيل لأعرابي بم عرفت ربك فقال البعرة تدل على البعير والروث يدل على الحمير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج أما يدل على العليم القدير. (نفح الطيب من غصن أندلس الرطيب، أحمد بن محمد بن مقري التلمساني، 5\\289)
فهناك أسباب لكل ما في الكون، وقانون السببية فيصل في هذا الأمر، وغدا هذا الأمر عِلماً فيزيائياً، ونستطيع بواسطة هذا القانون تفسير كل ما يحدث من حولنا من تغييرات وتطورات، حتى الحالة السياسية وقراءة أبعادها وتشخيصها بدقة ثم البحث عن الحل الجذري للمشكلة ويكون بكشف أسبابها ثم بيان ما يقلل من أعراضها في المجتمع.
فالأسباب والأعراض تكون سلبية وايجابية باعتبار ما يصدر عنها وفي كلا الحالتين نقوم اما بتغذية الأسباب أو بقطع دابره وتجفيف كل ما يشحنها، سواءا كأفراد أو مؤسسات أو حكومات.
الحكومة آلة لخدمة المجتمع، والمجتمع مجال عمل الحكومة، فالإثنان يكملان بعضهما بعضاً وكل دليل على وجود الآخر وعدمه، فأفراد المجتمع هم الذين يختارون الحكومة وشكلها لكي تنظم لهم شؤون الحياة، وتحفظ لهم الحقوق وتوزع الواجبات، فالمواطن هو سبب لوجود الحكومة، والحكومة حالة معنوية (الأعراض)، مما يلي نقرأ بعض المسائل السياسية والدينية والإجتماعية.
الإرهاب، والسيارات المفخخة، وعدم الإستقرار، وتفشي الخوف وغيرها كثيرة لا تعد ولا تحصى وكلها أعراض لأسباب، فاذا استطعنا أن نحدد أسبابها نستطيع ايجاد الحل للمشاكل صغيرها وكبيرها، سرها وعلنها، في 13\\6 كالأيام الأخرى من عمر المواطن العراقي تفاجأ أهل كركوك بسلسلة انفجارات أودت بحياة عشرات من الناس، والكل يسأل من هنا وهناك لماذا يفعل هؤلاء الناس بأنفسهم وبالأبرياء؟ وما هي مبررات عملهم هذا؟ وهل هذا الفعل الذي يصدر منهم ذاتي أم رد فعل لواقع مفروض عليهم؟ ولا يجدون حلاً لها إلا بتفجير أنفسهم، وغيرها من الإستفسارات، والرد الرسمي على هذا أو استباق الحدث يكون بوصف الحالة وبيان أعراضها دون التطرق الى أسبابها، فمثلاً لحد الآن قلت الدراسات أو التصريحات الرسمية التي تبين أسباب الإرهاب بكل أشكاله في المجتمع العراقي، علماً أن معرفة أسبابه تساعد على ايجاد الحل له، وقطع أوصال الإرهاب، واغلاق منافذ تغذيته ثم العمل على استبدال الحالة بما يطمح اليه كل المواطن، وهو استتباب الأمن، وسيادة القانون.
ظاهرة الإدمان، والتجارة بالمواد المخدرة، وضياع الشباب في براثين الأمور التافهة، كلها أعراض وأوصاف لأسباب وهو أن الشباب في مجتمعنا يعيش في فراغ قاتل، وكما قال أبو تمام (ان الفراغ والشباب والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة)، ويعيش بلا برنامج وهدف، فهو ضائع ولا يدري لماذا، فاذا شخصنا أسباب هذه الحالة وأعطينا كل الأهمية لمعرفة الأسباب المؤدية الى تفشي هذه الظاهرة مع ذكر الأوصاف والأعراض نستطيع وضع خطة مستدامة لحل هذه المعضلة الخطيرة والتي تهدد بأمور كثيرة ولعل بعضاً منها قد بدر أو ظهر في مجتمعنا، منها أدعو كل يحمل هم هذا الوطن أن يعتكف في سبيل حل هذه المشكلة وتكون ببيان أسبابها.
ظاهرة التفسخ الأخلاقي وظهور زنى المحارم والمجاهرة بالمعاصي، وتسمية الأماكن بالمفردات التي تحفز على الرزيلة، وانجرار الشباب والشياب نحو عبادة هوى أنفسهم وغيرها كلها أعراض لأسباب، ولعل من أهم أسبابها أن أبواب هذه الأمور مفتوحة على مصراعيها ومباشرة أو غير مباشر تدعى لهذا الأمر، أما أبواب الخير وانماء القيم النبيلة والجميلة موصدة وعليها أقفال لا تفتح الا بمفاتيح السلطة والقوة (المنطقية والمادية)، فاذا أردنا أن نقوم بالإصلاح في هذا المجال فلابد من تعريف الأسباب ووضع الحلول المناسبة لكل سبب، ومن الجدير بالذكر أن تفعيل مؤسستي (الجامع والجامعة) كفيلة بالإصلاح في هذا المجال (وللذكر مثل حظ الأنثيين).
الأزمات القاصمة للظهر في الخدمات الإجتماعية، وفي مشتقات البترول، وجعل السوق ناراً مسعرة، وأزمات تتوالى في المسكن والتربية والتعليم و..الخ، فعندما نقوم بدراسة الحالة نكتفي بسرد أوصافها وأعراضها وتحميلها لأناس، ثم نبدأ كألف ليلة وليلة بذكر القصص والأقصوصة الغريبة والعجيبة عن أناس اكتووا بنارها وما أكثرهم، فترى كلهم أجمعينا يلصقون سببها بالسلطة والناس مجتمعين ولكن حظ السد للسلطة، وفي هذه أيضاً تكمن مشكلتنا في ذكر الأوصاف والأعراض دون التطرق الى الأسباب اذ لو درسناها وعرفنا مفاصلها والقنوات التي تغذيها لأستطعنا حينئذٍ من الإقدام على سد هذه القنوات وبتر كل أوصالها، بهذا نضع أنفسنا ومجتمعنا على طريق حل هذه المشاكل المتراكمة.
الإشتغال بالأعراض والأوصاف وترك الأسباب والعلل باعث على الضجر والإحباط - مع الأسف هذا هو الواقع- وترسل رسالة سلبية تشاؤومية مفادها أن هذا الوضع المزري الذي أنسي اسباب تكوينها سوف تستمر على هذا المنوال، وبعكس هذا هناك أمل في الإلتفات الى معرفة أسباب الحدث بعمق ثم البحث عن الحل له، والأمل هو سر الحياة والنجاح (وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل)، فمادام هناك أمل وعمل فأنا متفائل جداً.