مليون تلميذ عراقي تسربوا من المدارس إلى الشارع

كشف تربويون عراقيون أخيراً حقائق مفزعة أبرزها النسبة العالية للأمية بين الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين ست وخمس عشرة سنة, مشيرين إلى أن نصف تلك الشريحة من المجتمع المدرسي في العراق باتت أمية بالكامل. وترك أكثر من خمسين في المئة من الأولاد في المرحلتين الدراسيتين الابتدائية والمتوسطة مقاعد الدراسة, أي ما معدله, بحسب مشرفين واختصاصيين تربويين التقتهم “الحياة” في بغداد, مليون تلميذ. وترك هؤلاء الدراسة متوجيهن إلى ميادين العمل في الحقول والورش واالشوارع أيضاً, حيث يبيع الأطفال كل ما يخطر على البال.
ويقول وزير التربية الدكتور علاء عبد الصاحب العلوان إن “أوضاع مدارسنا لا تسر والنظام السابق عمل على تدمير الأجيال”, لافتاً إلى أن نظام صدام خفض موازنة التربية خلال العقد الماضي, فانهارت العملية التربوية في العراق, وتخلى المعلمون والمدرسون عن أداء واجبهم, فيما اقتنع عدد كبير من أولياء الأمور بأنه من الأفضل توجيه أبنائهم إلى سوق العمل ليخففوا عن كاهل عوائلهم, لا سيما أن “الشهادة العلمية لم تعد ذات قيمة في المجتمع, وأكبر المتعلمين ما كان قادراً على تأمين متطلبات أسبوع واحد أيام الحصار”.
حسن أكرم (10 سنوات) يعمل في بيع البنزين على قارعة طريق المنصور - علاوي الحلة في بغداد, مستغلاً أزمة الوقود المستفحلة في العراق. ويبـيع الابن ما يوفره له الأب من كميات بنزين يحصل عليها من المحطات الرسمية بأسعار تقل نحو 100 مرة عن أسعار السوق السوداء. ويقول حسن: “أجد في العمل متعة كبيرة لا أجدها في المدرسة, فالعمل أفضـل من الدراسـة بكثـيـر, والمدرسة تحتاج إلى نقود وأنا لا أملكها ووالدي لا يستطيع أن يصرف عليّ وهو الذي شجعني على ترك الدراسة والتوجه إلى العمل, فتركت المدرسة قبل سنتين, عندما كنت في الصف الثاني الابتدائي, وحالياً أحصل من عملي هذا على نقود تكفيني وأساعد فيها عائلتي”. وعما إذا كان سينتقل إلى مهنة أخرى في حال توافر البنزين وانتهاء شحه, يقول: “عندما يتوافر البنزين, ساتوجه إلى متعهدي تنظيف الشوارع مع أمانة بغداد في مقابل 4 دولارات يومياً وهذا ما يفعله أولاد كثيرون بعمري, لأنه عمل غير متعب وأجوره جيدة”.
ويعمل محمد علي (12 عاماً) في تنظيف شوارع أحياء بغداد بعد أن ترك الدراسة قبل أيام نزولاً عند رغبة والده. ويقول: “كنت أتمنى الاستمرار بالدراسة, غير أن أبي قال إن 4 دولارات يومياً مبلغ جيد وينفعنا في تدبير أمور المعيشة”. وفيما علي يسحب مكنسته المصنوعة من جريد النخل, ويواصل كنس الأتربة المتراكمة بمحاذاة الرصيف المؤدي إلى منطقة الدورة في بغداد, يقول إنه لن يتنازل عن رغبته في الدراسة, وإنه سيحصل على شهادة في الطب, وهي أمل يراوده وسيسعى إليه.
ثائر فيصل (13 عاماً) من العاملين في مشروع لتنظيف شوارع بغداد وتجميل حدائقها العامة تبرعت به الحكومة اليابانية إلى بغداد, يتحدث باعتزاز عن عمله ولا يجد فيه عيباً, بل يفاخر قائلاً: “نتقاضى أجوراً أكثر من الموظفين المعينين حديثاً في دوائر الدولة, ومن دون أن نحمل شهاداتهم الدراسية, أنا وأصدقائي الذين تركوا الدراسة نحصل على أموال اكثر من رواتبهم, لذا ما الذي يدفعني إلى إكمال الدراسة؟ العمل افضل وإخوتي نصحوني بذلك, فهم يعملون في توزيع المواد الغذائية وبيع الصحف, وبذلك تمكنا من شراء أجهزة جديدة وأثاث لم يكن متوافراً في بيتنا”.
مقاولو تنظيف الشوارع يرفضون ما يقال من أنهم يغرون الأولاد بالعمل عبر وعود الأجور الجيدة. ويشير المتعهد جاسم خضير المتعاقد مع أمانة بغداد لتنظيف شوارع حي الأعظمية, إلى أن “المتعهدين لا يجبرون الأطفال على العمل في التنظيف, بل إن معظم الآباء هم الذين يتوسطون لدينا لقبول أولادهم, ويرى الآباء في الأجور المجزية التي نمنحها سبباً كافياً لدفع أبنائهم إلى العمل معنا, كما أننا وجدنا من خلال التجربة أن الأولاد يلتزمون بالعمل وينفذونه جيداً”.
ولا يخفي المتعهد غضبه على الآباء الذين يشغلون أبناءهم ويبعدونهم عن مقاعد الدراسة: “قبل أن يفكر الشخص الغريب بأطفال الناس, وقبل أن يوجه أحد اللوم إلينا, الآباء هم من يجب أن يلاموا وليس نحن, فهم بدفعهم أولادهم إلى العمل, إنما يجعلونهم ضحية”.
أستاذة علم الإجتماع في كلية الآداب في جامعة بغداد, الدكتورة كواكب صالح حميد, ترد أسباب تشغيل ا