شباب العراق لا يعرفون لأنفسهم هوية... إلاّ الخوف!

تنفس معظم العراقيين الصعداء في الأيام الأولى لسقوط صدام الذي كانت جمهورية الخوف التي أرساها أنتجت أجيالا من المرعوبين. غير أن الأمل بعراق جديد ينسحب فيه الخوف من النفوس ومن الثقافة اليومية ومن أشكال التعاطي بين الناس وبين المؤسسات السياسية، يبدو أقل حضوراً بين الطامحين إلى عصر جديد، وتحديداً بين فئات المجتمع الشابة التي تراهن على أنها ستكون في مقدَّم بناة البلاد الجديدة.
تكرس الخوف في بناء الشخصية العراقية منــذ أن أكلـــت الحروب أكثر من عقدين من عمر أجيال عدة. وعـــزز نظــــام من القسوة والعنف والخوف وبدد آخر الآمال بسلم اجتماعي، ومات الملايين وهاجر الآلاف.
واليوم يدخل الخوف مرحلة جديدة في حياة العراقيين، ليس من انفجارات القذائف والصواريخ في الحروب، بل من سيارات مفخخة، من عبوات ناسفة يمكن أن تحوّل أي مبنى وشارع إلى جحيم حقيقي، من حواجز التحالف، من انتقام المقاومة من كل عراقي يعمل مع الأميركيين، من سجن أي غريب في عهد الاحتلال الذي يمارس فيه أبشع الجرائم ..
وعن الخوف المكرس في الشخصية العراقية يقول الطالب في كلية الهندسة في جامعة بغداد، صفاء سهيل: “الخوف في قاموس العراقيين، يأخذ صفحات عدة من الحياة العراقية سابقاً وحتى هذه اللحظة، بسبب وحشية النظام السابق في قمع كل من كان يسمح لنفسه الإدلاء بأبسط الآراء، وإن كانت تلك الآراء تخص مصلحة وطنية عامة”.
ويضيف الطالب الذي يبدي اهتماماً بدراسة علم الاجتماع إلى جانب دراسته الهندسة الكيماوية، أن “سبب بقاء الخوف حياً في نفوسنا ما كانت تفعله أجهزة الاستخبارات التي كانت تعدم فرداً مثلاً، لكنها تبث إشاعة بإعدام عشرة. وما حصل في الاستفتاء الأول والثاني على منصب رئاسة الجمهورية، هو أن دوائر الأمن والاستخبارات بثت أن من لا ينتخب صدام سيعدم وتقطع عن أهله الحصة التموينية التي كان العراقيون يعتمدون عليها في توفير حاجاتهم الغذائية الأساسية”.
ويورد سهيل مثالاً عــن الرعــب الذي كان شائعاً فيقول: “أعرف شخصاً كان يقــود سيارتــه على طريق القصر الجمهوري مع عائلته وأخرج ابنه الصغير من نافذة السيارة لعبة على شكل مسدس وصوبها نحو جندي الحماية على القصر الجمهوري فأخذ الجنود بإطلاق النار في الهواء بعشوائية وتم اعتقال الأب، وأطلق بعد سجن طويل”.
وترى الطالبة في كلية التربية في جامعة بغداد احلام حسن أن هناك مصادر اجتماعية وتربوية للخوف في العراق: “الخوف يجري في عروقنا منذ الولادة وبالتحديد عندما فطمنا على أصوات المدافع والصواريخ ونحيب الامهات على أبنائهن في الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج، ليتجدد الخوف يوماً بعد آخر وكأننا أدمنا على نوع من المخدرات لكن عبوته نفسية، فصارت دماء الشهداء والحروب وويلات الحصار كلها عوامل رفدت ضعف الشخصية العراقية وأقصد تحديداً فئة الشباب والطلبة الجامعيين، فأصبحنا نخاف من رئيس القسم لأنه يمثل سلطة لا نستطيع تجاوزها والحال نفسها بالنسبة للعميد وكذلك ممثلو الحزب وقياديوه، فكنا نراهم يحققون أمنياً مع طلبة في أمور تتعلق بمخاطر النكتة، فأدانوا طالباً في كليتنا بتهمة الضحك على نكتة عن الرئيس واعتقلوه”.
ويقول الطالب في كلية الطب في الجامعة المستنصرية، انمار محمد “الخوف انتهى، لكن هناك نوعاً من التردد في مرافق الحياة العراقية الآن، وعلى رأس القائمة جدوى العمل السياسي. لن ننسى الخوف على رغم تحطيمنا لجداره القاسي، فصورة أعمامي الثلاثة ماثلة أمامي دائماً عندما اعتقلوا بعد انتفاضة 1991، وحين أطلقوا اثنين منهم بعد ستة أشهر من التعذيب والصعق الكهربائي، أما عمي الثالث فعرفنا بعد سقوط النظام أنه قتل على أيدي رجال الأمن”.
ويقول الشاب علي عادل صالح: “نعم الخوف موجود فينــا، أبي وأمي يحذرانني من الكلام في أي مسألة تخص العراق، قد تقودني إلى جدل سواء كانت بعيدة من السياسية أو قريبة منها لأن هناك أناسا في العراق، يؤمنون بعودة صدام ويرجحون مغادرة القوات الأميركية”.
“الخوف هويتنا”، تقول الطالبة في كلية اللغات في جامعة بغداد نسرين عطية، لافتة إلى أن “للخوف دوافع كثيرة، اجتماعية وسياسية واقتصادية وغيرها الكثير على الساحة العراقية. اجتماعياً كل فرد منا يخاف ممن سيصبح أحسن منه في أي مجال، أما في الجانب الاقتصادي فكلنا يعرف أن العراق من دول العالم التي يعاني اقتصادها تجاذبات كثيرة. فمع تبديل العملة الناس محتارون بين من يريد أن يبقي أمواله بالدينار العراقي ومن يريد تحويلها إلى العملة الصعبة وإنني أجزم بأن الخوف صار كهوية الأحوال المدنية التي نمتلكها وتعرفنا بنا في حواجز التفتيش”.
يائس ومصّر على أن السفر خارج البلاد، نوع من الحل للخروج من الفوضى... هذه هي حال الشاب علي صلاح الذي يقول: “اليأس والسفر، أراهما في المرآة كل يوم بدلاً من وجهي، لا أريد أن تنتهي حياتي في فوضى الحروب ودمارها، ترى هل يحيا أقراني في دول عربية مثل ما أحيا من رعب لا قدرة لي على أن أغيره أو أواجهه؟ نحن بحاجة إلى ثورة على أنفسنا أولاً، وعلى وطننا ومن فيه من العابثين والإرهابيين، وقد نثور على العالم كله، إذا لم نجد بقعة فيه تحتضننا”.
ـــــ
الحياة 2003/10/21