الألغام تحصد شباب كردستان

يحظى الفرد في إقليم كردستان العراق، بما معدله ستة ألغام؛ فهو كالمحكوم عليه بالإعدام أكثر من مرة. الموت مخبأ في أرضه على شكل آلة قابلة للتفجير بلمسة بسيطة في أي لحظة. مزروع بخبث، يكاد يضع الإقليم في صدارة المناطق الغنية بالألغام.

“كوارث الحرب تأتي بعد انتهائها” وهذا ما تفعله آلات الدمار الخبيثة هنا. فإن كانت الحرب وضعت أوزارها تقريبا، إلا أن جذور الدمار والإبادة الجماعية، باقية راسخة في أرضها، لحصد المزيد من الأرواح، كأن الدماء التي أريقت لم تكن كافية!!

لم تكتف الألغام، بقدرتها على القتل وهي مزروعة في مكانها، بل ابتدعت طرقًا أخرى في سبيل إتمام عملها الشيطاني، إذ إن الكثير منها ينجرف مع مياه الأمطار والينابيع والعيون، وما أكثرها في إقليم كردستان، وفي هذه الحال يكون الشبان من السابحين هم ضحيتها الأولى، وبعد ذلك تدفع المرأة الكردية حياتها، ثمنًا لغسل أطباق الطعام في العين (النبع) القريبة من بيتها، أو أن يعود قطيع الغنم إلى بيته، تاركًا راعيه، مقطوع الساقين. وهي أمور لطالما تحدث في القرى الجبلية، والمناطق الوافرة الظلال والألغام.

وقودها الشباب
يقول جمال جلال حسين، وهو معاون المدير العام للشؤون الفنية، في المؤسسة العامة لشؤون الألغام في إقليم كردستان/العراق Action Regional Mine Center of Kurdistan: “إن عدد الأشخاص الذين قتلوا بالألغام خلال السنوات القليلة الماضية، بلغ 10417 شخصًا، وأن هناك 2094 جريحًا، هذا بالنسبة إلى الذكور، بينما يقل العدد بين الإناث لكون عمل المرأة الكردية ينحصر في إطار القيام بالأعمال المنزلية ورعاية الأطفال. وكانت نسبة القتلى لدى النساء 963 امرأة، و21 جريحة، 550 منهنَّ شابات تراوح أعمارهن بين 15و35 عامًا”.
ويضيف بأن نسبة الضحايا من الشباب الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15و40 عامًا، كانت 6738 بينما عدد الجرحى بينهم كان 1344.
ويؤكد أن هناك عددًا هائلاً من الألغام المزروعة في كردستان العراق، والتي زُرعت خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988م، والجزء الأكبر منها هو في المناطق الحدودية والمرتفعات الجبلية المستعملة كنقاط عسكرية، بالإضافة إلى أن هناك أراضي عراقية لُغمت من جانب القوات الإيرانية أثناء احتلالها لها، ناهيك بالألغام التي زرعتها قوات النظام السابق في ما كان يعرف (بالخط الأخضر) الفاصل بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية.

ويتابع: “إن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم توافر الخرائط الخاصة بحقول ا لألغام، إذ لم يتم تزويد المنظمات الإنسانية العاملة في هذا الشأن ولا حتى الأمم المتحدة بالمعلومات الوافية عن عدد الألغام وأماكن تواجدها”.

وبحسب المعلومات المتوافرة في قسم إدارة المعلومات في المؤسسة المذكورة، يوجد في شمال العراق 3814 منطقة ملوثة بالألغام تتصدرها محافظة السليمانية، تليها محافظة أربيل، من ثم دهوك وديالي وكركوك. كما أن هناك 190 حقلاً للألغام تم تنظيفها وتسليمها إلى أصحابها.

إسلام بيرموز (29 عامًا) فقد ساقيه وبصره جراء انفجار لغم أثناء ممارسته كرة القدم في منطقة ديرا لوك الواقعة في العمادية والعائدة لمحافظة دهوك. وعلى رغم أنه غير متزوج إلا أنه كان المعيل الأساسي لعائلته. وبعد أن تم إدخاله إلى مركز دهوك التأهيلي بإشراف منظمة (RMAC)، وبعد تلقيه العلاج اللازم وحصوله على أطراف اصطناعية، اشترى المركز لعائلته عددًا من الأبقار، ضامنين طريقة تستطيع العائلة بها أن تحصل كفاف يومها.

هناك مراكز عدة تأهيلية لضحايا الألغام في أقليم كردستان العراق. في ديانا يقع المركز الرئيس، وهناك غيره في دهوك والسليمانية وحلبجة.
أمين أحمد مشكو (35 عامًا) تعرض لانفجار لغم، عندما كان يرعى ماشيته في المناطق الجبلية المحيطة بقريته وتحديدًا في زاخو. الانفجار أفقده إحدى ساقيه بشكل كامل، مع أضرار في ساقه الأخرى. يقول أمين إنه لم يحتر مثلما احتار عند معرفته بأنه لن يستطيع بعد الآن، إعالة عائلته المؤلفة من ستة أطفال وزوجة”. أسعف أمين، بالعمل في دكان، تعود ملكيته لمركز مساندة الضحايا في دهوك.

ويقول الدكتور عبد الله بيندروبي – مدير مساندة الضحايا في منطقة RMAC – إن المراكز العاملة ضمن نطاق منظمتنا، تتولى المريض من مراحل دخوله الأولى إلى المركز، بدءًا بعمل الإجراءات الطبية اللازمة له وانتهاء بعمل أطراف اصطناعية، ويجري بعد ذلك العمل على تأهيله وتدريبه وظيفيًا، وهذا يعتمد على عدد الضحايا وعلى نوعية الضرر الواقع عليهم”.

ويضيف: “إن أكثر العاملين في مجال إزالة الألغام هم من الشبان الذين تم تأهيلهم، بشكل عالي المستوى، بعد أن تلقوا دورات تدريبية في مجال إزالة الألغام وفق المعايير والقياسات العالمية المتبعة في أكثر بلدان العالم التي تعاني من مشكلات الألغام”.

محظوظ!!
هناك بعض الحوادث التي تصيب العاملين في مجال إزالة الألغام، أثناء القيام بواجبهم. وعلى رغم معرفة غالبيتهم بخطورة عمل إزالة الألغام، إلا أن قلة فرص العمل والبطالة المنتشرة بين أوساط الشباب، لاسيما أن الكثير منهم يبدأون حياتهم الزوجية مبكرين، يزيد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
كل هذه الأسباب تبرر إطلاق تسمية “المحظوظ” على من يسعفه الحظ بحصوله على فرصة عمل كهذه، على رغم أنها تؤدي في بعض الأحيان إلى إعاقة دائمة.

إسماعيل توفيق (26 عامًا) كان يعمل قبل فقدانه عينه اليسرى، مزيلاً للألغام، في منطقة جومان (المنطقة الحددوية بين إيران ومحافظة أربيل)، يقول: “إن حالات مشابهة لحالته حصلت لأصدقاء له في مجال إزالة الألغام، وسببها الرئيس يعود إلى عدم توافر خرائط دقيقة تحدد مراكز وجود الألغام بشكل دقيق”.
إسماعيل يعتقد بأنه محظوظ كونه مازال يستطيع تحريك ساقيه وذراعية والاعتماد عليهما بشكلٍ كامل”.

لطيف عبد الله (25 عامًا) نجار من دون ساقين، على ماذا يقف؟ أو كيف يتنقل في ورشة العمل؟
يقول لطيف: “إنه يجلس في مكانه والعمل يأتي إليه!”. ويضيف بأن موت الساقين لا يعني موت أطراف الأخرى.

كثيرة هي الحالات التي تترك الألغام أصحابها أشباه موتى، إلا أنهم على رغم ذلك “يستمرون” في الحياة، ربما لأدراكهم أن الحياة أيضًا ما هي إلا لغم كبير، ينفجر بوجه من لا يحرك ساكنًا فيها.