الطلبة المصريون... ومواجهة رعب الامتحانات

ثقافة عامة

المنظر مثير فعلاً.. ثلاثة أرباع الرصيف المتاخم للمحطة مغطى بأشكال وألوان من كل أنواع الكتب والكراسات والملازم. «أفضل مئة سؤال في الأحياء للثانوية العامة»، «كراسة الأول لامتحانات الجبر للصف الثالث الإعدادي»، «التوقعات المرئية في علوم الإعدادية»، «دليل التفوق في جميع المواد للصف الأول الابتدائي». وفي وقت الظهيرة يتجمع الأطفال والمراهقون والشباب ممن يخضعون في الأيام القليلة المقبلة لكل أنواع الامتحانات، الشفوية والمكتوبة، والأهم من هذه وتلك، الاختبارات النفسية العنيفة التي يمرون بها في مثل هذا الوقت من كل عام.

المشهد في مجمله ليس جديداً أو مستهجناً. وعلى رغم غرابته، نما نوع غريب من الألفة بينه وبين ضحاياه من الطلاب وذويهم. إنها ألفة أشبه بالألفة التي تنشأ بين البشر والكوارث الطويلة المدى التي تحل بهم. ولكن هذا التعايش السلمي هو أقرب ما يكون إلى الحرب الباردة التي تنذر بانفجار الوضع في أي لحظة، وإن كان من الممكن أن يبقى الإنذار قائماً لسنوات طويلة قبل مرحلة الانفجار. فهناك من الضحايا من يشغل منصب «طالب» اعتاد الوقوع سنوياً ولمدة لا تقل عن 12 عاماً، أمام ما يعرف برعب الامتحانات، وهناك الضحايا من الآباء والأمهات الذين ينفقون ويسخرون حياتهم من أجل تعليم الأولاد فيتحولون في منظومة التعليم إلى كائنات مسلوبة الإرادة أمام سطوة الامتحانات لدرجة أن تقارير التنمية البشرية التي تصدرها الحكومة المصرية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي باتت تدرج الدروس الخصوصية ضمن تحليلاتها الاقتصادية والتنموية.

محمد السيد (45 عاماً) أب لابن في الثانوية العامة وابنة في الصف الأول الثانوي، يتحدث عن الأوضاع الراهنة ويقول: «لولا أن الانتحار حرام لأقدمت عليه من دون أدنى تفكير. فأنا موظف في القطاع العام وشبح الخصخصة وتسريحي يطاردانني حتى في المنام، وإذا أضفنا إلى ذلك الضغوط النفسية والعصبية والمادية اللازمة لاقتطاع بند الدروس الخصوصية للولد والبنت من الموازنة المثقلة أصلاً بأحمال من الوزن الثقيل تبدو الحياة أشبه بعقاب قاس».

ويضيف السيد أن الحمل يزداد ثقلاً ووطأة في مثل هذه الأيام «الصعبة» من كل عام، يقول: «يتصرف المدرسون الخصوصيون تماماً مثل التاجر الجشع في موسم امتحانات آخر العام، فيغالون في أسعار الحصص، بل ويخضعون الطلاب لعملية غسيل مخ، إذ يقنعونهم بأن تكثيف الدروس الخصوصية في الأيام السابقة للامتحان هو طوق النجاة وضمان النجاح».

ويقترح السيد - وإن على سبيل التندر - أن يكون الدرس الخصوصي مصحوباً بشهادة ضمان نجاح الطالب.
إلا أن النجاح وحده ليس هدف غالبية الطلاب والطالبات، لا سيما وهم يرون جحافل من سبقوهم في النجاح «يجلسون» على المقاهي أو على النواصي في انتظار فرج قد لا يأتي. فجيش العاطلين عن العمل من حملة الشهادات الجامعية متخم ولا يحتمل المزيد.

ويقول تامر فتحي، طالب الثانوية العامة، إنه عرف من خلال الإنترنت أن 700 ألف خريج جامعي في مصر يتنافسون سنوياً على 200 ألف فرصة عمل، وهو ما أدى بتامر إلى «تكبير دماغه» من موضوع «عنق الزجاجة الذين يصدعون به رؤوسنا كل عام» ـ على حسب تعبيره.

يقول تامر من موقعه شبه الرسمي في أحد مقاهي ميدان التحرير في وسط القاهرة: «أنفق أبي دم قلبه على دروس أخي الأكبر حين كان في الثانوية العامة إلى أن تخرج قبل عامين في كلية الطب. وهو حالياً شبه عاطل، يجول على المستوصفات الخيرية في الأماكن الشعبية طوال الليل والنهار ومجموع دخله الشهري لا يكفي مواصلاته وبعض النفقات. وعلى رغم كل ذلك، فإن تامر لم يتخل عن «عادة» الدروس الخصوصية ويقول: «الدروس الخصوصية طقس من طقوس التعليم في مصر وهو طقس ضروري في عامي الثانوية العامة ولا علاقة له بالتفوق والتميز». ويضيف ساخراً: «أعتقد لو كان طه حسين ما زال حياً بيننا لغير مقولته الشهيرة في كون التعليم ودروسه الخصوصية كالماء والهواء».

وعلى النقيض تماماً من واقعية تامر المفرطة، تقبع منار الطالبة في الصف الثاني الثانوي في غرفتها في حال أشبه ما تكون بحال الناسك المتعبد. فقد فصلت منار نفسها عن البشر مستثنية بعض الوقت للإذاعة الذي تكسر به قيود الإقامة الجبرية التي فرضتها على نفسها من أجل إحراز القدر الأكبر من الدرجات لإضافتها إلى درجات العام المقبل علها تلتحق بكلية طب الأسنان.

قلق إلكتروني
وفي تفقد سريع لحال القلق الإلكتروني الذي ألم بالعوالم الافتراضية تحت وطأة الامتحانات، تبين أن الغالبية العظمى من المواقع الإلكترونية أعلنت الطوارئ هي الأخرى وكأن الجميع تضامن من أجل إعلان المجتمع الطلابي «مجتمعاً موبوءاً» بداء قلق الامتحانات الشديد العدوى. أيقونات ومواضيع ووصلات فرعية ورئيسية للتعامل مع الأزمة: «فن الاستذكار ومواجهة الامتحانات»، «دليل الآباء لتفوق الأبناء»، «في قفص الخوف: إرهاب الامتحانات»، «محطات الأمان في لجان الامتحان»، وآلاف غيرها من المواقع والمواضيع التي تساهم بقدر غير قليل في ترسيخ الحال المرضية وغير المبررة للرعب من الامتحان. حتى الصحف القومية والمعارضة اليومية دخلت اللعبة هي الأخرى، فأدلة تفوق المرحلة الثانوية والإعدادية والابتدائية التي توزع في داخل الجرائد تحقق نسب مبيعات عالية جداً، لا سيما إذا كانت تحمل عناوين دراماتيكية مثل «التوقعات المرئية في مادة الكيمياء» أو «دليل الأذكياء في مادة الأحياء» وغيرهما من العناوين المؤثرة التي تغازل أحلام ضحايا نظام التعليم الذي قدس الامتحان على حساب التعلم، واعتبر مكتب التنسيق خير مؤشر إلى احتياجات الوطن بصرف النظر عن أي اعتبارات علمية أو منطقية أو واقعية أو حتى إنسانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمينة خيري: الحياة(15753)