كتب نحوية ودورها في التفسير

اللغة العربية

من أهم مظاهر العلاقة بين علم النّحو والتفسير، اختصاص بعض اللّغويين والنّحويين بتآليف خاصة بالقرآن، ذات منهج خاص، وهي كتب المعاني وكتب الإعراب، وسأتحدث عنها بإيجاز لتكتمل صورة العلاقة التي تجمع بين علمي النّحو والتفسير، ولإظهار أثر علم النّحو في التفسير:
كتب المعاني:
تعمد هذه الكتب إلى الكلام على لغة القرآن، وبيان وجوه إعرابه، والوقوف عند مشكله وتجلية معانيه، وترتبط بما يُشْكِل في القرآن، ويحتاج إلى بعض العناء في فهمه( )، فهذه الكتب تمثل صورة من صور التفسير اللّغوي، وفيها يتضح أثر علم النّحو واللغة في التفسير. وقد كثر المؤلفون في هذا الميدان من المتقدمين، وشاع هذا العنوان ردحاً من الزمن، وتوفّر على الكتابة فيه جلة علماء العربية في زمانهم. وسأعرض بعض الأمثلة على هذا النوع من التآليف توضيحاً له:
1-كتاب مجاز القرآن
أّلف هذا الكتاب أبو عبيدة، معمر بن المثنى( ) (ت209هـ)، وهو من أقدم ما وصل إلينا في هذا الفن، وقد عدّ بعض الباحثين أبا عبيدة، أول من صنف في معاني القرآن من أهل اللغة( )، وكلمة المجاز في عنوان هذا الكتاب لا تُحمل على المعنى الاصطلاحي عند علماء البلاغة، بل يريد بها الطرق التي يسلكها القرآن في تعبيراته( ) فهو يذكر الآية ثم يقول: ومجازه. يريد: معناه( ).
وأبو عبيدة في كتابه يقدّم تفسيراً لغوياً، يقوم على قدر من الحرية، ولا يتقيد بقوانين المذهبين النّحويين، البصري والكوفي، إذ كانا في دور التكوين( )، وهو يعنى بالشواهد الشعرية لتوضيح الآيات القرآنية عناية بالغة، وقد صرف وُكْده إلى الجانب اللّغوي، فشغله ذلك عن متابعة القصص القرآني وأسباب النزول، إلا إذا اقتضى فهم النّص ذلك( )، ويمتاز منهجه باليسر والقرب، فهو يحتكم إلى الفهم والذوق اللّغوي، ويرجع إلى كلام العرب( ).
2-كتاب معاني القرآن:
ألفه الفراء (207هـ) ( )، وهو كتاب يعرض فيه الفراء الآية، ثم يتناولها بالتحليل اللّغوي والنّحوي( )، وهو يعتمد على لغات العرب التي يحيط بها في توجيه المعنى، كما يعتمد على القراءات، وهو ضالع فيها، مطّلع عليها اطلاعاً واسعاً، وهو ينتقد القراءة بعرضها على قراءات أخرى والترجيح بينهما من خلال توجيه المعنى( ).
والفراء في كتابه يوسع دائرة التأويل، وهو من أبرز أدواته في توجيه الإعراب( )، ويعتدّ بالقياس ويكثر منه( )، وتظهر نظرية العامل جلية في كتاب الفراء، إذ هو المقتضي للإعراب عنده( )، وهذا العرض الموجز لمنهج الكتاب يبين جلّ اهتمامه بالناحية النّحوية واللّغوية في أثناء التفسير، إذ يظهر فيه أثر النّحو بوضوح، مما يجعله من كتب التفسير اللّغوي التي تبرز متانة العلاقة بين علمي النّحو والتفسير.
كتب الإعراب:
الإعراب في اللغة: الإبانة والإفصاح، وأعرب الرجل عن نفسه، إذا بيّن وأوضح( ). وفي معجم المقاييس “إعراب الكلام أيضاً من هذا القياس، لأن بالإعراب يفرّق بين المعاني في الفاعل والمفعول والنفي والتعجب والاستفهام، وسائر أبواب هذا النّحو من العلم”( )، ولا تخفى الرابطة الوثيقة بين المعاني والإعراب، لذا قالوا: الإعراب فرع المعنى، ولا يُتصوّر أن يُقدِم أحد على إعراب نص يجهل معناه، فإعراب النّص تجلية لمعانيه، وكشف لأحكامه. قال السيوطي (ت911هـ) في شروط من أراد إعراب القرآن: إنّ أول واجب عليه “أن يفهم معنى ما يريد أن يعربه مفرداً أو مركباً قبل الإعراب، فإنه فرع المعنى، ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور، إذا قلنا بأنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه”( ). لذلك فإنّ المُعرِب يزلّ إذا نظر في ظاهر اللفظ فقط، ولم ينظر في موجب المعنى( ).
وكما لاحظنا، فقد تضمنت كتب المعاني السابقة وجوه إعراب آيات القرآن الكريم، وتعرضت لذلك بالمقدار الذي يوضح دلالاته ومعانيه، ويوقف على مقاصده وأحكامه، إذن ما الذي تميزت به كتب الإعراب عن كتب المعاني؟
إن كتب المعاني التي اهتمت بالنّحو وتوضيح المعاني اللّغوية للكلمات والمفردات، وربما عرّجت على أسباب النزول وقصص القرآن، بمقدار حاجة البيان، هي التي ولّدت هذا النوع من التآليف، وقد سار الإعراب في طريق الانفصال والتّطور حتى استقلّ عن المعاني وتحوّلت الأخيرة إلى كتب تفسير( )، وظهرت تآليف تعنى بإعراب كلمات القرآن وجمله، وانحصارها في هذه الناحية من القرآن، جعلها علماً قائماً بذاته، ثم تباينت مناهج العلماء في إعراب القرآن الكريم، فمنهم من اقتصر على إعراب المُشْكل فقط، ومنهم من عرض لإعراب غريبه، ومنهم من قصد إلى إعرابه كاملاً، ومنهم من عَرَضَ أشكال الإعراب وجعل لكل شكل باباً، ومنهم من جمع بين أوجه القراءات والإعراب( ).
ولكن، متى نضج هذا الانفصال عن كتب المعاني؟ يجيب إبراهيم رفيدة عن هذا السؤال( ) ويَعدُّ كتاب إعراب القرآن لابن النحاس( ) (ت338هـ)، المحاولة التي نملك الدليل على نضجها في الفصل بين معاني القرآن وإعرابه، ويؤكد هذا مقارنةً بين كتابي ابن النحاس: معاني القرآن، وإعراب القرآن. فقد جعل ابن النحاس كتابه (معاني القرآن)، كما يقول، في تفسير المعاني والغريب وأحكام القرآن والناسخ والمنسوخ( )، وجعل كتابه (إعراب القرآن) في إعراب القرآن والقراءات في المرتبة الأولى، وقد يذكر المعاني بمقدار الحاجة إلى ذلك( ).
ومن أشهر كتب إعراب القرآن التي اعتنت بالعلاقة بين النّحو وفهم معاني القرآن:
1-كتاب معاني القرآن وإعرابه:
ألف هذا الكتاب الزجاج( ) (ت311هـ)، وتعرّض فيه للإعراب والمعاني، ويظهر هذا من قوله: “هذا كتاب مختصر في إعراب القرآن ومعانيه”( )، ويسوّغ الزجاج ذكره المعاني بما يشعر بأن قصده أصالة إعراب القرآن، فيقول: “وإنما نذكر مع الإعراب المعنى والتفسير، لأن كتاب الله ينبغي أن يتبين ( )، وهو في كتابه يثبت الآية، ثم يحلل بعض ألفاظها على طريقته في الاشتقاق اللّغوي، فيذكر أصل الكلمة والمعنى اللّغوي الذي تدل عليه، ثم يورد الكلمات التي تشاركها في حروفها، ويستشهد على رأيه بما يؤيده من كلام العرب وأشعارهم، ثم يبدأ بإعراب الآية، وهو في كل هذا يناقش النّحويين الآخرين، وقد يأخذ بآرائهم أو يردّها( ).
2-كتاب إعراب القرآن:
ألفه ابن النحاس، وقد بيّن منهجه في مقدمة كتابه فقال: “هذا كتاب أذكر فيه، إن شاء الله، إعراب القرآن والقراءات التي تحتاج أن يبين إعرابها، والعلل فيها، ولا أخلّيه من اختلاف النّحويين، وما يُحتاج إليه من المعاني، وما أجازه بعضهم ومنعه بعضهم، وزيادات في المعاني وشرح لها”( ). فخطبته في مفتتح كتابه دالة بذاتها على هذا الارتباط الوثيق بين علم النّحو، وتوجيه معاني الآيات القرآنية.
3-كتاب التبيان في إعراب القرآن:
ألفه العُكْـبَري( ) (ت616هـ)، وأعرب فيه القرآن كاملاً، وهو يذكر وجوه القراءات، ويبين وجوه إعرابها، ولا يخلو الكتاب من إشارات إلى معنى الآية، وهو يستشهد بالشعر العربي على ما يذهب إليه، وقد يذكر أئمة النّحو والتفسير الذين ينقل عنهم( )، ويذكر وجوه الإعراب في الآية ولا يرجح بينها، وهذا كثير في كتابه، وربما رجح بين الوجوه بتمريض أحدها، وذلك كأن يقرر وجهاً، ثم يتبعه بكلمة قيل ( )، وقد يستغني عن الإعراب ببيان المعنى فقط( ).
وكتب أبو المنذر عماد الزبن