عولمة التجسس الاقتصادي

مالية واقتصادية

عولمة التجسس الاقتصادي

حنان عبد اللطيف
معهد التخطيط -مصر

في العقود الأخيرة ظهر مفهوم جديد للتجسس يركز على الجوانب الاقتصادية للدول ويحاول معرفة ما يدور في كواليس العمل الاقتصادي، سواء في مجال التجارة الخارجية أو التجارة الداخلية أو الإنتاج والتسويق والتكنولوجيا وبراءات الاختراع والعلامات التجارية وغيرها. والسطور التالية تحاول توضيح هذا المفهوم الجديد للتجسس، وكيف يتم، وأشهر حالات التجسس الاقتصادي في العالم بين الدول وبين الشركات.

التجسس الاقتصادي والعولمة

في عصر العولمة أصبح العالم وكأنه بمثابة القرية الصغيرة، وأصبح من المعتقد أن كل شيء معروف، لدرجة أن البعض أطلق عبارات شهيرة تعكس هذا الوضع الجديد؛ فهناك من قال إن الأقمار الصناعية تصور طوابير النمل التي تسير على كوكب الأرض في كل مكان، وسمعنا من يقول إن الأقمار الصناعية لدى بعض الدول قادرة على التقاط أرقام لوحات السيارات في معظم دول العالم، وهناك من قال في أثناء حرب الخليج إن الأقمار الصناعية الأمريكية قادرة على التعرف على ماركة الملابس الداخلية لرئيس العراق، ولكن بالرغم من كل هذا فإن الواقع المعاش أثبت أن هذا الاعتقاد خاطئ.. من الصحيح أن الأقمار الصناعية تصور طوابير النمل على الأرض وتصور الأشخاص، ولكنها لا تستطيع أن تتعرف أو تنقل ما يدور في عقول هذا النمل أو هؤلاء الأشخاص، وهو ما يعني أن عالم اليوم ما زال فيه أسرار يسعى البعض للحصول عليها، وفي المجال الاقتصادي يمكن ـ من خلال المعلومات والتصميمات والرسومات المتعلقة بالمشروعات الاقتصادية ـ لإحدى الشركات العالمية اكتساح الأسواق في العالم محققة أرباحا هائلة، إذ تمكنت هذه الشركة من الحفاظ على سرية هذه المعلومات والتصميمات والرسومات. أما إذا تسربت هذه الأسرار إلى الشركات المنافسة فإن سيطرة هذه الشركة على الأسواق العالمية تنهار، مما يعطي للمنافسين فرصة لتحقيق أرباح كبيرة، ومن هذا المنطلق ولد التجسس الاقتصادي كمفهوم جديد في عالم الاقتصاد الدولي الراهن وفي عالم المخابرات، وأصبح يستخدم في مجال الصراع السياسي والاقتصادي بين الدول والشركات والأفراد، وقد تنوعت مجالات هذا التجسس لتغطي جميع مجالات النشاط الاقتصادي إنتاجي وتسويقي وتكنولوجي وغيرها من المجالات، وقد كشفت حالات التجسس الاقتصادي بين الدول والشركات عن حقيقة هامة مفادها أن التجسس الاقتصادي قد انتشر مع تزايد موجات العولمة والتحرير الاقتصادي في العالم، مما دفع البعض إلى وصف العولمة الاقتصادية بأنها “عولمة التجسس الاقتصادي” وجعل البعض الآخر يصف التجسس الاقتصادي بأنه تجسس اقتصادي عالمي، وقد أظهرت الدراسات في هذا المجال أنه مع زيادة التنافس بين الدول والشركات زادت نفقاتها على التجسس الاقتصادي وجمع المعلومات عن الأسواق والشركات المنافسة محليا ودوليا، وفي بعض الحالات وصل ما تنفقه الشركة الواحدة على عمليات التجسس الاقتصادي أكثر من مليار دولار سنويا.

شركات متخصصة في مجال التجسس

لم يستغرب الكثيرون عمليات التجسس الاقتصادي، ولكن الأمر الذي أثار استغراب جميع المراقبين هو أن عمليات التجسس، التي تم اكتشافها كشفت النقاب عن وجود شركات متخصصة في هذا المجال، تركز نشاطها في تقديم هذه الخدمة إلى الشركات الصناعية والخدمية والحكومة مقابل أجر، وأن هذه الشركات لديها العديد من العملاء الذين يطلبون هذه الخدمة، كما أنها توظف لديها العديد من الكوادر المدربة من المحاسبين والمراجعين والمحللين الاقتصاديين. والغريب في الأمر أن هذه الشركات والعاملين بها لا يعتبرون نشاطهم نشاطا غير مشروع أو يدعو إلى الخجل، ولكنهم يرون أن قيامهم بهذا العمل هو واجب وطني وخدمة عامة بحجة الدفاع عن المصالح القومية الاقتصادية في حالة التجسس على دولة أخرى أو في حالة التجسس على إحدى الشركات التي تنتمي إلى دول أخرى، وكذلك بحجة تقديم البيانات والمعلومات إلى العدالة في حالة التجسس على شركة وطنية لصالح شركة أخرى وطنية بينهما قضايا تتعلق بالمنافسة أو الاحتكار في السوق المحلية، وهذا تماما ما عبر عنه أحد الذين قاموا بالتجسس على شركة “مايكروسوفت” لصالح “أوراكل” المتنافستين في مجال البرمجيات في السوق الأمريكية في أثناء نظر قضية الاحتكار ضد الشركة الأولى، حيث قال: “كل ما فعلناه كان محاولة للحصول على معلومات سرية وتسليط الأضواء عليها لخدمة العدالة وأعتقد أن ذلك خدمة عامة”.

ومن أشهر الجهات التي يرى البعض أنها تتخصص في مجال التجسس الاقتصادي جمعية محترفي التنافس المخابراتي، وهي جمعية تم تأسيسها عام 1982 في الولايات المتحدة الأمريكية على يد بعض العاملين في مجال المكتبات، وبعد حوالي 20 عاما من تأسيس هذه الجمعية أصبح معظم أعضائها من المحاسبين والمتخصصين في أبحاث السوق والأعمال البحثية والمعلوماتية الميدانية، وبعد الكشف عن واقعة تجسس شركة أوراكل على شركة مايكروسوفت تم إحراج هذه الجمعية وغيرها من الشركات والمؤسسات المثيلة؛ حيث بدأ الناس والحكومات ينظرون إليهم على أنهم جواسيس، وهو ما أجبر بعض هذه الشركات ومنهم هذه الجمعية على إصدار بيانات تنفي عن نفسها تهمة القيام بنشاط التجسس، بل إن هذه الجمعية قامت بوضع ميثاق شرف لطمأنة عملائها الذين وصل عددهم إلى حوالي 7 آلاف عميل، وفي هذا الميثاق ثم وضع أخلاقيات للعمل في هذا المجال يلزم العاملين فيها بالارتقاء بالمهنة والالتزام بالقوانين واحترام المعلومات التي توصف بأنها سرية، ولكن البعض يعتقد أن مثل هذه البيانات ومواثيق الشرف لا تنفي الشبهة عن هذه الجمعيات أو الشركات.