الإغراق يمارسه الكبار والصغار

مالية واقتصادية

الإغراق يمارسه الكبار والصغار

بقلم: مغاوري شلبي


تقول الحكمة العربية القديمة: “ما خوف الغريق من البلل؟”، وذلك إشارة إلى أن الشخص الذي تم إغراقه في الماء لا داعي لخوفه من ابتلال ملابسه بالماء؛ لأنه تعرض لما هو أبعد من البلل وهو “الغرق”، والواضح أن الغرق في هذه الحكمة له علاقة وثيقة بالماء، ولكن “الإغراق” في الاقتصاد الدولي ليس له علاقة بالماء من قريب أو بعيد، وإن كان له علاقة بحالة الغرق والغريق والتنفس الصناعي المتحكم فيه.
يعرَّف الإغراق بأنه طرح منتجات في الأسواق بسعر يقلّ عن سعر بيعها في أسواق الدولة المنتجة لها أو بسعر يقلّ عن سعر بيعها في أسواق الدول الأجنبية الأخرى أو بيعها بسعر يقلّ عن تكاليف إنتاجها؛ مما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمنتجات المحلية المثيلة في الدولة المستوردة لهذه المنتجات، وأوضح مثال لذلك هو إغراق الأسواق الأمريكية بعصير التفاح الصيني الذي لا تتعدى تلكفته عن 10% من نظيره الأمريكي، فقد أدَّى النمو الهائل في حجم الإنتاج العالمي لمختلف السلع إلى انتشار صراع متوحش بين دول العالم للسيطرة على الأسواق، وفقًا لنظرية “التهام السوق” التي تتخذها الشركات متعددة الجنسية شعارًا لها هذه الأيام، وذلك بدلاً من نظرية “توسيع الكعكة حتى يأكل منها الجميع” التي كانت سائدة في الماضي. وحاليًا توجد 400 ألف حالة إغراق ومسجلة في أنحاء العالم.

الإغراق سلاح الضعفاء
إن ممارسة عملية الإغراق للأسواق ليست دليلاً على قوة دولة معيَّنة أو منتج معين؛ وذلك لأنه إذا كان المنتج ينتج سلعته بطريقة اقتصادية وأسلوب سليم فإن سلعته سوف تكون منافسة للسلع المثيلة التي ينتجها الآخرون من حيث السعر والجودة، وبالتالي يحصل على نصيب مناسب من السوق، ويحقق أرباحًا مناسبة دون اللجوء إلى الإغراق للسوق المحلي أو الأجنبي لإخراج المنافسين له والسيطرة عليه، ولكن إذا كان المنتج ضعيفًا، ولديه مشاكل سوء إدارة وعمالة زائدة أو غير مدربة، أو لديه إهدار في الإنتاج، فإن سلعته سوف تكون غير تنافسية، وسوف يخشى المنتج في هذه الحالة من منافسيه الآخرين.
والإغراق ينقسم إلى الأنواع التالية:
إغراق خارجي: وذلك في الحالة التي تقوم فيها دولة بإغراق أسواق دولة أخرى بتصدير سلعة إليها بأسعار تقل عن تكاليف إنتاجها، وهو أشهر أنواع الإغراق، وتمارسه الدول المتقدمة والنامية على السواء، مثل إغراق الأسواق الأمريكية بالصلب الياباني والروسي.
إغراق داخلي: وذلك في حالة قيام شركة بطرح سلعة في السوق المحلي بسعر يقل عن تكاليف إنتاجها لإخراج المنافسين المحليين، وفي هذه الحالة تتبع الشركة خطة: “دع السوق يتنفس صناعيًّا، وحطم عظام المنافسين حتى يستسلم السوق، ويموت المنافسون ثم نبيع السلعة بالسعر الذي نحدده”.
إغراق مؤقت: وهو الإغراق الذي تلجأ إليه الدول عندما تمرّ بظروف اقتصادية غير مواتية مثل حالات الكساد أو الأزمات الاقتصادية، مثلما فعلت دول جنوب شرق آسيا خلال العامين الأخيرين حيث طرحت منتجاتها بأسعار منخفضة لتنشيط صادراتها وزيادة إيراداتها بشكل يساعدها على مواجهة أزمتها المالية.

الصين أكبر المغرقين
تعتبر الصين هي أكثر دول العالم التي لديها قضايا إغراق كمتضرر أو كممارس له، فهي الدولة الأولى في العالم المـرفوع ضدها قضايا للإغراق، وكذلك الدولة المفروض على صادراتها أكبر رسوم لمكافحة هذا الإغراق، وتتركز السلع الصينية المشكو في حقها في: المنتجات الكمياوية، والدراجات، والمنسوجـات القطنية، وألواح الزجاج، وأواني الألومونيوم، وإطارات السيارات، والأسمنت الأبيض، والأحذية وغيرها من السلع البسيطة، وكانت آخر قضايا الإغراق ضد الصين هي إغراق الأسواق الأمريكية بعصير التفاح المركَّز، والذي يقل سعره عن تكاليف إنتاجه بنسبة 91% عن انتاجه في الولايات المتحدة الأمر الذي أدَّى إلى إغلاق عدد من المصانع الأمريكية المنتجة لعصير التفاح.

واشنطن والإغراق المتبادل
وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية هناك قضايا إغراق رفعت ضدَّها من بعض الدول النامية وخاصة بالنسبة لصادراتها من المنتجات الكيماوية، وألياف الإكريلك، وفلاتر الزيت، وألواح الحديد، وورق التصوير، وأواني الألومونيوم، والدقيق، والمطاط، والكابلات وغيرها، ويمكن إرجاع هذه القضايا إلى طبيعة عمـل الشركات الأمريكية دولية النشاط التي تسعى إلى تصريف منتجاتها بشتّى الوسائل، والسيطرة على الأسواق العالمية، وفي هذا المجال نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت على عاتقها مهمة تحطيم الأسواق، والحدود أمام التجارة الدولية، كما ارتدت عباءة المدعي العام والمترافع والمتهم في وقت واحد، وخاصة بالنسبة لقضايا حرية التجارة؛ وذلك لأن أفعالها لم تساير أقوالها، والدليل على ذلك تهديدات واشنطن ضد صادرات الصلب من اليابان وتايلاند والأرجنتين وإندونيسيا وتركيا وفنزويلا وروسيا التي تدعي أنها تغرق الأسواق الأمريكية، وكذلك تهديدها بفرض عقوبات على الاتحاد الأوروبي إذا لم يتراجع عن قراره بفرض رسوم إضافية على وارداته من الموز فيما أطلق عليه “حرب الموز”، وذلك ليس لأن الولايات المتحدة الأمريكية مصدرة للموز إلى الاتحاد الأوروبي؛ ولكن لأنها تدافع عن مصالح جيرانها في أمريكا اللاتينية المصدرين للموز إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك على حساب صادرات الموز من إفريقيا ومنطقة الكاريبي.

مقاومة الإغراق
تحدد القواعد الدولية أن عملية إثبات حالات الإغراق تمر بعدة مراحل هي:
1 - تقديم شكوى إلى الجهاز المختص بمكافحة الإغراق في الدولة المتضررة من الإغراق.
2 - استيفاء الشكوى حيث لا بدَّ أن يتوفر في الشكوى عدد من الشروط، أهمها أن يكون مقدم الشكوى إحدى الشركات العاملة في الصناعة المتضررة من الإغراق، وأن يؤيِّده فيها ما لا يقلّ عن نصف عدد المنتجين العاملين في نفس الصناعة بدولته.
3 - التأكّد من أن الضرر الواقع على هذه الصناعة سببه الإغراق وليس عوامل أخرى.
4 - إخطار حكومة الدولة القائمة بالإغراق للدفاع عن نفسها.
5 - اتخاذ قرار بفرض رسوم جمركية إضافية على السلعة المستوردة المغرقة للسوق.
6 - إبلاغ منظمة التجارة العالمية بهذا القرار.
وفي ظل انتشار الإغراق من المهم أن يكون لدى الدول النامية إستراتيجية لمواجهة هذه السياسات غير المشروعة والتي تضر بالاقتصاد القومي، والأهم من ذلك كله يجب توعية المستهلك في الدول النامية بأن الإغراق قد يوفِّر له سلعه رخيصة الثمن في الأجل القصير، ولكنه سوف يدمِّر صناعة محلية بكاملها في الأجل الطويل، مما يعني فقد العمال لأعمالهم، وقد يكون هو منهم، ومما يعني أن أبناءه لن يجدوا عملاً في المستقبل، والأخطر من ذلك أنه بعد عدة سنوات سوف يكون مضطرًا لشراء هذه السلعة بثمن باهظ دون أن يجد بديلاً لها أو منافسًا لمن يبيعها له