التكافل..ضابط العلاقات الاقتصادية

مالية واقتصادية

التكافل..ضابط العلاقات الاقتصادية


هل التكافل مجرد هبات مجانية..أو موائد رمضانية..أو حفنات قمح أو أكياس سكر؟! فحين نذكر “التكافل” تخطر ببالنا كلمات الإحسان والصدقة والبر، وعلى الأكثر كلمة الزكاة، ومدلولات هذه الكلمات قد تدخل في عناصر التكافل، ولكنها هي بذاتها لا تدل على حقيقته، لأن حقيقته أوسع منها جميعًا، فهذه المدلولات هي بعض وسائل ذلك النظام، لكنها ليست ماهيته.

لقد عُنى الإسلام بالتكافل ليكون نظامًا لتربية روح الفرد وضميره وشخصيته وسلوكه الاجتماعي، وأن يكون نظامًا لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، وأن يكون نظامًا للعلاقات الاجتماعية، بما في ذلك العلاقات التي تربط الفرد بالدولة، وأن يكون في النهاية نظامًا للمعاملات المالية، والعلاقات الاقتصادية التي تسود المجتمع الإسلامي. وهكذا نرى أن مدلولات البر والإحسان والصدقة -وحتى الزكاة- تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل.

تكافل الفــرد مع نفسه
لقد بدأ الإسلام، فجعل التكافل علاقة تربط بين المرء ونفسه، فجعل الفرد مسئولاً عن نفسه أمام الله؛ مسئولاً عنها أن يزكيها ويطهرها، وأن يكفَّها عن شهواتها، وأن يقف لها بالمرصاد كلما هفت إلى غواية. وقرر أن هذه النفس مستعدة للفجور والتقوى، وأن على صاحبها أن يختار لها الطريق، وعليه تبعة ما يختار لها.ولقد كلّفه أن يمتع نفسه في الحدود التي لا تفسد فطرتها، وأن يمنحها حقها من العمل والراحة، فلا ينهكها ويضعفها.
وفي مقابل حرية الاختيار قرر الإسلام فردية التبعة، فكل إنسان وعمله. وبذلك يقف الإنسان من نفسه موقف الرقيب والكفيل، وهذا التكافل وإن كان فرديًا في ظاهره، إلا أنه في حقيقته تكافل اجتماعي بالمعنى الواسع الذي يعنيه الإسلام؛ ذلك أن تربية الفرد على هذا النحو إنما هي إعداد له في ميدان المجتمع، لأن الإسلام يوجه الفرد بعد هذه الخطوة إلى الإيثار والتعاون والتكافل مع الجماعة.

الأســرة في المغنم والمغرم
ينتقل الإسلام بالتكافل من نفس الفرد إلى محضن الأسرة، فيقيم هذا المحضن على أسس وطيدة من التكافل، يتعادل فيها الغنم والغرم، وتتناسق فيها الحقوق والواجبات، والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فإذا أقيم بناؤها على أساس التكافل؛ ضمن هذا المجتمع في النهاية بناءً وطيد الأركان، سليمًا غير متخلخل، وخفَّت الأعباء الاجتماعية عن الدولة، لأن قسطًا كبيرًا منها سيتم داخل محيط الأسرة. هذا التكافل في محيط الأسرة تنشأ عنه -بجوار الواجبات والتكاليف الأدبية- واجبات في المال؛ إذ يقرر الإسلام النفقة للعاجز على القادر في محيط الأسرة، ويقرر معه نظام التوارث بين الأقرباء تبعًا لمبدأ العدل الذي هو أساس النظام الاجتماعي في الإسلام.

توحّد المجتمع والفرد
ثم ننتقل من محضن الأسرة إلى محيط الجماعة؛ حيث نجد تكافلاً بين الفرد والجماعة، وبين الجماعة والفرد، يرتب تبعات على كل منهما، كما يرتب حقوقًا تقابل هذه التبعات. والإسلام يبلغ في هذا التكافل حد التوحيد بين المصلحتين، وحد الجزاء والعقاب على تقصير أيهما في النهوض بتبعاته.
فكل فرد مكلف أن يحسن عمله الخاص، لأن ثمرة عمله عائدة على الجماعة، ولكل فرد حق العمل على الجماعة أو على الدولة النائبة عن الجماعة، فالتكافل في الإسلام ليس نظام إحسان، أو صدقة في أصله، إنما هو نظام إعداد وإنتاج تنشأ عنهما الكفاية الذاتية أولاً وقبل كل شيء. وقد جاء رجل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يسأله وهو قادر على العمل فلم يعطه مالاً، إنما هيأ له فأسًا، وكلّفه أن يذهب فيحتطب بها، فيبيع ما احتطب، فيعيش به، كما كلفه أن يعود إليه ليرى عمله وكيف حاله.. فهو قد هيأ له أداة العمل، وهداه إليه، وبذلك قرر مبدأ حق العمل للقادر، وحقه على الدولة في تيسير وسيلة العمل وأداته، تطبيقًا لمبدأ التكافل الاجتماعي بين الفرد والجماعة في صورته الشاملة الكاملة.

وتطبيقًا لهذا المبدأ كذلك قرر الإسلام تحريم التعامل بالربا، فليس تحريم الربا بمعزل عن نظام التكافل، إن الإسلام يقرر مبدأ الملكية الفردية للمال الذي كسبه صاحبه بطريقة مشروعة. ولكنه يقرر بجانب مبدأ الملكية الفردية مبدأً آخر؛ يقرر أن هذا المال مال الله، استخلف الجماعة فيه: “وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ” (الحديد:7)، وأن الملكية لا تقوم إلا بعقد تمليك من الشارع حقيقةً أو حكمًا، باعتبار أنه نائب عن الجماعة المستخلفة في مال الله. وتبعًا لهذين المبدأين يحرّم الإسلام الربا، فالربا كسب غير مشروع، لأن المال لا يجوز أن يلد المال، إنما العمل هو الذي يستوجب الجزاء. وكذلك لأن المال مال الجماعة، ومالكه إنما هو موظف فيه لاستثماره، فإذا احتاج غيره من أفراد الجماعة إلى شيء يستثمره أو يقضي به حاجاته الضرورية فيجب أن يعطى لهم قرضًا بلا فائدة، تحقيقًا لنظام التكافل.

الزكاة أخيرًا..لا أولاً
وأخيرًا.. نجيء إلى الزكاة، ونجيء إلى الصدقات. وقد تعمّدت أن أؤخرها لأشير إلى أنها ليست إلا قاعدة واحدة من قواعد كثيرة، يقوم عليها نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام؛ على حين يظن الكثيرون أنها القاعدة الوحيدة لذلك النظام.
إنها قاعدة تجيء بعد قواعد العمل وتيسيره لكل قادر عليه، والقرض الحسن وتمكين كل من يريد المال ليعمل فيه أو ليأكل منه بلا فائدة؛ والتكافل بين أفراد الأسرة، والتضامن في الغرم والتبعة الفردية والجماعية تجاه المجتمع.

أخيرًا.. تجيء الزكاة؛ فإذا هي حق مفروض في المال، حق مقدَّر معلوم، غير متروك لوجدان الأفراد ولا لتقديرهم. حق تأخذه الدولة وتقاتل عليه، لا إحسانًا فرديًا من يد إلى يد، ومن متفضل إلى متفضل عليه. فأما الصدقات -فلأن فيها مظنة الإحسان من مخلوق إلى مخلوق- فإننا نرى الإسلام ينفي هذه المظنة بشدة، ويقرر دائمًا أنها قرض لله يجزي عليه الله، وليس تفضلاً من إنسان على إنسان، وأن الرابح في هذه العملية هو من ينفق المال. وأنه إنما يقدم لنفسه ما أنفق بلا منٍّ ولا أذى: “وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ” (البقرة:272).

ومن ثم فالمعطي حين يعطي لا يتفضل على المحتاج، إنما هو يقدم قرضًا لله، والمحتاج الذي أخذ إنما كان واسطة لمن أعطى لينال أجره من الله.

هذه هي الصورة الحقيقية لنظام التكافل في الإسلام. فهو -كنظام اقتصادي- يحدد العلاقات الاقتصادية في ميادين كثيرة. ويجعل العمل والإنتاج وسيلته الأولى. ولقد حقق الإسلام بهذا النظام مجتمعًا متكافلاً لم تعرفه البشرية من قبل، وما تزال تتطلع إلى تحقيق مثــله حتـى الآن


نقلاً عن كتاب “دراسات إسلامية”
للأستاذ سيد قطب - دار الشروق (بتصرف)