تغيير عاداتي

الادارة

اذا سبرنا أي يوم عشناه لنرى ما قمنا به في ذاك اليوم، سنجد أننا نقوم كل يوم تقريبا بذات الشيء، أي أن معظم أفعالنا هو عادات، فالعادة بالتعريف هي شيئ نقوم به بتكرار زمني معين وفي مواقف متشابهة، بدأ من أبسط الأمور الى أعمقها،
مثلا: الساعة التي أستيقظ بها صباحا، شرابي الصباحي، الألوان التي أرتديها، الموسيقا التي أسمعها، المواضيع التي أناقشها، المواضيع التي أقرأها، الأفلام التي أشاهدها، نمط الأشخاص الذي يثيرون اعجابي، الأشخاص الذين أقضي معهم معظم أوقاتي، المطاعم والمقاهي التي أرتادها، النشاطات التي أقوم بها لملئ أوقات فراغي، الأفكار التي تدور في رأسي، الأحلام التي أحلم بها، رد فعلي عندما أفرح، أغضب، أتألم، أتلبك، أحب...

كلها عادات، بعضها جيد وبعضها سيء، والسؤال هنا: ما المشكلة ان أصبحت تصرفاتنا عادات،و من يحكم ان كانت العادة جيدة أم سيئة؟
هناك حكمة أخذت من فلسفة المهاتما غاندي، يرددها الكثيرون في العديد من المواقف والمناسبات، ولكنها تقال أحيانا قي الوقت الصحيح ويستمع لها أحيانا أشخاص يتقنون الاستماع، وفي معظم الأحيان تذكر وتسمع بشكل خاطئ:
انتبه لأفكارك لأنها تصبح كلمات
انتبه لكلماتك لأنها تصبح أفعال
انتبه لأفعالك لأنها تصبح عادات
انتبه لعاداتك لأنها تصبح مصيرك

تلخص هذه الحكمة العملية التي تتكون فيها العادة ومدى تأثير العادة على حياتنا ومستقبلنا، فبهذا التسلسل يمكن أن تتحق معجزة، وبنفس التسلسل يمكن أن تتحقق كارثة، طبعا على المستوى الشخصي أو أبعد،لذلك فان تحول تصرفاتنا لعادات هو رائع أو عادي أو سيء.

أما بالنسبة الى من الذي يحكم على عادتنا ان كانت جيدة أم سيئة؟ فالجواب هو أنا. أنا الوحيد القادر على الحكم لأنني أنا المتأثر الأكبر من عاداتي، أنا من يتلقى التأثير والانعكاس ان كان سلبيا أو ايجابيا. أما بالنسبة الى تأثير عاداتي على الآخرين فهو أيضا يعود علي، لأنني بذلك أرسم صورتي وانطباع الآخرين عني بعاداتي.

لو قام كل شخص منا بسؤال شخص مقرب له أو قضى معه فترة لا بأس بها، عن خمس صفات يتصف بها، أي:
اذكر لي خمس صفات جيدة أتصف بها: ولنفترض الجواب: أنت شخص صادق، تحب العطاء، أمين، أنيق، ايجابي.
ان أمعنا النظر في كل صفة لوجدنا أنها جاءت من تكرار معين، فالذي أجاب على هذا السؤال وجد خلال الفترة التي عاشها معك أنك تحب أن تعطي من حولك ماديا أو معنويا كلما سنحت لك الفرصة، وأنك شخص يهتم دائما بتفاصيل مظهره فوصفك بالأنيق، وجدك تقول الحقيقة وتعبر عن ما يجول في خاطرك فوصفك بالصادق.

و في نفس الوقت لو سألنا هذا الشخص عن ثلاث صفات سلبية ( ثلاث وليس خمس لأننا دائما ندعي أننا لا نرى الكثير من السلبيات في الشخص الذي يسأل عن نفسه، حرصا على مشاعره، وعلى علاقتنا مع هذا الشخص بعد الانتهاء من الجواب):
أنت شخص حساس، متسرع في طرح الأحكام، لا مبالي. وطبعا بنفس الأسلوب الذي استنتج فيه هذا الشخص صفاتنا الايجابية، استنتج أو انطبعت لديه صفاتنا السلبية أو عاداتنا السلبية. وبهذه الطريقة تكون عاداتنا صورتنا عند الآخرين.

سنبدأ بالحديث عن العادات السلبية لأن التخلص منها صعب وتأثيرها لا يظهر الا في وقت متأخر يصبح فيه من الصعب السيطرة على العادة وعلى النتائج. وما علينا فعلا أن ندركه أن النتائج السيئة ستستمر بالظهور مع استمرار العادة، ان شئنا أم أبينا، فليس هناك سحر سيخلصنا من النتائج ان استمرينا بالعادة التي تولد هذه النتائج.

سأحصل على النتيجة التي اعتدت أن أحصل عليها، طالما ما زلت أقوم بالأمور بنفس الطريقة
العادات السيئة تعطي نتائج سلبية، العادات الايجابية تعطي نتائج ايجابية: هذه هي القاعدة بكل بساطة.

الخبر الجيد هو أنه بامكاننا تحويل النتائج السلبية الى ايجابية وذلك عن طريق تغيير العادة، والعادة مهما كانت متأصلة هي شيء قابل للتغيير..

الوقت الذي أحتاجه لتغيير عادة؟
هناك الكثير من المقولات حول الوقت الذي نحتاجه لتغيير عادة ما مثل: 20 يوما، 35 حتى 45 يوم أو أكثر، والصحيح هو أن الوقت اللازم لتغيير عادة يرتبط بأكثر من عامل:

1- الوقت الذي أمضيناه ونحن نقوم بهذه العادة:
أي لا يمكن تغيير عادة استمرينا بالقيام بها 30 سنة، خلال 20 يوم. لأنها في هذه الحالة تملك جذور متعمقة وتأثيرات قوية على مختلف الأصعدة، مثال: لا يمكن أن يتحول شخص قليل الثقة بالنفس الى شخص واثق جدا خلال 20 يوم، ان تغيير بعض العادات يحتاج الى سنة أو أكثر.

2- مدى التزامنا بالعادة الجديدة،
وخاصة في المراحل الأولى، يجب أن نتبع قاعدة اللااستثناء، وأن لا نتسامح مع ذاتنا عند محاولة اختراق القاعدة، وطبعا هذه العملية لا توصف بالسهلة ولكن مع الوقت والتصميم نصبح غير قادرين بالأصل أن نتخلى عن العادة الجديدة لأنها فقط وببساطة أصبحت عادة ايضا.

كيف أستبدل عاداتي القديمة بالجديدة:
إن كل ما نقوم به يوميا من اجراءات صغيرة هو عبارة عن عادات: كيف نستيقظ، ماذا ومتى نتناول الفطور، نوع الموسيقا التي نسمعها صباحا، هل نصل على الوقت أو متأخرين ان كان في العمل أو في الدراسة، كيف نختار ونرتدي الملابس، كيف نقوم بتنفيذ مخططاتنا، والكثير من الأمور التي نقوم ببعضها باللاوعي أي بدون تفكير حتى، وكأننا مبرمجين، لذلك ما علينا سوى أن نعرف الطريقة التي سنستخدمها لاعادة برمجة الذات.

مثال: الكثير منا ينسى غرض مهم أو أكثر أحيانا عند الخروج من المنزل، وللأسف بعض الأشياء أصبح لها أهمية مطلقة مثل الموبايل أو الجهاز المحمول وبدونها يمكن أن يفقد مشوارنا أهميته. لذلك هناك طريقة بسيطة جدا ومهمة ومسلية تساعد على عدم نسيان الأشياء المهمة وهي: ترقيم الأشياء التي يجب أن نأخذها معنا دائما، يعني:
رقم واحد مثلا يعني الموبايل
رقم اثنين يعني مفتاح البيت
رقم ثلاثة يعني النقود
رقم أربعة يعني الجهاز المحمول

و في كل مرة أريد أن أخرج يجب أن أعد الى الرقم الذي وصلت اليه( أي اذا كنا نحتاج أن نأخذ معنا 5 أو 6 أو 7 أشياء عند الخروج يجب أن نعد الى العدد الموافق) وعند العد نتذكر أن واحد يعني الموبايل فنبحث ان كنا نحمله أم لا وهكذا. يجب أن نستمر في هذه العادة حتى بعد أن نصل الى نتائج جيدة، ومع الزمن تصبح عملية العد ذهنية، أما في البداية فمن الأحسن أن نعد بصوت عال وأن نسجل معان الأرقام على ورقة اذا احتاج الامر.
طريقة القائمة لتغيير العادات؟

هنا وقبل البدء بالحديث عن هذه الطريقة، لا بد أن نكون صادقين مع ذاتنا وأن ننظر بشكل مجرد الى عاداتنا، لأن الهدف من كل ما نقوم به هو التحسين والانتقال الى مستوى آخر نكون به أكثر اطمئنانا ورضا عن ذاتنا، ولا يوجد هنا من سيحكم أو يقيم أفعالنا، بل نحن من سنقوم بكل الأدوار: نمعن النظر بكل ما نقوم به ونختار العادات التي تعيق من تقدمنا وتحقيقنا لما نريد، وللقيام بذلك علينا أن نفكر بعمق بكل ما يؤخر من وصولنا الى الصورة التي رسمناها مسبقا أو التي سنرسمها الآن ان كنا لا نملك مثل هذه الصورة.

ورقة + قلم رصاص + مكان تستطيع أن تجلس به ساعة كاملة بهدوء ومن دون أي مقاطعة. ستفكر بكل ما يعيقك عن الوصول الى أهدافك مهما كانت صغيرة، مثال:
أنا دائما لا أنهي أعمالي في الوقت الذي المحدد، ان قمت أنا بتحديده، أو قام الآخرون بتحديد الوقت
في معظم الأحيان أفشل في الحصول على ما أريد من الآخرين، أو في ايصال وجهة نظري،
في كثير من الأحيان يكون لدي الكثير لأقوله (رأي، جواب، حل) ولكنني أسكت خوفا من أن يكون جوابي خاطئ.
أنا أحمل نفسي الكثير من اللوم ولا أخاطب نفسي الا بالعبارات التالية: أنا فاشل، أنا غبي، أنا لا أحد، أنا ضعيف،أنا غير قادر على اكمال أي شيء...الخ
ديوني في ازدياد دائم
أنا بحاجة دائما للاعتذار من أصدقائي لعدم ردي على اتصالاتهم.
و غيره من العادات الكثيرة التي اذا كنا جادين فعلا في استنباطها ربما لن تكفينا ورقة واحدة فقط.

يمكن أن نستخدم طريقة مساعدة ولكن يجب أن نكون حذرين فيها، وهي أن نسأل بعض الأشخاص الذين نثق بهم ونحترمهم والذين يعرفونا جيدا، نطلب منهم أن يتحدثوا أو يكتبوا مثلا بعض العادات السيئة فينا. ولكن فعلا هنا علينا أن نحذر لأن الكثير من عاداتنا وأحكامنا على ذاتنا تأتي من المحيط الذي نعيش فيه، فمن ينشأ في محيط سلبي رافض للمحاولة وللمبادرة سيتأثر ولا شك به، ومن ينشأ ويحيط نفسه بأشخاص ايجابين مبادرين، مشجعين، سيتأثر أيضا بهم. والحقيقة أن معظم الناس في مجتمعنا يميلون الى السلبية واحباط المبادرات، وتقييمها واعلان فشلها قبل أن تبدأ حتى، لذلك علينا فعلا أن نتمسك بالمشجعين، الداعمين، أن نحيط أنفسنا بأشخاص ناجحين، وأن نحاول معرفة كيفية تدبيرهم وقيامهم بأفعالهم والاستفادة منها قدر الامكان، والابتعاد عن عبارات الاحباط والنقد غير البناء. لذلك ان وجدنا في محيطنا أشخاص موثوقين والأفضل أن يكونوا من الناجحين أو المثابرين، فمن الجيد أن نستعين بآرائهم حول العادات غير المنتجة أو المعيقة أو المزعجة التي نملكها، كي نضيفها على القائمة.

المهم عند كتابة قائمة العادات التي يجب أن تتغير، أن نكتب أصغر العادات حتى ولو كنا نعتبرها ذات تأثير خفيف وغير جدير بالذكر، لأننا علينا أن ننظر الى التأثير المستقبلي للعادة وليس الآني فقط، وخاصة العادات ذات التأثير التراكمي، وخير مثال عليها العادات الصحية المضرة مثل: قلة الحركة، الوضعيات غير السليمة في الجلوس، أكل الدسم وغيرها من العادات السائدة.

تعريف العادات الناجحة البديلة:

بعد كتابة قائمة العادات السيئة، علينا النظر والتفكير في كل واحدة على حدى، لمعرفة الحلول والعادات الجديدة البديلة التي ستنهي هذه العادات. ومن الأفضل عند قيامنا بهذه المرحلة أن نفكر وكأن أحدهم اعطانا هذه القائمة وطلب منا المساعدة في ايجاد الحل لكل منها، وذلك كي لا نفكر بالصعوبة التي سنواجهها عند تطبيق الحل بل كأننا نطرح الحل لشخص آخر.
أمثلة:
1- العادة السيئة: أنا لا أستطيع ادخار أي مبلغ من النقود من راتبي الشهري.
العادة البديلة: سأتبع قاعدة 10% وهي أنني سأحتفظ بهذه النسبة من أي مبلغ قد أحصل عليه.
هنا يجب أن نشرح لأنفسنا كل التفاصيل، مثل:
متى ستبدأ بالعادة الجديدة؟
أين ستضع الميلغ المدخر.
من الأفضل أحيانا اخبار شخص مقرب لنا عن رغبتنا بالبدء بعادة جديدة واعطائه دور المراقب والمساعد.
2- العادة السيئة: أنا شخص متسرع في كثير من الأحيان في الرد.
العادة البديلة: سأبدأ بتقنية العد حتى العشرة ضمنيا قبل أي رد سريع مني.
3- العادة السيئة: لا أجد أي وقت خاص لي كي أقرأ كتابه أحبه.
العادة البديلة: هناك دائما نصف ساعة أو ساعة قبل النوم يمكن لأي منا أن يقوم بها بما يشاء، سأبدأ اعتبارا من——بتخصيص نصف ساعة قبل النوم للمطالعة.
4- العادة السيئة: شرب المياه الغازية المضرة بشكل متكرر ويومي
العادة البديلة: التوقف عن شرب المياه الغازية. ولكن في هذه الحالة لا يمكن فقط أن أقول أنني أريد التوقف، بل يجب أن أبحث عن بديل، يعني كلما أردت أن أشرب المياه الغازية مثلا أشتري بدلا منها عصير أو لبن على سبيل المثال.

تحديد فترة التطبيق:
بعد ان وجدنا الحلول أو العادات البديلة لعاداتنا غير المنتجة والمعيقة، علينا أن نطبق قاعدة اللااستثناء لفترة تتراوح بين 30 الى 45 يوم، طبعا هذا للعادات اليومية، أما العادات الأخرى والأكثر عمقا فسنتحدث عنها لاحقا. هذه الفترة هي الأكثر أهمية لأنه بعد أن تنتهي تصبح العادة البديلة هي عادتنا الجديدة وبالتالي لن نعاني في تطبيقها. في هذه المرحلة علينا فعلا أن نكون ملتزمين وغير متساهلين مع ذاتنا أبدا، وقاعدة اللااستثناء هنا تعني فعلا اللاستثناء لهذه المدة فقط. علينا أن نفكر بالنتائج الجيدة التي سنحصل عليها بعد أن نحصل على عادات جديدة ومدى افتخارنا بذاتنا لقدرتنا على تغيير هذه العادات، فعلا ان الشعور الذي يأتي من قدرتنا على تغيير أبسط العادات هو شعور رائع لأننا بشكل أو بآخر نحس بقدرتنا على الثيام بالتغيير متى ما شئنا، وأننا لسنا عبيدا لأي شيء وأننا قادرين على التحرر والتغيير متى ما شئنا.
ان بعض العادات والتي تتعلق بأساليب التفكير وبكيفية النظر للأمور الحياتية وللذات، وكيفية التواصل مع الآخرين ومع الذات أيضا، تحتاج أولا الى اكتساب بعض المهارات المتعلقة بها، والتي يملكها بعضنا فطريا وبعضنا يكتسبها بشكل تدريجي، أما بعضنا الآخر قد لا يدري حتى بوجود أدوات من شأنها أن تطور مهارات معينة تفيد فعلا في تسهيل التواصل وعملية تحقيق الذات والأهداف. سنتطرق بالتفصيل الى بعض هذه المهارات مثل:
- التواصل الفعال مع الذات ومع الآخرين.
- مهارات الاستماع الفعال
- الثقة بالنفس والتفكير الايجابي.
- كيفية التعامل مع الضغوط
والعديد من المواضيع التي من شأنها فعلا أن تحسن من حياتنا وتوضح لنا قبل الآخرين امكانياتنا وقدرتنا على الوصول، ولكن المهم أولا الاقتناع والايمان بمبدأ القدرة على التغيير، الايمان بذاتنا وبقوانا، التخلص من كل العادات التي يمكن أن تشدنا الى الوراء، والحماس الدائم لليوم والفكر الجديد.