فصل: في قوله اهدنا الصراط المستقيم

فتاوى ابن تيمية

وقال شيخ الإسلام رحمه الله‏:‏ فصل قال الله تعالى ‏:‏‏{‏اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏‏[‏ الفاتحة‏:‏ 6، 7‏]‏ وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون‏)‏‏.‏ وكتاب الله يدل على ذلك فى مواضع، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏60‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 90‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 112‏]‏، وقال النصارى‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 77‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، وقال تعالى‏:‏ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 30، 31 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 79، 80‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 56، 57‏]‏‏.‏ ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله فى كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك مما يبين أن العبد يُخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال‏:‏ ‏(‏لتسلكن سَنَنَ من كان قبلكم حَذْو القُذَّةِ بالقُذَّةِ ‏[‏حذو القذة بالقذة‏:‏ أى كما تُقَدَّر كُلُّ واحدة منهما على قدر صاحبتها وتُقْطَع‏.‏ يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 482‏]‏ حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، اليهود والنصارى‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فمن ‏؟‏‏)‏ وهو حديث صحيح ‏.‏ وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى، كما يرى فى أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب، والبخل بالعلم، والكبر وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم، وغير ذلك‏.‏ وكما يرى فى منحرفة أهل العبادة والأحوال من الغلو فى الأنبياء والصالحين، والابتداع فى العبادات، من الرهبانية والصور والأصوات‏.‏ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تُطْرُونِى كما أطْرَتْ النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عَبْدٌ فقولوا‏:‏ عبد الله ورسوله‏)‏ ، ولهذا حقق الله له نعت العبودية فى أرفع مقاماته حيث قال‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏10‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏19‏]‏ ‏.‏ولهذا يشرع فى التشهد وفى سائر الخطب المشروعة،كخطب الجمع والأعياد، وخطب الحاجات عند النكاح وغيره، أن نقول‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله‏.‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحقق عبوديته؛ لئلا تقع الأمة فيما وقعت فيه النصارى فى المسيح، من دعوى الألوهية، حتى قال له رجل‏:‏ ما شاء الله وشئت‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أجعلتنى لله ندًا‏؟‏ بل ما شاء الله وحده‏)‏، وقال أيضًا لأصحابه‏:‏ ‏(‏لا تقولوا‏:‏ ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا‏:‏ ما شاء الله ثم شاء محمد‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبرى عيدًا وصلوا علىّ حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏اللهم لا تجعل قبرى وثَنَا يُعْبَد، اشتد غَضَبُ الله على قوم اتَّخَذُوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى