(10-4) المجلد العاشر

فتاوى ابن عثمين

فيه مسائل :
الأولى : تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت . وهي قوله تعالى : (ألم تر الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك)
وقوله : (وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت) . أي : أن الطاغوت مشتق من الطغيان ، وإذا كان كذلك ، فيشمل كل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع ، فالأصنام والأمراء والحكام الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال طواغيت .
الثانية : تفسير آية البقرة . (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) . ففيها دليل على أن النفاق فساد في الأرض ،لأنها في سياق المنافقين ، والفساد يشمل جميع المعاصي .
الثالثة : تفسير أية الأعراف : (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) . وقد سبق .
الرابعة : تفسير (أ فحكم الجاهلية يبغون). وقد سبق ذلك ، وقد بينا أن المراد بحكم الجاهلية كل ما خالف الشرع ، وأضيف للجاهلية للتنفير منه وبيان قبحه ، وأنه مبني على الجهل والضلال .
الخامسة : ما قاله الشعبي في سبب نزول الآية الأولى . وقد سبق .
السادسة : تفسير الإيمان الصادق والكاذب . فالإيمان الصادق يستلزم الإذعان التام والقبول والتسليم لحكم الله ورسوله ، والإيمان الكاذب بخلاف ذلك .
السابعة : قصة عمر مع المنافق . حيث جعل عدوله عن الترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم مبيحا لقتله لردته ، وأقدم على قتله لقوة غيرته فلم يملك نفسه .
الثامنة : كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . وهذا واضح من الحديث .


باب جحد شيئا من الأسماء والصفات

الجحد : الإنكار، والإنكار نوعان :
الأول : إنكار تكذيب ، وهذا كفر بلا شك ، فلو أن أحدا أنكر اسما من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول : ليس لله يد ، أو أن الله لم يستو على عرشه ، أو ليس له عين ، فهو كافر بإجماع المسلمين ، لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة بالإجماع .
الثاني : إنكار تأويل، وهو أن لا ينكرها ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، وهذا نوعان :
1. أن يكون للتأويل مسوغ في اللغة العربية ، فهذا لا يوجب الكفر .
2.أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية ، فهذا حكمه الكفر لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار في الحقيقة تكذيب ، مثل أن يقول : المراد بقوله تعالى : (تجري بأعيننا) (القمر : 14) تجري بأراضينا ، فهذا كافر لأنه نفاها نفيا مطلقا ، فهو مكذب .
ولو قال في قوله تعالى : (بل يداه مبسوطتان) (المائدة :64) المراد بيديه : السماوات والأرض ، فهو كفر أيضا لأنه مصوغ في اللغة العربية،ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية ، فهو منكر ومكذب ، لكن إن قال:المراد باليد النعمة أو القوة ، فلا يكفر لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة ، قال الشاعر :
وكم لظلام الليل عندك من يد حدث أنّ المانويّة تكذب


فقوله : من يد، أي : من نعمة ، لأن المانوية يقولون : أن الظلمة لا تخلق الخير ، وإنما تخلق الشر .
قوله :(من الأسماء) جمع اسم، واختلف في اشتقاقه ، فقيل : من السمو ، وهو الارتفاع ، ووجه هذا أن المسمى يرتفع باسمه ويتبين ويظهر .
وقيل : من السمة وهى العلامة ، ووجهه : أنه علامة على مسماه ، والراجح أن مشتق من كليهما
والمراد بالأسماء هنا أسماء الله – عز وجل – والفرق بين الاسم والصفة أن الاسم ما تسمى به الله والصفة ما اتصف بها .
* البحث في أسماء الله :
المبحث الأول :
أن أسماء الله أعلام وأوصاف ، وليست أعلاما محضة ، فهي من حيث دلالتها على الصفة التي يتضمنها هذا الاسم أوصاف ، بخلاف أسمائنا ، فالإنسان يسمي ابنه محمدا وعليا دون أن يلحظ معنى الصفة ، فقد يكون اسم عليه هو من أوضع الناس ، أو عبد الله وهو من أكفر الناس، بخلاف أسماء الله ، لأنها متضمنة للمعاني ، فالله هو العلي لعلو ذاته وصفاته ، والعزيز يدل على العزة ، والحكيم يدل على الحكمة ، وهكذا .
ودلالة الاسم على الصفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : دلالة مطابقة ، وهي دلالته على جميع معناه المحيط به .
الثاني : دلالة تضمن ، وهي دلالته على جزء معناه .
الثالث : دلالة التزام ، وهي دلالته على أمر خارج لازم .
مثال ذلك : الخالق يدل على ذات الله وحده ، وعلى صفة الخلق وحدها دلالة تضمن ، ويدل على ذات الله وعلى صفة الخلق فيه دلالة مطابقة ، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام .
كما قال الله تعالى : (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شي قدير وأن الله قد أحاط بكل شي علما) (الطلاق : 12) فعلمنا القدرة من كونه خالق السماوات والأرض ، وعلمنا العلم من ذلك أيضا ، لأن الخلق لابد فيه من علم ، فمن لا يعلم لا يخلق ، وكيف يخلق شيئا لا يعلمه ؟ !
المبحث الثاني :
أن أسماء الله مترادفة متباينة ، المترادف : ما أختلف لفظه واتفق معناه ، والمتباين : ما اختلف لفظه ومعناه ، فأسماء الله مترادفة باعتبار دلالتها على ذات الله – عز وجل – لأنها تدل على مسمى واحد ، فالسميع ، البصير، العزيز ، الحكيم ، كلها تدل على شي واحد هو الله ، ومتباينة باعتبار معانيها ، لأن معنى الحكيم غير معنى السميع وغير معنى البصير وهكذا .
المبحث الثالث :
أسماء الله ليست محصورة بعدد معين ، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود الحديث الصحيح المشهور : (اللهم! إني عبدك ، ابن عبدك ،ابن أمتك ...- إلى أن قال : أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ،أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يعلم به ، وما ليس بمعلوم فليس بمحصور .
أما قوله صلى الله عليه وسلم : (إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ، فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء ، لكن معناه أن من أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة، فنقول : (من أحصاها) تكميل للجملة الأولى ، وليست استئنافية منفصلة ، ونظير هذا قول القائل : عندي مئة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله ، فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المئة بل معناه أن هذه المئة معدة لهذا الشي .
المبحث الرابع :
الاسم من أسماء الله دل على الذات وعلى المعنى كما سبق ، فيجب علينا أن نؤمن به اسما من الأسماء ، ونؤمن بما تدل عليه الصفة من الثر والحكم إن كان متعديا ، فمثلا : السميع نؤمن بأن من أسمائه تعالى السميع ، وأنه دال على صفة السمع ، وأن لهذا السمع حكما وأثرا وهو أنه يسمع به ، كما قال تعالى : (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (المجادلة : 1) أما إن كان الاسم غير متعد ، كالعظيم ، والحي ، والجليل ، فثبت الاسم والصفة ، ولا حكم يتعدى إليه .
المبحث الخامس :
هل أسماء الله تعالى غيره، أو أسماء الله هي الله ؟
إن أريد بالاسم اللفظ الدال على المسمى ، فهي غير الله – عز وجل – وإن أريد بالاسم مدلول ذلك اللفظ ، فهي المسمى .
فمثلا : الذي خلق السماوات والأرض هو الله ، فالاسم هنا هو المسمى ، فليست ( اللام – والهاء) هي التي خلقت السماوات والأرض ، وإذا قيل : اكتب باسم الله . فكتبت بسم الله ، فالمراد به هو الاسم دون المسمى ، وإذا قيل : اضرب زيدا ، فضربت زيدا المكتوب في الورقة لم تكن ممتثلا ، لأن المقصود المسمى ، وإذا قيل : اكتب زيد قائم . فالمراد الذي هو غير المسمى .
البحث في صفات الله :
المبحث الأول :
تنقسم صفات الله إلى ثلاثة أقسام :
الأول : ذاتية ويقال معنوية .
الثاني : فعلية .
الثالث : خبريه .
فالصفات الذاتية : هي الملازمة لذات الله ، والتي لم يزل ولا يزال متصفا بها مثل : السمع والبصر وهي معنوية ، لأن هذه الصفات معان .
والفعلية : هي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها ، مثل : النزول إلى سماء الدنيا ، والاستواء على العرش ، والكلام من حيث آحاده ، والخلق من حيث آحاده ، لا من حيث الأصل ، فأصل الكلام صفة ذاتية وكذلك الخلق .
والخبرية:هي أبعاض وأجزاء بالنسبة لنا ، أما بالنسبة إلى الله ، فلا يقال هكذا ، بل يقال : صفات خبرية ثبت بها الخبر من الكتاب والسنة ، وهي ليست معنى ولا فعلا مثل : الوجه ، والعين ، والساق ، واليد .
المبحث الثاني :
الصفات أوسع من الأسماء ، لأن كل اسم متضمن لصفة ، وليس كل صفة تكون اسما ، وهناك صفات كثيرة تطلق على الله وليست من أسمائه ، فيوصف الله بالكلام والإرادة ، ولا يسمى بالمتكلم أو المريد .
المبحث الثالث :
إن كل ما وصف الله به نفسه ، فهو حق على حقيقته ، لكنه ينزه عن التمثيل والتكييف ، أما التمثيل ، فلقوله تعالى : (ليس كمثله شي وهو السميع البصير) (الشورى : 11) وقوله : (فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وانتم لا تعلمون) (النمل : 74) والتعبير بنفي التمثيل أحسن من التعبير بنفي التشبيه ، لوجوه ثلاثة :
أحدهما : أن التمثيل هو الذي جاء به القرآن وهو منفي مطلقا ، بخلاف التشبيه ، فلم يأت القرآن بنفيه .
الثاني : أن نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح ، لأن كل موجودين فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك يشتبهان فيه ويتميز كل واحد بما يختص به ، ف : (الحياة) مثلا وصف ثابت في الخالق والمخلوق ، فبينهما قدر مشترك ، لكن حياة الخالق تليق به وحياة المخلوق به .
الثالث : إن الناس اختلفوا في مسمى التشبيه ، حتى جعل بعضهم إثبات الصفات التي أثبتها الله لنفسه تشبيها ، فإذا قيل من غير تشبيه ، فهم هذا البعض من هذا القول نفي الصفات التي الله لنفسه .
وأما التكييف ، فلا يجوز أن نكيف صفات الله ، فمن كيف صفة من الصفات ، فهو كاذب عاص، كاذب لأنه قال بما لا علم عنده فيه ، عاص لأنه واقع فيما نهى الله عنه وحرمه في قوله تعالى : (ولا تقل ما ليس لك به علم) (الإسراء : 36) وقوله تعالى : (وأن تقولوا على الله ما تعلمون) بعد قوله (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن.)(الأعراف : 33) ولأنه لا يمكن إدراك الكيفية ، لقوله تعالى : (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علم)(طه : 110) وقوله:(لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)(الأنعام : 103)
وسواء كان التكييف بالسان تعبيرا أو بالجنان تقديرا أو بالبيان تحريرا ، ولهذا قال مالك رحمه الله حين سئل عن كيفية الاستواء : (الكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة) وليس معنى هذا أن لا نعتقد أن لها كيفية ، بل لها كيفية ،ولكنها ليست معلومة لنا ، لأن ما ليس له كيفية ليس بموجود ، فالاستواء والنزول واليد والوجه والعين لها كيفية ، لكننا لا نعلمها ، ففرق بين أن نثبت كيفية معينة ولو تقديرا وبين أن نؤمن بأن لها كيفية غير معلومة ، وهذا هو الواجب ، فنقول : لها كيفية، لكن غير معلومة .


قول الله تعالى : ( وهم يكفرون بالرحمن .........)(الرعد : 30) الآية .
ـــ
فإن قيل : كيف يتصور أن نعتقد للشي و كيفية نحن لا نعلمها؟
أجيب : إنه متصور ، فالواحد منا يعتقد أن لهذا القصر كيفية من داخله ، ولكن لا يعلم هذه الكيفية إلا إذا شاهدها ، أو شاهد نظيرها ، أو أخبره شخص صادق عنها .
***
قوله تعالى : (وهم يكفرون بالرحمن) الآية
(وهم) . أي : كفر قريش .
(يكفرون بالرحمن) . المراد : أنهم يكفرون بهذا الاسم لا بالمسمى ، فهم يقرون به ، قال تعالى : (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) (لقمان : 25) ، وفي حديث سهيل بن عمر : (لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب الصلح في غزوة الحديبية قال للكاتب : [اكتب بسم الله الرحمن الرحيم] ، قال سهيل : أما الرحمن، والله ما أدرى ما هي ولكن اكتب باسمك اللهم ، وهذا من الأمثلة التي يراد بها الاسم دون المسمى .
وقد قال الله تعالى : (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) (الإسراء :110) ، أي : بأي اسم من أسمائه تدعونه ، فإن له الأسماء الحسنى ، فكل أسمائه حسنى ، فادعوا بما شئتم من الأسماء ، ويراد بهذه الآية الإنكار على قريش .

وفي الآية دليل على أن من أنكر اسما من أسمائه تعالى فإنه يكفر ، لقوله تعالى : (وهم يكفرون بالرحمن) (الرعد :30) ، ولأنه مكذب لله ولرسوله ، وهذا كفر ، وهذا وجه استشهاد المؤلف بهذه الآية .
قوله : (لا إله إلا هو) . خبر(لا) النافية للجنس محذوف ، والتقدير : لا إله إلا هو ، وأما الإله الباطل ، فكثير ، قال تعالى : (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل)(لقمان:30).
قوله ( عليه توكلت) . أي : عليه وحده ، لأن تقديم المعمول يدل على الحصر ، فإذا قلت مثلا : (ضربت زيدا)، فإنه يدل على أنك ضربته ، ولكن لا يدل على أنك لم تضرب غيره ، وإذا قلت : (زيدا ضربت) دلت على أنك ضربت زيدا ولم تضرب غيره ، وسبق معنى التوكل وأحكامه .
قوله : (وإليه المتاب) . أي : إلى الله . و(متاب) أصلها متابي ، فحذفت الياء تخفيفا ، والمتاب بمعنى التوبة ، فهي مصر ميمي ، أي : وإليه توبتي .
والتوبة : هي الرجوع إلى الله تعالى من المعصية إلى الطاعة ، ولها شروط خمسة :
1. الإخلاص لله تعالى بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد أو محاباته أو شي من الدنيا .
2. أن تكون في وقت قبول التوبة ، وذلك قبل طلوع الشمس من مغاربها،وقبل حضور الموت .
3. الندم على ما مضى من فعله،وذلك بأن يشعر بالتحسر على ما سبق ويتمنى أنه لم يكن .
4. الإقلاع عن الذنب ، وعلى هذا ، فإذا كانت التوبة من مظالم الخلق فلا بد من رد المظالم إلى أهلها أو استحلالهم منها .
5. العزم على عدم العودة ، والتوبة التي لا تكون إلا لله هي توبة العبادة ، كما في الآية السابقة ، وأما التوبة التي بمعنى الرجوع ، فإنها تكون له ولغيره ، ومنها قول عائشة حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوجد نمرقة فيها صور ، فوقف بالباب ولم يدخل ، وقالت : (أتوب إلى الله ورسوله ، ماذا أذنبت؟) فليس المراد بالتوبة هنا توبة العبادة لأن توبة العبادة لا تكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولا لغيره من الخلق بل لله وحده ، ولكن هذه توبة رجوع ، ومن ذلك أيضا حين يضرب الإنسان ابنه لسوء أدبه ، يقول الابن : أتوب .

وفي صحيح البخاري : قال علي : ( حدثوا الناس بما يعرفون ، اتريدون أن يكذب الله ورسوله )
ــــــــــــــــــ
****
قوله في أثر علي رضى الله عنه:(حدثوا الناس) . أي : كلموهم بالمواعظ وغير المواعظ .
قوله : (بما يعرفون) . أي : بما يمكن أن يعرفوه وتبلغه عقولهم حتى لا يفتنوا ، ولهذا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : (إنك لن تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) ولهذا كان من الحكمة في الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه ،بل تدعوهم رويدا رويدا حتى تستقر عقولهم ، وليس معنى (بما يعرفون) ، أي : بما يعرفون من قبل ، لأن الذي يعرفونه من قبل يكون التحديث به من تحصيل الحاصل .
قوله : (أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟!) . الاستفهام للإنكار ، أي : أتريدون إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون أن يكذب الله ورسوله ، لأنك إذا قلت : قال الله وقال رسوله كذا وكذا ، قالوا : هذا كذب إذا كذبت إذا كانت عقولهم لا تبلغه ، وهم لا يكذبون الله ورسوله ، ولكن يكذبونك بحديث تنسبه إلى الله ورسوله ، فيكونون مكذبين لله ورسوله ، لا مباشرة ولكن بواسطة الناقل .
فإن قيل : هل ندع الحديث بما لا تبلغه عقول الناس وإن كانوا محتاجين لذلك؟
أجيب : لا ندعه ، ولكن نحدثهم بطريقة تبلغه عقولهم ، وذلك بأن ننقلهم رويدا رويدا حتى يتقبلوا هذا الحديث ويطمئنوا إليه ، ولا ندع ما لا تبلغه عقولهم ونقول : هذا شي مستنكر لا نتكلم به .
ومثل ذلك العمل بالسنة التي لا يعتادها الناس ويستنكرونها ، فإننا نعمل بها ولكن بعد أن نخبرهم بها ، حتى تقبلها نفوسهم ويطمئنوا إليها .
ويستفاد من هذا الأثر أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله – عز وجل – وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين وينزل كل إنسان منزلته .
مناسبة هذا الأثر لباب الصفات :
مناسبة ظاهرة ، لأن بعض الصفات لا تحتملها أفهام العامة فيمكن إذا حدثتهم بها كان لذلك أثر سيي عليهم ، كحديث النزول إلى السماء الدنيا مع ثبوت العلو ، فلو حدثت العامي بأنه نفسه ينزل إلى السماء الدنيا مع علوه على عرشه ، فقد يفهم أنه إذا نزل ، صارت السماوات فوقه وصار العرش خاليا منه ، وحينئذ لابد في هذا من حديث تبلغه عقولهم فتبين لهم أن الله – عز وجل – ينزل نزولا لا يماثل نزول المخلوقين مع علوه على عرشه ، وأنه لكمال فضله ورحمته يقول : (من يدعوني فاستجيب له ...) الحديث .
والعامي يكفيه أن يتصور مطلق المعنى ، وأن المراد بذلك بيان فضل الله – عز وجل – في هذه الساعة من الليل .

وروي عبد الرازق عن معمر ، عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس : (أنه رأي رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عيله وسلم في الصفات ،
ـــــــــــــــــــــ
***
قوله في أثر ابن عباس : (انتفض) . أي : اهتز جسمه ، والرجل مبهم والصفة التي حُدث بها لم تُبين، وبيان ذلك ليس مهما ، وهذا الرجل انتفض استنكار لهذه الصفة لا تعظيما لله ، وهذا أمر عظيم صعب، لأن الواجب على المرء إذا صح عند شي عن الله ورسوله أن يقر به ويصدق ليكون طريقه طريق الراسخين في العلم حتى وإن لم يسمعه من قبل أو يتصوره .

الصفات استنكارا لذلك ، فقلت : ما فرق هؤلاء ؟ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه؟!) انتهي
ــ
قوله : (ما فرق) . فيها : ثلاث روايات :
1. (فَرَقُ) ، بفتح الراء وضم القاف .
2. (فرَّقَ) ، بفتح الراء مشددة ، وفتح القاف .
3. (فَرَقَ) ، بفتح الراء مخففة ، وفتح القاف .
فعلى رواية (فَرَقُ) تكون (ما) استفهامية مبتدأ، و(فرق) خبر المبتدأ ، أي : ما خوف هؤلاء من إثبات الصفة تليت عليهم وبلغتهم ،لماذا لا يثبتونها لله – عز وجل – كما أثبتها الله لنفسه وأثبتها لرسوله ؟ وهذا ينصب تماما على أهل التعطيل والتخريف الذين ينكرون الصفات ، فما الذي يخوفهم من إثباتها والله تعالى قد أثبتها لنفسه ؟
وعلى رواية (فرّق) أو( فَرَقَ) تكون فعلا ماضيا بمعنى ما فرقهم ، كقوله تعالى : (وقرآنا فرقناه) (الإسراء : 106) ، أي : فرقناه : و(ما) يحتمل أن تكون نافية، والمعنى : ما فرق هؤلاء بين الحق والباطل ، فجعلوا هذا من المتشابه وأنكروه ولم يحملوه على المحكم ، ويحتمل أن تكون استفهامية والمعنى : أي شي فرقهم فجعلهم يؤمنون بالمحكم ويهلكون عند المتشابه ؟
قوله : ( يجدون رقة عند محكمه) . الرقة : اللين والقبول ، و(محكمه) ، أي : محكم القرآن .

قوله : (ويهلكون عند متشابهه) . أي : متشابه القرآن .
والمحكم الذي اتضح معناه وتبين ، والمتشابه هو الذي يخفي معناه ، فلا يعلمه الناس ، وهذا إذا جمع بين المحكم والمتشابه، وأما إذا ذكر المحكم مفردا دون المتشابه ، فمعناه المتقن الذي ليس فيه خلل : لا كذب في أخباره ، ولا جور في أحكامه ، قال تعالى : (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) (الأنعام :115) وقد ذكر الله الإحكام في القرآن دون المتشابه ، وذلك مثل قوله تعالى : (كتاب أُحكمت آياته) (هود :1) .
وإذا ذكر المتشابه دون المحكم صار المعنى أنه يشبه بعضه بعضا في جودته وكماله ، ويصدق بعضه بعضا ولا يتناقض ، قال تعالى : (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى)(الزمر:23) والتشابه نوعان : تشابه نسبي ، وتشابه مطلق .
والفرق بينهما : أن المطلق يخفي على كل أحد ، ونسبي يخفي على أحد دون أحد، وبناء على هذا التقسيم ينبني الوقف في قوله تعالى : (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) (آل عمران : 7)، فعلى الوقوف على (إلا الله) يكون المراد بالمتشابه المطلق ، وعلى الوصل (إلا الله والراسخون في العلم) يكون المراد بالمتشابه المتشابه النسبي ، وللسلف قولان :
القول الأول : الوقف على (إلا الله) ، وعليه أكثر السلف ، وعلى هذا ، فالمراد بالمتشابه المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله ، وذلك مثل كيفية وحقائق صفات الله ، وحقائق ما أخبر الله به من نعيم الجنة وعذاب النار ، وقال الله تعالى في نعيم الجنة : (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قُرة أعين) (السجدة :17)،أي : لا تعلم حقائق ذلك ، ولذلك قال بن عباس : (ليس في الجنة شي مما في الدنيا إلا الأسماء) .
والقول الثاني : الوصل ، فيقرأ : (إلا الله والراسخون في العلم) ، وعلى هذا فالمراد بالمتشابه المتشابه النسبي ، وهذا يعلمه الراسخون في العلم ويكون عند غيرهم متشابها ، ولهذا يروى عن ابن عباس ، أنه قال : (أنا من الراسخين في العلم الذي يعلمون تأويله ) ولم يقل هذا مدحا لنفسه أو ثناء عليها ، ولكن ليعلم الناس أنه ليس في كتاب الله شي لا يعرف معناه ، فالقرآن معانيه بينه ، ولكن بعض القرآن يشتبه على ناس دون آخرين حتى العلماء الراسخون في العلم يختلفون في معنى القرآن،وهذا يدل على أنه خفي على بعضهم ، والصواب بلا شك مع أحدهم إذا كان اختلافهم اختلاف تضاد لا تنوع، أما إذا كانت الآية تحتمل المعنيين جميعا بلا منافاة ولا مرجح لأحدهما ، فإنها تحمل عليها جميعا .
وبعض أهل العلم يظنون أن في القرآن ما لا يمكن الوصول إلى معناه ، فيكون من المتشابه المطلق ، ويحملون آيات الصفات على ذلك ، وهذا من الخطأ العظيم ، إذ ليس من المعقول أن يقول تعالى : (كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته) (ص :29) ثم تستثنى الصفات وهي أعظم وأشرف موضوعا وأكثر من آيات الأحكام ، ولو قلنا بهذا القول ، لكان مقتضاه أن أشرف ما في القرآن موضوعا خفيا ، ويكون معنى قوله تعالى (ليدبروا آياته) ، أي : آيات الأحكام فقط ،
وهذا غير معقول ، بل جميع القرآن يفهم معناه ، إذ لا يمكن أن تكون هذه الأمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخرها لا تفهم معنى القرآن ، وعلى رأيهم يكون الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وجميع الصحابة يقرؤون آيات الصفات وهم لا يفهمون معناها ، بل هي عندهم بمنزلة الحروف الهجائية أ، ب، ت ... والصواب أنه ليس في القرآن شي متشابه على جميع الناس من حيث المعنى ، ولكن الخطأ في الفهم .
فقد يقصر الفهم عن إدراك المعني أو يفهمه على معنى خطأ ، وأما بالنسبة للحقائق ، فما أخبر الله به من أمر الغيب ، فمتشابه على جميع الناس .

ولما سمعت قريش رسول الله صلي الله عليه وسلم يذكر الرحمن ، انكروا ذلك ، فأنزل الله فيهم ( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ)(الرعد: من الآية30)

****
قوله : (ولما سمعت قريش رسول الله يذكر الرحمن) . أصل ذلك أن سهيل بن عمرو أحد الذين أرسلتهم قريش لمفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فقال (أما الرحمن ، فلا والله ما أدري ما هي ، وقالوا : إننا لا نعرف رحمانا إلا رحمن اليمامة ، فأنكروا الاسم دون المسمى ، فأنزل الله : ( وهم يكفرون بالرحمن) ، أي : بهذا الاسم من أسماء الله .
وفي الآية دليل على أن من أنكر اسما من أسماء الله الثابتة في الكتاب أو السنة ، فهو كافر لقوله تعالى :(وهم يكفرون بالرحمن) .
وقوله : (ولما سمعت قريش) . الظاهر – والله أعلم – أنه من باب العام الذي أريد به الخاص، وليس كل قريش تنكر ذلك ، بل طائفة منهم ، ولكن إذا أقرت الأمة الطائفة على ذلك ولم تنكر ، صح أن ينسب لهم جميعا ، بل إن الله نسب إلى اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعله أسلافهم في زمن موسى عليه السلام ، قال تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ )(البقرة: من الآية63) ، وهذا لم يكن في عهد المخاطبين .
****


قوله فيه مسائل :
الأولى : عدم الإيمان بجحد شي من الأسماء والصفات . عدم بمعنى انتفاء ، أي : انتفاء الإيمان بسبب جحد شي من السماء والصفات ، وسبق التفصيل في ذلك .
الثانية : تفسير آية الرعد . وهي قوله تعالى : (وهم يكفرون بالرحمن) وسبق تفسيرها.
الثالثة : ترك التحديث بما لا يفهم السامع . وهذا ليس على إطلاقه ، وقد سبق التفصيل عند شرح الأثر .
الرابعة : ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر . وهي أن الذي لا يبلغ عقله ما حدث به يفضي به التحديث إلى تكذيب الله ورسوله ، فيكذب ويقول : هذا غير ممكن ، وهذا يوجد من بعض الناس في أشياء كثيرة مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون يوم القيامة ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الأرض يوم القيامة تكون خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته) وما أشبه ذلك ، وكما أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعرة وغير هذه الأمور ، لو حدثنا بها إنسانا عاميا لأوشك أن ينكر ، لكن يجب أن تبين له بالتدريج حتى يتمكن من عقلها مثل ما نعلم الصبي شيئا فشيئا .
قوله : ( ولو لم يتعمد المنكر) أي : ولو لم يقصد المنكر تكذيب الله ورسوله ، ولمن كذب نسبة هذا الشي إلى الله ورسوله ، وهذا يعود بالتالي إلى رد خبر الله ورسوله .
الخامسة : كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك وأنه أهلكه. وذلك قوله : (ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة – أي لينا – عند محكمه فيقبلونه، ويهلكون عند متشابهه فينكرونه ؟)

باب قوله تعالي :
(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) (النحل:83)
ـــــــــــــــــــ
قوله تعالى : (يعرفون) . أي : يدركون بحواسهم أن النعمة من عند الله .
قوله تعالى:(نعمة الله) . واحدة والمراد بها الجمع ، فهي ليست واحدة ،بل هي لا تحصى ، قال تعالى : (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (إبراهيم :34) ، والقاعدة الأصولية : أن المفرد المضاف يعم ، والنعمة بجلب المحبوبات ، وتطلق أحيانا على رفع المكروهات .
قوله : (ثم ينكرونها) أي : ينكرون إضافتها إلى الله لكونهم يضيفونها إلى السبب متناسين المسبب الذي هو الله – سبحانه وتعالى – وليس المعنى أنهم ينكرون هذه النعمة ، مثل أن يقولوا : ما جاءنا مطر أو ولد أو صحة ، ولكن ينكرونها بإضافتها إلى غير الله متناسين الذي خلق السبب فوجد به المسبب .
قوله : (الآية) أي : إلى آخر الآية ، وهي منصوبة بفعل محذوف تقديره أكمل الآية .
قوله : (وأكثرهم الكافرون) . أي أكثر العارفين بأن النعمة من الله الكافرون ، أي الجاحدون كونها من الله ، أو الكافرون بالله عز وجل .
وقوله : (أكثرهم ) بعد قوله : (يعرفون)الجملة الأولى أضافها إلى الكل ، والثانية أضافها إلى الأكثر ، وذلك لأن منهم من هو عامي لا يعرف ولا يفهم ، ولكن أكثرهم يعرفون ثم يكفرون .

مناسبة هذا الباب التوحيد :
أن من أضاف نعمة الخالق إلى غيره ، فقد جعل معه شريكا في الربوبية ، لأن أضافها إلى السبب على أنه فاعل ، هذا من وجه ، ومن وجه آخر : أنه لم يقم بالشكر الذي هو عبادة من العبادات ، وترك الشكر مناف للتوحيد ، لأن الواجب أن يشكر الخالق المنعم – سبحانه وتعالى – فصارت له صلة بتوحيد الربوبية وبتوحيد العبادة ، فمن حيث إضافتها إلى السبب على أنه فاعل هذا إخلال بتوحيد الربوبية ، ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو العبادة هذا إخلال بتوحيد الألوهية .

قال مجاهد ما معناه ( هو قول الرجل هذا مالي ورثته عن أبائي
ـــــــــــــــــــــ
****
قوله : (قال مجاهد) هو إمام المفسرين في التابعين ، عرض المصحف على ابن عباس رضى الله عنهما يوقفه عند كل آية ويسأله عن تفسيرها ، وقال سفيان الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به . أي : كافيك ، ومع هذا ، فليس معصوما من الخطأ .
قوله : ( ما معناه) . أي : كلاما معناه ، وعلى هذا ف (ما) نكرة موصوفة، وفيه أن الشيخ رحمه الله لم ينقله بلفظه .
قوله:(و قول الرجل).هذا من باب التغليب والتشريف ، لأن الرجل أشرف من المرأة وأحق
بتوجيه الخطاب إليه منها ، وإلا ، فالحكم واحد .
قوله:(هذا مالي ورثته عن آبائي) . ظاهر هذه الكلمة أنه لا شي فيها ، فلو قال لك واحد : من أين لك هذا البيت ؟ قلت : ورثته عن آبائي ، فليس فيه شي لأنه خبر محض .
لكن مراد مجاهد أن يضيف القائل تملكه للمال إلى السبب الذي هو الإرث متناسيا المسبب الذي هو الله ، فبتقدير الله – عز وجل – انتقل هذا البيت إلى ملكك عن طريق الإرث ، فكيف تتناسى المسبب للأسباب القدرية والشرعية فتضيف الأمر إلى ملك آبائك وإرثك إياه بعدهم ؟! فمن هنا صار هذا القول نوعا من كفر النعمة .
أما إذا كان قصد الإنسان مجرد الخبر كما سبق ، فلا شي في ذلك ، ولهذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له يوم الفتح : (أتنزل في دارك غدا؟) فقال : (وهل ترك لنا عقيل من دار أو رباع) فبين صلى الله عليه وسلم أن هذه الدور انتقلت إلى عقيل بالإرث .
فتبين أن هناك فرقا بين إضافة الملك إلى الإنسان على سبيل الخبر ، وبين إضافته إلى سببه متناسيا أن المسبب هو الله – عز وجل - .


وقال عون بن عبد الله : ( يقولون لولا فلان لم يكن كذا .

***
قوله : ( وقال عون بن عبد الله : يقولون : لو لا فلان لم يكن كذا) .

وهذا القول من قائله فيه تفصيل إن أراد به الخبر وكان الخبر صدقا مطابقا للواقع ، فهذا لا باس به ، وإن أراد بها السبب ، فلذلك ثلاث حالات :
الأولى : أن يكون سببا خفيا لا تأثير له إطلاقا ، كأن يقول : لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا ، فهذا شرك أكبر لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا الولي تصرفا في الكون مع أنه ميت ، فهو تصرف سري خفي .
الثانية : أن يضيفه إلى سبب صحيح ثابت شرعا أو حسا ، فهذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه ، وأن لا يتناسى المنعم بذلك .
الثالثة : أن يضيفه إلى سبب ظاهر ، ولكن يثبت كونه سببا لا شرعا ولا حسا ، فهذا نوع من الشرك الأصغر ، وذلك مثل : التولة ، والقلائد التي يقال : أنها تمنع العين ، وما أشبه ذلك ، لأنه أثبت سببا لم يجعله الله سببا ، فكان مشاركا لله في إثبات الأسباب .
ويدل هذا التفضيل أنه ثبت إضافة (لولا) إلى السبب وحده بقول النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب : (لولا أنا ، لكان في الدرك الأسفل من النار) ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن الشرك ، وأخلص الناس توحيدا لله تعالى ، فأضاف النبي صلى الله عليه وسلم الشي إلى سببه ، لكنه شرعي حقيقي ، فإنه أُذن له بالشفاعة لعمه بأن يخفف عنه ، فكان في ضحضاح من النار ، عليه نعلان يغلي منه دماغه لا يرى أن أحدا أشد عذابا منه ، لأنه لو يرى أن أحدا أشد عذابا منه أو مثله هان عليه بالتسلي ، كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر :

ولولا كثرة الباكين حولي لى إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن سلي النفس عنه بالتأسي
وابن القيم رحمه الله – وإن كان قول العالم ليس بحجة لكن يستأنس به – قال في القصيدة الميمية يمدح الصحابة :
أولئك أتباع النبي وحزبه ولولا هُمُو ما كان في الأرض مسلم
ولولا همو كادت تميد بأهلها ولكن رواسيها وأوتـادها هــــم
ولولا همو كانت ظلاما بأهلها ولكن همو فيها بـدور وأنجــــم
فأضاف (لولا) إلى سبب صحيح .

وقال ابن قتيبة : ( يقولون هذا بشفاعة آلهتنا
ـــــــــــــــــــــ
****
قوله : (وقال ابن قتيبة : هذا بشفاعة آلهتنا ). هؤلاء أخبث ممن سبقهم ، لأنهم مشركون يعبدون غير الله ، ثم يقولون : إن هذه النعم حصلت بشفاعة آلهتهم ، فالعزى مثلا شفعت عند الله أن ينزل المطر ، فهؤلاء أثبتوا سببا من أبطل الأسباب لأن الله – عز وجل – لا يقبل شفاعة آلهتهم ، لأن الشفاعة لا تنفع إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ، والله – عز وجل – لا يأذن لهذه الأصنام بالشفاعة ، فهذا أبطل من الذي قبله لأن فيه محذورين :
1. الشرك بهذه الأصنام .
2. إثبات سبب غير صحيح .
****

قال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه : ( إن الله تعالى قال ( أصبح من عبادي مؤمن وكافر .... ) الحديث وقد تقدم : ( وهذا كثير من الكتاب والسنة ، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به )

قوله : (وقال أبو العباس) . وهو شيخ الإسلام أحمد بن تميمة .
قوله : (هذا كثير من الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ...) . وذلك مثل الاستسقاء بالأنواء ، وإنما كان مذموما ، لأنه لو أتى إليك عبد فلان بهدية من سيده فشكرت العبد دون السيد ، كان هذا سوء أدب مع السيد وكفرانا لنعمته ، وأقبح من هذا لو أضفت النعمة إلى السبب دون الخالق ، لما يأتي :
1. أن الخالق لهذه الأسباب هو الله ، فكان الواجب أن يشكر وتضاف النعمة إليه .
2. أن السبب لا يؤثر، كما ثبت في ( صحيح مسلم) أنه صلى الله عليه وسلم قال : (ليس السنة أن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا) .
3. أن السبب قد يكون له مانع يمنع تأثيره ، وبهذا عرف بطلان إضافة الشي إلى سببه دون الالتفات إلى المسبب جل وعلا .

قال بعض السلف : هو كقولهم : كانت الريح طيبة ، والملاح حاذقا ...... ونحو ذلك مماهو جار على ألسنة كثيرة ))
ــــــــــــــــــــ
***
قوله : (كانت الريح طيبة) . هذا في السفن الشراعية التي تجري بالريح ، قال تعالى : ( حتى إذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا) (يونس:22) . فكانوا إذا طاب سير السفينة قالوا كانت الريح طيبة ، وكان الملاح – هو قائد السفينة – حاذقا ، أي : مجيدا للقيادة ، فيضيفون الشي إلى سببه وينسون الخالق – جل وعلا - .
****

فيه مسائل :
الأولى : تفسير معرفة النعمة وإنكارها . وسبق ذلك .
الثانية : معرفة أن هذا جار على ألسنة كثيرة . وذلك مثل قول بعضهم : كانت الريح طيبة ، والملاح حاذقا ، وما أشبه ذلك .
الثالثة : تسمية هذا إنكارا للنعمة . يعني : إنكار لتفضل الله تعالى بها وليس إنكارا لوجودها ، لأنهم يعرفونها ويحسون بوجودها .
الرابعة : اجتماع الضدين في القلب . وهذا من قوله : (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) ، فجمع بين المعرفة والإنكار،وهذا كما يجتمع في الشخص الواحد خصلة إيمان وخصلة كفر ، وخصلة فسوق وخصلة عدالة .
****


باب قول الله تعالى :
( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(البقرة: من الآية22)
ـــــــــــــــــــــ
قوله : (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)
لما ذكر سبحانه ما يقر به هؤلاء من أفعاله التي لم يفعلها غيره : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ) (البقرة: 21-22) . فكل من أقر بذلك لزمه أن لا يعبد إلا المقر له ، لأنه لا يستحق العبادة من لا يفعل ذلك ، ولا يبغي أن يعبد إلا من فعل ذلك ، ولذلك أتى بالفاء الدالة على التفريع والسببية ، أي : فبسبب ذلك لا تجعلوا لله أندادا .
و(لا) هذه ناهية ، أي : فلا تجعلوا له أندادا في العبادة ، كما أنكم لم تجعلوا له أندادا في الربوبية، وأيضا لا تجعلوا له أندادا في أسمائه وصفاته ، لأنهم قد يصفون غير الله بأوصاف الله – عز وجل - ، كاشتقاق العزى من العزيز ، وتسميتهم رحمن اليمامة .
قوله : (أندادا) . جمع ند ، وهو الشبيه والنظير ، والمراد هنا : أندادا في العبادة .
قوله : (وأنتم تعلمون) . الجملة في موضع نصب حال من فاعل (تجعلوا) ، أي : والحال أنكم تعلمون ، والمعنى : وأنتم تعلمون أنه لا أنداد له – يعني في الربوبية -، لأن هذا محط التقبيح من هؤلاء أنهم يجعلون له أندادا وهم يعلمون أنه لا أنداد له في الربوبية ، أما الألوهية ، فيجعلون له أندادا ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشي عجاب) (ص : 5) ، ويقولون في تلبيتهم : (لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) ، وهذا من سفههم ، فإنه إذا صار مملوكا ، فكيف يكون شريكا ، ولهذا أنكر الله عليهم في قوله : (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) ، إذ الأنداد بالمعنى العام – بقطع النظر عن كونه يخاطب أقواما يقرون بالربوبية – يشمل الأنداد في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات .

وقال ابن عباس في الآية : ( الأنداد هو الشرك ، أخفي من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو ان تقول : والله وحياتك يا
ــــــــــــــــــــ
****
قوله :(وقال ابن عباس في الآية) . أي : في تفسيرها .
قوله : (هو الشرك) . هذا تفسير بالمراد ، لأن التفسير تفسيران :
تفسير بالمراد ، وهو المقصود بسياق الجملة بقطع النظر عن مفرداتها .
تفسير بالمعنى ، وهو الذي يسمى تفسير الكلمات ، فعندنا الآن وجهان للتفسير :
أحدهما : التفسير اللفظي وهو تفسير الكلمات ، وهذا يقال فيه : معناه كذا وكذا .
الثاني : التفسير بالمراد ، فيقال : المراد بكذا وكذا ، والأخير هنا هو المراد .
فإذا قلنا : الأنداد الأشباه والنظراء ، فهو تفسير بالمعنى ، وإذا قلنا : الأنداد الشركاء أو الشرك ، فهو تفسير بالمراد ، يقول رضى الله عنه(الأنداد هو الشرك)، فإذا الند الشريك المشارك لله – سبحانه وتعالى – فيما يختص به .


فلان، وحياتي ، وتقول : لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص ، ولولا البط في الدار ، لأتي اللصوص، وقول الرجل لصاحبه لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك)رواه ابن أبي حاتم
ـ
وقوله : (دبيب) . أي : أثر دبيب النمل وليس فعل النمل .
وقوله : (على صفاة) هي الصخرة الملساء .
وقوله :(سوداء) . وليس على بيضاء ، إذ لو كان على بيضاء لبان أثر السير أكثر .
وقوله : (في ظلمة الليل) . وهذا أبلغ ما يكون في الخفاء .
فإذا كان الشرك في قلوب بني آدم أخفى من هذا ، فنسأل الله أن يعين على التخلص منه ، ولهذا قال بعض السلف : (ما عالجت نفسي معالجتها على الإخلاص)، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قال مثل هذا، قيل له :كيف نتخلص منه ؟ قال : قولوا : اللهم! إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلم ) .
وقوله : (والله وحياتك) . فيها نوعان من الشرك :
الأول : الحلف بغير الله .
الثاني : الإشراك مع الله بقوله : والله ! وحياتك ! فضمها إلى الله بالواو المقتضية للتسوية فيها نوع من الشرك ، والقسم بغير الله إن اعتقد الحالف أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة ، فهو شرك أكبر، وإلا ، فهو شرك أصغر .
وقوله : (وحياتي) فيه حلف بغير الله فهو شرك .
وقوله : (لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص) ، كليبة تصغير كلب ، والكلب ينتفع به للصيد وحراسة الماشية والحرث .
قوله : (لولا كليبة هذا) يكون فيه شرك إذا نظر إلى السبب دون المسبب، وهو الله –عز وجل – أما الاعتماد على السبب الشرعي أو الحسي المعلوم، فقد تقدم أنه لا بأس به ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لولا أنا ، لكان في الدرك السفل من النار) لكن قد يقع في قلب الإنسان إذا قال لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا وكذا ، قد يقع في قلبه شي من الشرك بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبب ، وهو الله – عز وجل - .
وقوله : (لولا البط في الدار لأتى اللصوص) . البط طائر معروف ، وإذا دخل اللص البيت وفيه بط ، فإنه يصرخ ، فينتبه أهل البيت ثم يجتنبه اللصوص .
وقوله : (وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت) فيه شرك ، لأنه شرك غير الله مع الله بالواو ، فإن اعتقد أنه يساوي الله – عز وجل – في التدبير والمشيئة ، فهو شرك أكبر ، وأن لم يعتقد ذلك ، واعتقد أن الله – سبحانه وتعالى – فوق كل شي ، فهو شرك أصغر ، وكذلك قوله : (لولا الله فلان) .
وقوله : (هذا كله به شرك) . المشار إليه ما سبق ، وهو شرك أكبر أو اصغر وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) رواه الترمزيوحسنه وصححه الحاكم
ــــــــ
حسب ما يكون في قلب الشخص من نوع هذا التشريك .
قوله : (وعن عمر) . صوابه عن ابن عمر ، نبه عليه الشارح في (تيسير العزيز الحميد) .
قوله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما : (من حلف بغير الله) . (من) شرطية ، فتكون للعموم.
قوله : (أو أشرك) . شك من الراوي ، والظاهر أن الصواب الحديث (أشرك)
قوله : (من حلف بغير الله) . يشمل كل محلوف به سوى الله ، سواء بالكعبة أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو الأسماء أو غير ذلك ، ولا يشمل الحلف بصفات الله ، لأن الصفة تابعة للموصوف ، وعلى هذا فيجوز أن تقول : وعزة الله لأفعلن كذا .
وقوله : (بغير الله ) . ليس المراد بغير هذا الاسم ، بل المراد بغير المسمى بهذا الاسم ، فإذا حلف بالله أو بالرحمن أو بالسميع ، فهو حلف بالله .
والحلف : تأكيد الشي بذكر معظم بصيغة مخصوصة بالباء أو التاء أو الواو . وحروف القسم ثلاثة : الباء ، والتاء ، والواو .

والباء : أعمها، لأنه تدخل على الظاهر والمضمر وعلى أسم الله وغيره ، ويذكر معها فعل القسم ويحذف ، فيذكر معها فعل القسم ، كقوله تعالى : (وأقسموا بالله جهد أيمانكم) (الأنعام :109) ، ويحذف مثل قولك : بالله لأفعلن ، وتدخل على المضمر مثل قولك : الله عظيم أحلف به لأفعلن ، وعلى الظاهر كما في الآية وعلى غير لفظ الجلالة ، مثل قولك : بالسميع لأفعلن ، وأما الواو ، فإنه لا يذكر معها فعل القسم ، ولا تدخل على الضمير ، ويحلف بها مع كل اسم ، وأما التاء ، فإنه لا يذكر معها فعل القسم وتختص بالله ورب ، قال بن مالك : ( والتاء لله ورب) . والحلف بغير الله شرك أكبر إن اعتقد أن المحلوف به مساو لله تعالى في التعظيم والعظمة ، وإلا ، فهو شرك أصغر .
وهل يغفر الله الشرك الأصغر؟
قال بعض العلماء : إن قوله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به) (النساء : 116) ، أي : الشرك الكبر (ويغفر ما دون ذلك) ، يعني : الشرك الصغر والكبائر .
وقال شيخ الإسلام ابن تميمة رحمه الله:إن الشرك لا يغفره لله ولو كان أصغر ، لأن قوله : (أن يشرك به) مصدر مؤول ، فهو نكرة في سياق النفي ، فيعم الصغر والأكبر ،والتقدير : لا يغفر شركا به أو إشراكا به .
وأما قوله تعالى:(والشمس وضحاها)(الشمس:1)،وقوله:(لا أقسم بهذا البلد) (البلد : 1)، وقوله : (والليل إذا يغشى) (الليل : 1) وما أشبه ذلك من المخلوقات التي اقسم الله بها ، فالجواب على وجهين :
الأول:أن هذا من فعل الله والله لا يسأل عما يفعل،وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه ، وهو سائل غير مسؤول وحاكم غير محكوم عليه .
الثاني : أن قسم الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته ، فيكون القسم به الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنا للثناء على الله – عز وجل – بما تقتضيه من الدلالة على عظمته .
وأما نحن ، فلا نقسم بغير الله أو صفاته ، لأننا منهيون عن ذلك .
وأما ما ثبت في (صحيح مسلم)من قوله صلى الله عليه وسلم : (أفلح وأبيه إن صدق) .
فالجواب عنه من وجوه :
الأول : أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة ، وقال : إنها لم تثبت في الحديث ، لأنها مناقضة للتوحيد،وما كان كذلك ، فلا تصح نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيكون باطلا .
الثاني : أنها تصحيف من الرواة ، والأصل : (أفلح والله إن صدق) .
وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات ، و(أبيه) تشبه (الله) إذا حذفت النقط السفلي .
الثالث : أن هذا ما يجري على الألسنة بغير قصد، وقد قال الله تعالى : (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان)(المائدة : 89)، وهذا لم ينو فلا يؤاخذ .
الرابع : أنه وقع من النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبعد الناس عن الشرك ، فيكون من خصائصه ، وإما من غيره ، فهم منهيون عنه لأنهم لا يساوون النبي صلى الله عليه وسلم في الإخلاص والتوحيد .
الخامس : أنه على حذف مضاف ، والتقدير : (أفلح ورب أبيه) .
السادس : أن هذا على منسوخ ، وأن النهي هو الناقل من الأصل ، وهذا من أقرب الوجوه .
ولو قال قائل : نحن نقلب عليكم الأمر ، ونقول : إن المنسوخ هو النهي ، لأنهم لما كانوا حديثي عهد بشرك نهوا أن يشركوا به كما نهي الناس حين كانوا حديثي عهد بشرك عن زيارة القبور ثم أذن لهم فيها ؟
فالجواب عنه : أن هذا اليمين كان جاريا على ألسنتهم ، فتركوا حتى استقر الإيمان في نفوسهم ثم نهوا عنه ، ونظيره إقرارهم على شرب الخمر أولا ثم أمروا باجتنابه .
أما بالنسبة للوجه الأول، فضعيف لأن الحديث ثابت، وما دام يمكن حمله على وجه صحيح ، فإنه يجوز إنكاره .
أما الوجه الثاني ، فبعيد ، وإن أمكن ، فلا يمكن في قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل : أي الصدقة افضل؟ فقال : (أما وأبيك لتنبأنه) .
وأما الوجه الثالث ، فغير صحيح لأن النهي وارد مع أنه كان يجري على ألسنتهم كما جرى على لسان سعد فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو صح هذا ، لصح أن يقال لمن فعل شركا اعتاده لا ينهى ، لأن هذا من عادته ، وهذا باطل .
وأما الرابع ، فدعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل ، وإلا ، فالأصل التأسي به .
وأما الخامس : فضعيف لأن الأصل عدم الحذف، ولأن الحذف هنا يستلزم فهما باطلا ، ولا يمكن أن يتكلم الرسول صلى الله عليه بما يستلزم ذلك بدون بيان المراد ، وعلى هذا يكون أقربها الوجه السادس أنه منسوخ ، ولا نجزم بذلك لعدم العلم بالتاريخ ، ولهذا قلنا أقربها والله أعلم ، وإن كان النووي رحمه الله ارتضى أن هذا مما يجري على اللسان بدون قصد ، لكن هذا ضعيف لا يمكن القول به ، ثم رأيت بعضهم جزم بشذوذها لانفراد مسلم بها عن البخاري مع مخالفة راويها للثقات ، فالله أعلم .

قال ابن مسعود : ( لأن أحلف بلله كاذبا أحلب إلي من أن أحلف بغيره صادقا )
ـــ
****
قوله في اثر ابن مسعود : (لأن أحلف بالله كاذبا) . اللام : لام الابتداء ، و(أن) مصدرية ، فيكون قوله : (أن أحلف) مؤولا بمصدر مبتدأ تقديره لحلفي بالله .
قوله : (أحب إلىّ) . خبر مبتدأ ، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى : (وأن تصوموا خير لكم) (البقرة : 184) .
قوله : (كاذبا) حال من فاعل أحلف .
قوله:( أحب إلىّ) هذا من باب التفضيل الذي ليس فيه من الجانبين ، وهذا نادر في الكلام ، لأن التفضيل في الأصل يكون فيه المعنى ثابتا في المفضل وفي المفضل عليه ، وأحيانا في المفضل دون المفضل عليه ، وأحيانا لا يوجد في الجانبين ، فابن مسعود رضى الله عنه لا يحب لا