(10-2) المجلد العاشر

فتاوى ابن عثمين

لكن إن حمل على ترك واجب أو فعل محرم، فهو محرم، وإن استلزم شيئا مباحا كان مباحا ، فمثلا من خاف من شي لا يؤثر عليه وحمله هذا الخوف على ترك صلاة الجماعة مع وجوبها، فهذا الخوف محرم ، والواجب عليه أن لا يتأثر به .
وإن هدده إنسان على فعل محرم ، فخاف وهو لا يستطيع أن ينفذ ما هدده به ، فهذا خوف محرم يؤدي إلى فعل محرم بلا عذر ، وإن رأى نارا ثم هرب منها ونجا بنفسه ، فهذا خوف مباح ، وقد يكون واجبا إذا كان يتوصل به إلى إنقاذ نفسه .

وهناك ما يسمى بالوهم وليس بخوف ، مثل أن يرى ظل شجرة تهتز ، فيظن أن هذا عدو يهدده ، فهذا لا ينبغي للمؤمن أن يكون كذلك ، بل يطارد هذه الأوهام لأنه لا حقيقة لها ، وإذا لم تطاردها ،فإنه تهلك . مناسبة الخوف للتوحيد : أن من أقسام الخوف ما يكون شركا منافيا للتوحيد .
***
وقد ذكر المؤلف فيه ثلاث آيات :
أولها ما جعلها ترجمة للباب ، وهي قوله تعالى : (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه )
( إنما ذلكم ) صيغة حصر والمشار إليه التخويف من المشركين .
( ذلكم ) : ذا : مبتدأ ، و( الشيطان) : يحتمل أن يكون خبر المبتدأ وجملة ( يخوف ) حال من الشيطان .
ويحتمل أن يكون ( الشيطان ) صفة ل (ذلكم ) ، أو عطف بيان ، ( ويخوف ) خبر المبتدأ والمعنى : ما هذا التخويف الذي حصل إلا من شيطان يخوف أولياه .
و( يخوف ) تنصب مفعولين ، الأول محذوف تقديره : يخوفكم ، والمفعول الثاني : ( أولياه) .
ومعنى يخوفكم ، أي : يوقع الخوف في قلوبكم منهم ، (أولياه ) أي : أنصاره الذين ينصرون الفحشاء والمنكر ، لأن الشيطان يأمر بذلك ، فكل من نصر الفحشاء والمنكر ، فهو من أولياء الشيطان ، ثم يكون النصر في الشرك وما ينافي التوحيد ، فيكون عظيما وقد يكون دون ذلك .
وقوله : ( يخوف أولياه ) من ذلك ما وقع في الآية التي قبلها ، حيث

قالوا : ( إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم ) ( آل عمران : 173 )، وذلك ليصدوهم عن واجب من واجبات الدين ، وهو الجهاد ، فيخوفهم بذلك ، وكذلك ما يحصل في نفس من أراد أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر ، فيخوفه الشيطان ليصده عن هذا العمل ، وكذلك ما يقع في قلب الداعية .
والحاصل : أن الشيطان يخوف كل من أراد أن يقوم بواجب ، فإذا ألقى الشيطان نفسك في الخوف ، فالواجب عليك أن تعلم أن الإقدام على كلمة الحق ليس هو الذي يدني الأجل ، فكم من داعية صدع بالحق ومات على فراشه ؟ وكم من جبان قتل في بيته ؟
وانظر خالد بن الوليد،كان شجاعا مقداما ومات على فراشه ، ومادام الإنسان قائما بأمر الله ، فليثق بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، وحزب الله هم الغالبون .
باب قول الله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)(البقرة:165). قوله: ( فلا تخافوهم ) . لا ناهية ، والضمير يعود على أولياء الشيطان ، وهذا النهي للتحريم بلا شك ، أي : بل أمضوا فيما أمرتكم به وفيما أوجبته عليكم من الجهاد ، ولا تخافوا هؤلاء ، وإذا كان الله مع الإنسان ، فإنه لا يغلبه أحد ، لكن نحتاج في الحقيقة إلى صدق النية والإخلاص والتوكل التام ، ولهذا قال تعالى : ( إن كنتم مؤمنين ) ، وعلم من هذه الآية أن للشيطان وساوس يلقيها في قلب ابن آدم منها التخويف من أعدائه ، وهذا ما وقع فيه كثير من الناس ، وهو الخوف من أعداء الله فكانوا فريسة لهم ، وإلا تكلموا على الله وخافوه قبل كل شي ، ومن اتقى الله اتقاه كل شي ، ومن خاف غير الله خاف من كل شي .
ويفهم من الآية أن الخوف من الشيطان وأوليائه مناف للإيمان ، فإن كان الخوف يؤدي إلى الشرك ، فهو مناف لأصله ، وإلا , فهو مناف لكماله .


وقوله : (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى
الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة:18)
ــــ
****
* الآية الثانية قوله تعالى ( إنما يعمر ) .
( إنما ) أداة حصر ، والمراد بالعمارة العمارة المعنوية ، وهي عمارتها بالصلاة والذكر وقراءة القرآن ونحوها ، وكذلك الحسية بالبناء الحسي ، فأن عمارتها به حقيقة لا تكون إلا ممن ذكرهم الله ، لأن من يعمرها وهو لم يؤمن بالله واليوم الآخر لم يعمرها حقيقة ، لعدم انتفاعه بهذه العمارة ، فالعمارة النافعة الحسية والمعنوية من الذين آمنوا بالله واليوم الآخر ، ولهذا لما افتخر المشركون بعمارة المسجد الحرام ، قال تعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر ) ، وأضاف سبحانه المساجد إلى نفسه تشريفا ، لأنها موضوع عبادته .
قوله : ( ومن آمن بالله ) . ( من ) : فاعل يعمر ، والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور هي :
الإيمان بوجوده ، وربوبيته ، وألوهيته ، وأسمائه وصفاته .
واليوم الآخر : هو يوم القيامة ، وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده .
وقال شيخ الإسلام : ويدخل في الأيمان بالله واليوم الآخر كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه لأن حقيقة الأمر أن الإنسان إذا مات قامت قيامته وارتحل إلى دار الجزاء .
ويقرن الله الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر كثيرا ، لأن الإيمان باليوم الآخر يحمل الإنسان إلى الامتثال ، فإنه إذا آمن أن هناك بعثا وجزاء ، حمله ذلك على العمل لذلك اليوم ، ولكن من لا يؤمن باليوم الآخر لا يعمل ، إذ كيف يعمل لشي وهو لا يؤمن به ؟!
قوله : ( وأقام الصلاة ) . أي : أتى بها على وجه قويم لا نقص فيه ، والإقامة نوعان :
إقامة واجبة ، وهي التي يقتصر فيها على فعل الواجب من الشروط والأركان والواجبات.
و إقامة مستحبة : وهي التي يزيد فيها على فعل ما يجب فيأتي بالواجب والمستحب .
و قوله : ( وآتي الزكاة ) . ( آتي ) تنصب مفعولين : الأول هنا الزكاة ، والثاني : محذوف تقديره مستحقها .
والزكاة : هي المال الذي أوجبه الشارع في الأموال الزكوية وتختلف مقاديرها حسب ما تقتضيه حكمة الله – عز وجل - .
وقوله : ( ولم يخش إلا الله ) . في هذه الآية حصر طريقة الإثبات والنفي .
( لم يخش ) نفي ، ( إلا الله ) إثبات ، والمعنى : أن خشيته انحصرت في الله -عز وجل ، فلا يخشى غيره .
والخشية نوع من الخوف ، لكنها أخص منه والفرق بينهما :
1. أن الخشية تكون مع العلم بالمخشي وحاله ، لقوله تعالى ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ( فاطر : 28 ) ، والخوف قد يكون من الجاهل .

2. أن الخشية تكون بسبب عظمة المخشى ، بخلاف الخوف ، فقد يكون من ضعف الخائف لا من قوة المخّوف .
قوله : ( فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) . قال ابن عباس : ( عسى من الله واجبه )( 1 ) وجاءت بصيغة الترجي، لئلا يأخذ الإنسان الغرور بأنه حصل على هذا الوصف ، وهذا كقوله تعالى: ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ) ( النساء : 98- 99) فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، فالذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا جديرون بالعفو . الشاهد من الآية: قوله:(ولم يخش إلا الله ) ، ولهذا قال تعالى : ( فلا تخشوا الناس واخشون ) ( المائدة : 44) ومن علامات صدق الإيمان أن لا يخشى إلا الله في كل ما يقول ويفعل .
ومن أراد أن يصحح هذا المسير ، فليتأمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك )( 2 ) .


وقوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (العنكبوت: من الآية10) .
ــ
الآية الثالثة قوله تعالى : ( ومن الناس ) . جار ومجرور خبر مقدم ، ( ومن ) تبعيضية.
وقوله : ( من يقول ) . ( من ) : مبتدأ مؤخر ، والمراد بهؤلاء : من لا يصل الإيمان إلى قرارة قلبه ، فيقول : آمنا بالله ، لكنه إيمان متطرف ، كقوله تعالى : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ) ( الحج : 11) ، (على حرف )،أي : على طرف .
فإذا امتحنه الله بما يقدر عليه من إيذاء الأعداء في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله .
قوله : ( فإذا أوذى في الله ) ( في ) : للسببية ، أي : بسبب الإيمان بالله وإقامة دينه .
ويجوز أن تكون ( في ) للظرفية على تقدير : ( فإذا أوذى في شرع الله ) ، أي : إيذاء في هذا الشرع الذي تمسك به .
قوله : ( جعل فتنة الناس ) . ( جعل ) : صيّر ، والمراد بالفتنة هنا الإيذاء ، وسمي فتنة ، لأن الإنسان يفتن به ، فيصد عن سبيل الله ، كما قال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ )(البروج: من الآية10) ، وأضاف الفتنة إلى الناس من باب إضافة المصدر إلى فاعله .
قوله : ( كعذاب الله ) . ومعلوم أن الإنسان يفر من عذاب الله ، فيوافق أمره ، فهذا يجعل فتنة الناس كعذاب الله ، فيفر من إيذائهم بموافقة أهوائهم وأمرهم جعلا

لهذه الفتنة كالعذاب ، فحينئذ يكون قد خاف من هؤلاء كخوفه من الله ، لأنه جعل إيذاءهم كعذاب الله ، ففر منه بموافقة أمرهم ، فالآية موافقة للترجمة .
وفي هذه الآية من الحكمة العظيمة ، وهي ابتلاء الله للعبد لأجل أن يمحص إيمانه ، وذلك على قسمين :
الأول : ما يقدره الله نفسه على العبد ، كقوله تعالى:( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن قلبه وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة)(الحج : 11 ) وقوله تعالى: ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون ) (البقرة : 155-156 ) .
الثاني : ما يقدره الله على أيدي الخلق من الإيذاء امتحانا واختبارا ، وذلك كالآية التي ذكر المؤلف . وبعض الناس إذا أصابته مصائب لا يصبر ، فيكفر ويرتد أحيانا – والعياذ بالله - ، وأحيانا يكفر بما خالف فيه أمر الله – عز وجل – في موقفه في تلك المصيبة ، وكثير من الناس ينقص إيمانه بسبب المصائب نقصا عظيما ، فليكن المسلم على حذر ، فالله حكيم يمتحن عباده بما يتبين به تحقق الإيمان ، قال تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد:31)
قوله : ( الآية ) أي : إلى آخر الآية ، وهي قوله تعالى ( ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ) .
كانوا يدعون أن ما يحصل لهم من الإيذاء بسبب الإيمان ، فإذا انتصر المسلمون قالوا : نحن معكم نريد أن يصيبنا مثل ما أصابكم من غنيمة وغيرها .
وقوله تعالى ( أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ) . قيل في مثل هذا السياق : إن الواو عاطفة على محذوف يقدر بحسب ما يقتضيه السياق .
وقيل : إنها عاطفة على ما سبقها على تقدير أن الهمزة بعده ، أي : وأليس الله .
قوله : ( أعلم ) مجرور بالفتحة ، لأنه ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل .
فالله أعلم بما في صدور العالمين ، أي بما في صدور الجميع ، فالله أعلم بما في نفسك منك ، وأعلم بما في نفس غيرك ، لأن علم الله عام .
وكلمة ( أعلم ) : اسم تفضيل ، وقال بعض المفسرين ولا سيما المتأخرون منهم : ( أعلم ) بمعنى عالم ، وذلك فرارا من أن يقع التفضيل بين الخالق والمخلوق ، وهذا التفسير الذي ذهبوا إليه كما أنه خلاف اللفظ ، ففيه فساد للمعنى ، لأنك إذا قلت : أعلم بمعنى عالم ،فإن كلمة عالم تكون لإنسان وتكون لله ، ولا تدل على التفاضل ، فالله عالم والإنسان عالم .
وأما تحريم اللفظ ، فهو ظاهر ، حيث حرفوا اسم التفضيل الدال على ثبوت المعنى وزيادة إلى اسم فاعل لا يدل على ذلك .
والصواب أن ( أعلم ) على بابها ، وأنها اسم تفضيل ، وإذا كانت اسم تفضيل ، فهي دالة دلالة واضحة على عدم تماثل علم الخالق وعلم المخلوق ، وأن علم الخالق أكمل .
وقوله : ( بما في صدور العالمين ) . المراد بالعالمين : كل من سوى الله ، لأنهم علم على خالقهم ، فجميع المخلوقات دالة على كمال الله وقدرته وربوبيته .
والله أعلم بنفسك منك ومن غيرك ، لعموم الآية .
وفي الآية تحذير من أن يقول الإنسان خلاف ما في قلبه ، ولهذا لما تخلف

كعب بن مالك في غزوة تبوك قال للرسول صلى الله عليه وسلم حين رجع : إني قد أُوتيت جدلا ، ولو جلست إلى غيرك من ملوك الدنيا ، لخرجت منهم بعذر ، لكن لا أقول شيئا تعذرني فيه فيفضحني الله فيه ) ( 2 ) .
الشاهد من الآية : قوله : ( فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) فحذف الناس مثل خوف الله تعالى .


عن أبي سعيد رضى الله عنه مرفوعا : (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ، وأن تحمدهم على رزق الله ، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، أن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره)
ــ
****
قوله في حديث أبي سعيد : ( إن من ضعف اليقين ) . ( من ) للتبعيض ، والضعف ضد القوة ، ويقال : ضَعف بفتح الضاد ، أو ضُعف بضم الضاد ، وكلاهما بمعني واحد ، أي من علامة ضعف اليقين .
قوله : (أن ترضى الناس ) . ( أن ترضى الناس ) : اسم مؤخر ، و( من ضعف اليقين ) خبرها مقدما ، والتقدير : إن إرضاء الناس بسخط الله من ضعف اليقين .
قوله : ( بسخط الله ) . الباء للعوض، يعني : أي تجعل عوض إرضاء الناس سخط الله ، فتستبدل هذا بهذا ، فهذا من ضعف اليقين .

واليقين أعلى درجات الإيمان ، وقد يراد به العلم ، وكما تقول : تيقنت هذا الشي ، أي علمته يقينا لا يعتريه الشك ، فمن ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله ، إذ إنك خفت الناس أكثر مما تخاف الله ، وهذا مما ابتليت به الأمة الإسلامية اليوم ، فتجد الإنسان يجيء إلى شخص فيمدحه ، وقد يكون خاليا من هذا المدح ، ولا يبين ما فيه من عيوب ، وهذا من النفاق وليس من النصح والمحبة ، بل النصح أن تبين له عيوبه ليتلافاها ويحترز منها ، ولا بأس أن تذكر له محامده تشجيعا إذا أُمن في ذلك من الغرور.
قوله:( وأن تحمدهم على رزق الله ) . الحمد : وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم .
ولكن هنا ليس بشرط المحبة والتعظيم ، لأنه يشمل المدح .
و ( رزق الله ) : عطاء الله ، أي : إذا أعطوك شيئا حمدتهم ونسيت المسبب وهو الله ، والمعنى : أن تجعل الحمد كله لهم متناسيا بذلك المسبب ، وهو الله ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما أنا قاسم ، والله يعطي ) ( 1 ).
أما إن كان في قلبك أن الله هو الذي من عليك بسياق هذا الرزق ، ثم شكرت الذي أعطاك ، فليس هذا داخلا في الحديث ، بل هو من الشرع ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من صنع إليكم معروفا، فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)( 1 ).
إذاً الحديث ليس على ظاهره من كل وجه ، فالمراد بالحمد : أن تحمدهم الحمد المطلق ناسيا أن المسبب هو الله – عز وجل – وهذا من ضعف اليقين ، كأنك نسيت المنعم الأصلي ، وهو الله – عز وجل – الذي له النعمة الأولى ، وهو سفه أيضا ، لأن حقيقة الأمر أن الذي أعطاك هو الله ، فالبشر الذي أعطاك هذا الرزق لم يخلق ما أعطاك ، فالله هو الذي خلق ما بيده ، وهو الذي عطف قلبه حتى أعطاك ، أرأيت لو أن إنسانا له طفل ، فأعطى طفله ألف درهم وقال له : أعطها فلانا ، فالذي أحذ الدراهم يحمد الأب، لأنه لو حمد الطفل فقط لعد هذا سفها، لأن الطفل ليس إلا مرسلا فقط ، وعلى هذا ، فنقول : إنك إذا حمدتهم ناسيا بذلك ما يجب لله من الحمد والثناء ، فهذا هو الذي من ضعف اليقين ، أما إذا حمدتهم على أنهم سبب من الأسباب ، وأن الحمد كله لله – عز وجل - ، فهذا حق ، وليس من ضعف اليقين .
قوله : ( وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله ) . هذه عكس الأولى ، فمثلا : لو أن إنسانا جاء إلى شخص يوزع دراهم ، فلم يعطه ، فسبه وشتمه ، فهذا من الخطأ لأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
لكن من قصر بواجب عليه ، فيذم لأجل أنه قصر بالواجب لا لأجل لأنه لم يعط ، فلا يذم من حيث القدر ، لأن الله لو قدر ذلك لوجدت الأسباب التي يصل بها إليك هذا العطاء .
وقوله : ( ما لم يؤتك ) . علامة جزمه حذف الياء ، والمفعول الثاني محذوف ، لأنه فضلة، والتقدير : ما لم يؤتك .
قوله : ( إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية كاره )
هذا تعليل ، لقوله : ( أن تحمدهم وأن تذمهم ) .
و( رزق الله ) : عطاؤه ، لكن حرص الحريص من سببه بلا شك ، فإذا بحث عن الرزق وفعل الأسباب ، فإنه يكون فعل الأسباب الموجبة للرزق ، لكن ليس المعنى أن هذا السبب موجب مستحق ، وإنما الذي يرزق هو الله تعالى ، وكم من إنسان يفعل أسبابا كثيرة للرزق ولا يرزق ، وكم من إنسان يفعل أسباب قليلة فيرزق، وكم من إنسان يأتيه الرزق بدون سعي، كما لو وجد ركازا في الأرض أو مات له قريب غني يرثه ، أو ما أشبه ذلك .
وقوله : _ ولا يرده كراهية كاره ) . أي : أن رزق الله إذا قدر للعبد ، فلن يمنعه عنه كراهية كاره ، فكم من إنسان حسده الناس ، وحاولوا منع رزق الله فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا .


وعن عائشة رضى الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من التمس
ــــــــــــــــــــ
****
قوله في حديث عائشة رضى الله عنها : ( من التمس رضا الله بسخط الناس ) .
( التمس ) : طلب ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر:( التمسوها في العشر ) ( 1 )
رضا الله بسخط الناس، رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) رواه ابن حبان في (صحيحه) .
ـ
قوله : ( رضا الله ) . أي : أسباب رضاه ، وقوله : ( بسخط الناس ) : الباء للعوض ، أي أنه طلب ما يرضي الله ولو سخط الناس به بدلا من هذا الرضا ، وجواب الشرط : ( رضى الله عنه وأرضى عنه الناس ) .
وقوله : ( رضى الله عنه وأرضى الناس ) . هذا ظاهر ، فإذا التمس العبد رضا ربه بنية صادقة رضى الله عنه ، لأنه أكرم من عبده ، وأرضى عنه الناس ، وذلك بما يلقى في قلوبهم من الرضا عنه ومحبته ، لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .
قوله : ( ومن التمس رضا الناس بسخط الله ) . ( التمس ) : طلب ، أي: طلب ما يرضى الناس ، ولو كان يسخط الله ، فنتيجة ذلك أن يعامل بنقيض قصده ، ولهذا قال : ( سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) ، فألقى في قلوبهم سخط وكراهيته .
مناسبة الحديث للترجمة :
قوله : ( من التمس رضا الناس بسخط الله ) ، أي : خوفا منهم حتى يرضوا عنه ، فقدم خوفهم على مخافة الله تعالى .

فيستفاد من الحديث ما يلي :
1. وجوب طلب ما يرضي الله وإن سخط الناس ، لأن الله هو الذي ينفع ويضر .
2. أنه لا يجوز أن يلتمس ما يسخط الله من أجل إرضاء الناس كائنا من كان .
3. إثبات الرضا والسخط لله على وجه الحقيقة ، لكن بلا مماثلة للمخلوقين ، لقوله تعالى : ( ليس كمثله شي ) وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وأما أهل التعطيل، فأنكروا حقيقة ذلك ، قالوا : لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ، وهذا لا يليق بالله ، وهذا خطأ ، لأنهم قاسوا سخط الله أو غضبه بغضب المخلوق ، فنرد عليهم بأمرين : بالمنع ، ثم النقض :
فالمنع : أن تمنع أن يكون معنى الغضب المضاف إلى الله - عز وجل – كغضب المخلوقين .
والنقض : فنقول للأشاعرة : أنتم أثبتم لله – عز وجل – الإرادة ، وهي ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة ، والرب عز وجل لا يليق به ذلك ، فإذا قالوا : هذه إرادة المخلوق . نقول : والغضب الذي ذكرتم هو غضب المخلوق .
وكل إنسان أبطل ظواهر النصوص بأقيسة عقلية ، فهذه الأقيسة باطلة لوجوه :
الأول : أنها تبطل دلالة النصوص، وهذا يقتضي أن تكون هي الحق ومدلول النصوص باطل، وهذا ممتنع .
الثاني : أن تقول على الله بغير علم ، لأن الذي يبطل ظاهر النص يؤوله إلى معنى آخر ، فيقال له : ما الذي أدراك أن الله أراد هذا المعنى دون ظاهر النص ؟ ففيه تقول على الله في النفي والإثبات في نفي الظاهر ، وفي إثبات ما لم يدل عليه دليل .
الثالث : أن فيه جناية على النصوص ، حيث اعتقد أنها دالة على التشبيه ، لأنه لم يعطل إلا لهذا السبب ، فيكون ما فهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كفرا أو ضلالا .
الرابع : أن فيه طعنا في الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، لأننا نقول : هذه المعاني التي صرفتم النصوص إليها هل الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه يعلمون بها أم لا ؟
فإن قالوا : لا يعلمون ، فقد اتهموهم بالقصور ، وإن قالوا : يعلمون ولم يبينوها ، فقد اتهموهم بالتقصير .
فلا تستوحش من نص دل على صفة أن تثبتها. لكن يجب عليك أن تجتنب أمرين هما :
التمثيل والتكييف ، لقوله تعالى ( فلا تضربوا لله الأمثال ) ( النحل :74 ) وقوله : ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء:36)
فإذا أثبت الله لنفسه وجها أو يدين ، فلا تستوحش من إثبات ذلك ، لأن الذي أخبر به عن نفسه أعلم بنفسه من غيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا ، وهو يريد لخلقه الهداية ، وإذا أثبت رسوله ذلك له ، فلا تستوحش من إثباته ، لأنه صلى الله عليه وسلم : أصدق الخلق ، وأعلمهم بما يقول عن الله ، وأبلغهم نطقا وفصاحة ، وأنصح الخلق للخلق.
فمن أنكر صفة أثبتها الله لنفسه أو أثبتها له رسوله ، وقال : هذا تقشعر منه الجلود وتنكره القلوب ، فيقال : هذا لا ينكره ، فيقال : هذا لا ينكره إلا إنسان في قلبه مرض ، أما الذين آمنوا ، فلا تنكره قلوبهم ، بل تؤمن به وتطمئن إليه ، ونحن لم نكلف إلا بما بلغنا ، والله يريد لعباده البيان والهدى ، قال تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (النساء:26) ، فهو لا يريد أن يعمى عليهم الأمر ، فيقول : إنه يغضب وهو لا يغضب ، وقول : إنه يهرول وهو لا يهرول ، هذا خلاف البيان .


فيه مسائل :
الأولى : تفسير آية آل عمران . وهي قوله تعالى ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، وسبق .
الثانية : تفسير آية براءة . وهي قوله تعالى ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ). وسبق .
الثالثة : تفسير آية العنكبوت . وهي قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه) . وقد تكلمنا على تفسيرها فيما سبق .
الرابعة:أن اليقين يضعف ويقوى . تؤخذ من الحديث : ( إن من ضعف اليقين ... ) الحديث .
الخامسة : علامة ضعفه ، ومن ذلك هذه الثلاث . وهي أن ترضى الناس بسخط الله ، وأن تحمدهم على رزق الله ، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله .
السادسة:أن إخلاص الخوف لله من الفرائض.وتؤخذ من قوله في الحديث:(من التمس ) الحديث ، ووجهة ترتيب العقوبة على من قدم رضا الناس على رضا الله تعالى .
السابعة : ذكر ثواب من فعله . وهو رضا الله عنه ، وأن يرضى عنه الناس ، وهو العاقبة الحميدة .
الثامنة : ذكر عقاب من تركه . وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس ، ولا ينال مقصوده .
وخلاصة الباب :
أنه يجب على المرء أن يجعل الخوف من الله فوق كل خوف ، وأن لا يبالي بأحد في شريعة الله تعالى ، وأن يعلم أن من التمس رضا الله تعالى وإن سخط الناس عليه ، فالعاقبة له ، وإن التمس رضا الناس وتعلق بهم وأسخط الله ، انقلبت عليه الأحوال ، ولم ينل مقصوده ، بل حصل له عكس مقصوده ، وهو أ ن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس .
***

باب قول الله تعالي :( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(المائدة: من الآية23)
ــ
مناسبة هذا الباب لما قبله :
هي أن الإنسان إذا أفرد الله –سبحانه – بالتوكل ، فإنه يعتمد عليه في حصول مطلوبه وزوال مكروهه ، ولا يعتمد على غيره .
والتوكل : هو الاعتماد على الله – سبحانه وتعالى – في حصول المطلوب ، ودفع المكروه ، مع الثقة به وفعل السباب المأذون فيها ، وهذا أقرب تعريف له ، ولا بد من أمرين :
الأول : أن يكون الاعتماد على الله اعتمادا صادقا حقيقيا .
الثاني : فعل الأسباب المأذون فيها .
فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب ، نقص توكله على الله ، ويكون قادحا في كفاية الله ، فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزال المكروه .
ومن جعل اعتماده على الله ملغيا للأسباب ، فقد طعن في حكمة الله ، لأن الله جعل لكل شي سببا ، فمن اعتمد على الله اعتمادا مجردا ، كان قادحا في حكمة الله ، لأن الله حكيم ، يربط الأسباب بمسبباتها ، كمن يعتمد على الله في حصول الولد وهو لا يتزوج .
والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم المتوكلين ، ومع ذلك كان يأخذ بالأسباب ، فكان يأخذ الزاد في السفر ، ولما خرج إلى أُحد ظاهر بين درعين ، أي : لبس درعين اثنين، ( 1) ولما خرج مهاجرا أخذ من يدله الطريق( 2 )ولم يقل سأذهب مهاجرا وأتوكل على الله ، ولن أصطحب معي من يدلني الطريق ، وكان صلى الله عليه وسلم يتقي الحر والبرد ، ولم ينقص ذلك من توكله .
ويذكر عن عمر رضى الله عنه أنه قدم ناس من أهل اليمن إلى الحج بلا زاد ، فجيء بهم إلى عمر ، فسألهم فقالوا : نحن المتوكلون على الله . فقال : لستم المتوكلين ، بل المتواكلون .
والتوكل نصف الدين ولهذا نقول في صلاتنا ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)
فنطلب من الله العون اعتمادا عليه سبحانه بأنه سيعيننا على عبادته .
وقال تعالى : ( فاعبده وتوكل عليه ) ( هود :123) وقال تعالى : ( عليه توكلت وإليه أنيب ) ( هود : 88 ) ، ولا يمكن تحقيق العبادة إلا بالتوكل ، لأن الإنسان لو ُوكل إلى نفسه وُكل إلى ضعف وعجز ، ولم يتمكن من القيام بالعبادة ، فهو حين يعبد الله يشعر أنه متوكل على الله ، فينال بذلك أجر العبادة وأجر التوكل ، ولكن الغالب عندنا ضعف التوكل ، وأننا لا نشعر حين نقوم بالعبادة أو العادة بالتوكل على الله والاعتماد عليه في أن ننال هذا الفعل ، بل نعتمد في الغالب على الأسباب الظاهرة وننسى ما وراء ذلك،فيفوتنا ثواب عظيم ، وهو ثواب التوكل ، كما أننا لا نوفق إلى الحصول المقصود كما هو الغالب سواء حصل لنا عوارض توجب انقطاعها أو عوارض توجب نقصها .
والتوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : توكل عبادة وخضوع ، وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه ، بحيث يعتقد أن بيده جلب النفع ودفع الضر ، فيعتمد عليه اعتمادا كاملا ، مع شعوره بافتقاره إليه ، فهذا يجب إخلاصه لله تعالى ، ومن لغير الله ، فهو مشرك شركا أكبر ، كالذين يعتمدون على الصالحين من الأموات والغائبين ، وهذا لا يكون إلا ممن يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون ، فيعتمد عليهم في جلب المنافع ودفع المضار.
الثاني : الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك ، وهذا من الشرك الأصغر ، وقال بعضهم:من الشرك الخفي، مثل اعتماد كثير من الناس على وظيفته في حصوله على رزقه ، ولهذا تجد الإنسان يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا اعتماد افتقار ، فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ما هو ظاهر ، فهو لم يعتقد أنه مجرد سبب ، بل جعله فوق السبب .
الثالث : أن يعتمد على شخص فيما فوّض إليه التصرف فيه ، كما لو وكلت شخصا في بيع شي أو شرائه ، وهذا لا شي فيه ، لأنه اعتمد عليه وهو يشعر أن المنزلة العليا له فوقه ، لأنه جعله نائبا عنه ، وقد وكل النبي صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب أن يذبح ما بقى من هديه ( 2 )، وككل أبا هريرة على الصدقة ( 3 )، ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له شاه ( 4 )، وهذا بخلاف القسم الثاني ، لأنه يشعر بالحاجة إلى ذلك ، ويرى اعتماده على المتوكل عليه اعتماد افتقار .
ومما سبق يتبين أن التوكل من أعلى المقامات ، وأنه يجب على الإنسان أن يكون مصطحبا له في جميع شؤونه ، قال شيخ الإسلام ابن تميمة رحمه الله : ( و لا يكون للمعطلة أن يتوكلوا على الله ولا المعتزلة للمعتزلة القدرية ) لأن المعطلة يعتقدون انتفاء الصفات عن الله تعالى ، والإنسان لا يعتمد إلا على من كان كامل الصفات المستحقة لأنه يعتمد عليه .
وكذلك القدرية ، لأنهم يقولون : إن العبد مستقل بعمله ، والله ليس له تصرف في أعمال العباد.
ومن ثم نعرف أن طريق السلف هو خير الطرق ، وبه تكمل جميع العبادات وتتم به جميع أحوال العابدين .
****
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب أربع آيات ، أولها ما جعله ترجمة للباب وهي :
قوله تعالى:(وعلى الله فتوكلوا ) . ( على الله ) متعلقة بقوله : ( فتوكلوا ) ، أي : اعتمدوا .
والفاء لتحسين اللفظ وليست عاطفة ، لأن في الجملة حرف عطف وهو الواو ، ولا يمكن أن نعطف الجملة بعاطفين ، فتكون لتحسين اللفظ ، كقوله تعالى:(بل الله فاعبد ) و التقدير:(بل الله اعبد ) .
قوله ( إن كنتم مؤمنين ) . ( إن ) : شرطية ، وفعل الشرط ( كنتم ) ، وجوابه قيل إنه محذوف دل عليه ما قبله ، وتقدير الكلام : إن كنتم مؤمنين فتوكلوا ، وقيل : إنه في مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب اكتفاء بما سبق ، فيكون ما سبق كأنه فعل معلق بهذا الشي ، وهذا أرجح ، لأن الأصل عدم الحذف .
وقول أصحاب موسى في هذه الآية يفيد أن التوكل من الإيمان ومن مقتضياته ، كما لو قلت : إن كنت كريما فأكرم الضيف . فيقتضي أن إكرام الضيف من الكرم .
وهذه الآية تقتضي انتفاء كمال الإيمان بانتفاء التوكل على الله ، إلا إن حصل اعتماد كلى على غير الله ، فهو شرك أكبر ينتفي له الإيمان كله .


وقوله : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوُبهُم) (لأنفال: من الآية2)
ـــــــــــــــــــــ
****
الآية الثانية : قوله تعالى : ( إنما المؤمنون ) . ( إنما ) : أداة حصر ، والحصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه ، والمعنى : ما المؤمنون إلا هؤلاء.
وذكر الله تعالى في هذه الآية وما بعدها خمسة أوصاف :
أحدهما: قوله : ( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم )، أي : خافت لما فيه من تعظيم الله تعالى ، مثال ذلك : رجل هم بمعصية ، فذكر الله أو ذكر به ، وقيل له : اتق الله . فإن كان مؤمنا ، فإنه سيخاف ، وهذا هو علامة الإيمان .
الوصف الثاني : قوله : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) ، أي : تصديق وامتثالا ، وفي هذا دليل على أن الإنسان قد ينتفع بقراءة غيره أكثر مما ينتفع بقراءة نفسه كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه ، فقال :

كيف أقرأ عليك وعليك أُنزل ؟ فقال: (إني أُحب أن أسمعه من غيري ) فقرأ عليه سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) (النساء:41) . قال : ( حسبك ) فنظرت ، فإذا عيناه تذرفان( 1 )
الوصف الثالث : قوله : ( وعلى ربهم يتوكلون ) . أي : يعتمدون على الله لا على غيره ، وهم مع ذلك يعملون الأسباب ، وهذا هو الشاهد .
الوصف الرابع : قوله : ( الذين يقيمون الصلاة ) أي : يأتون بها مستقيمة كاملة ، والصلاة : اسم جنس تشمل الفرائض والنوافل .
الوصف الخامس : قوله : ( ومما رزقناهم ينفقون ) . ( من ) للتبعيض ، فيكون الله يمدح من أنفق بعض ماله لا كله، أو تكون لبيان الجنس، فيشمل الثناء من أنفق البعض ومن أنفق الكل ، والصواب : أنها لبيان الجنس ، وأن من أنفق الكل يدخل في الثناء إذا توكل على الله تعالى في أن يرزقه وأهله كما فعل أبو بكر( 2 ) ، أما إن كان أهله في حاجة أو كان المنفق عليه ليس بحاجة ماسة تستلزم إنفاق المال كله ، فلا ينبغي أن ينفق ماله عليه .

****
قوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ........) (لأنفال:64) الآية .
ــــــــ
الآية الثالثة قوله تعالى : ( يا أيها النبي ) . المراد به الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب الله رسوله بوصف النبوة أحيانا ، فحينما يأمره أن يبلغ يناديه بوصف الرسالة ، وأما في الأحكام الخاصة ، فالغالب أن يناديه بوصف النبوة ، قال تعالى : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك )( التحريم : 1 ) وقال تعالى : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) ( الطلاق : 1 ) .
و ( النبي ) فعيل بمعنى مفعل بفتح العين ومفعل بكسرها ، أي : منبأ ، ومنبئي ، فالرسول صلى الله عليه وسلم منبأ من قبل الله ، ومنبئ لعباد الله .
قوله : ( حسبك الله ) . أي : كافيك ، والحسب : الكافي ، ومنه قوله أعطى درهما فحسب ، وحسب خبر مقدم ، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر، والمعنى: ما الله إلا حسبك ، ويجوز العكس ، أي : أن تكون حسب مبتدأ ولفظ الجلالة خبره ، ويكون المعنى : ما حسبك إلا الله وهذا هو الأرجح .
قوله : ( ومن اتبعك من المؤمنين ) . ( من ) : اسم موصول مبنية على السكون ، وفي عطفها رأيان لأهل العلم : قيل : حسبك الله ، وحسبك من اتبعك من المؤمنين ، ف ( من ) معطوفة على الله لأنه أقرب ، ولو كان العطف على الكاف في حسبك ، لوجب إعادة الجار ، وهذا كقوله تعالى ( هو الذي أيدك بنصره والمؤمنين ) ( الأنفال :62) ، فالله أيد رسوله بالمؤمنين ، فيكونون حسبا له كما كان الله حسبا له .
وهذا ضعيف ، والجواب عنه من وجوه :
أولا : قولهم : عطف عليه لكونه أقرب ليس بصحيح ، فقد يكون العطف على شيء سابق ، حتى أن النحويين قالوا : إذا تعددت المعطوفات يكون العطف على الأول .
ثانيا : قولهم : لوعطف على الكاف لوجب إعادة الجار ، والصحيح أنه ليس بلازم ، كما قال ابن مالك :
ليس عندي لازما إذ قد أتى في النثر والنظم الصحيح مثبتا
ثالثا : استدلالهم بقوله تعالى ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ) .
فالتأييد لهم غير كونهم حسبه ، لأن المعنى كونهم حسبه أن يعتمد عليهم ، ومعنى كونهم يؤيدونه أي ينصرونه مع استقلاله بنفسه ، وبينهما فرق .
رابعا : أن الله – سبحانه وتعالى – حينما يذكر الحسب يخلصه لنفسه ، قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ)(لتوبة:59) ففرق بين الحسب والإيتاء ، وقال تعالى(قل حسبي الله عليه يتوكل المؤمنون)(الزمر: 38) فكما أن التوكل على غير الله لا يجوز ، فكذلك الحسب لا يمكن أن يكون غير الله حسبا ، فلو كان ، لجاز التوكل عليه ، ولكن الحسب هو الله ، وهو الذي عليه يتوكل المتوكلون .
خامسا : أن في قوله : ( ومن اتبعك ) ما يمنع الصحابة حسبا للرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنهم تابعون ، فكيف يكون التابع حسبا للمتبوع ؟ هذا لا يستقيم أبدا ، فالصواب أنه معطوف على الكاف في قوله : ( حسبك ) ، أي : وحسب من أتبعك من المؤمنين ، فتوكلوا عليه جميعا أنت ومن اتبعك .


قوله : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) (الطلاق : 3) الآية .
ـــــــــــــــــــــ
****
الآية الرابعة : قوله تعالى : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) . جملة شرطية تفيد بمنطوقها أن من يتوكل على الله ، فإن الله يكفيه مهماته وييسر له أمره ، فالله حسبه ولو حصل بعض الأذية ، فإن الله يكفيه الأذى ، والرسول صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين ، ومع ذلك يصيبه الأذى ولا تحصل له المضرة ، لأن الله حسبه ، فالنتيجة لمن اعتمد على الله أن يكفيه ربه المؤونة .
والآية تفيد بمفهومها أن من توكل على غير الله خذل ، لأن غير الله لا يكون حسبا كما تقدم ، فمن توكل على غير الله تخلى عنه ، وصار موكولا إلى هذا الشي ولم يحصل له مقصوده ، وابتعد عن الله بمقدار توكله على غير الله .

وعن ابن عباس ، قال : (حسبنا الله ونعم الوكيل) ، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقى في النار،وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له:(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)(آل عمران:173) . رواه البخاري .

****
قوله في أثر ابن عباس رضى الله عنهما:” قال محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ( إن الناس قد جمعوا لكم ) .
وهذا في نص القرآن لما انصرف أبو سفيان من أُحد أراد أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليقضي عليهم بزعمه ، فلقي ركبا فقال لهم : إلى أين ذهبون ؟ قالوا نذهب إلى المدينة . فقال : بلغوا محمدا وأصحابه أنّا راجعون إليهم فقاضون عليهم . فجاء الركب إلى المدينة، فبلغوهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه: حسبنا الله ونعم الوكيل . وخرجوا في نحو سبعين راكبا ، حتى بلغوا حمراء الأسد ، ثم إن أبا سفيان تراجع عن رأيه وانصرف إلى مكة ، وهذا من كفاية الله لرسوله وللمؤمنين ، حيث اعتمدوا عليه تعالى .
قوله : ( قال لهم الناس ) . أي : الركب .
قوله : ( إن الناس ) . أي : أبا سفيان ومن معه ، وكلمة الناس يمثل بها الأصوليون للعام الذي أُريد به الخصوص .
قوله : ( حسبنا ) . أي : كافينا ، وهي مبتدأ ولفظ الجلالة خبره .
قوله : ( نعم الوكيل ) . ( نعم ) : فعل ماضي ، ( الوكيل ) : فاعل ، والمخصوص محذوف تقديره : هو ، أي : الله ، والوكيل : المعتمد عليه سبحانه ، والله – سبحانه –يطلق عليه اسم وكيل، وهو أيضا مُوكّل، والوكيل في مثل قوله تعالى: ( نعم الوكيل )، وقوله تعالى: ( وكفى بالله وكيلا ) ( النساء : 81) ، وأما الموكل ، ففي مثل قوله تعالى : ( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها كافرين ) ( الأنعام :89)
وليس المراد بالتوكيل هنا إنابة الغير فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه ، فليس توكيله سبحانه من حاجة له ، بل المراد بالتوكيل الاستخلاف في الأرض لينظر كيف يعملون .
وقول ابن العباس رضى الله عنهما : ” إن إبراهيم قالها حين أُلقى في النار ” قول لا مجال للرأي فيه ، فيكون له حكم الرفع .
وابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل ، فيحتمل أنه أخذه منه ، ولكن جزمه بهذا ، وقرنه لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم مما يبعد أن يكون أخذه من بني إسرائيل.
الشاهد من الآية : قوله تعالى:(وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) حيث جعلوا حسبهم الله وحده .
( تنبيه ) :
قولنا : ” وابن عباس ممن يروى عن بني إسرائيل ” قول مشهور عند علماء المصطلح ، لكن فيه نظر ، فإن ابن عباس رضى الله عنهما ممن ينكر الأخذ عن بني إسرائيل ، ففي ( صحيح البخاري ) ( 5/291 – فتح ) أنه قال ( يا معشر المسلمين ! كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أُنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله تقرؤونه لم يُشب ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب ؟ ! فقالوا : هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ؟! لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أُنزل عليكم ”

***
فيه مسائل :
الأولى : أن التوكل من الفرائض.ووجهه أن الله علق الإيمان بالتوكل في قوله تعالى ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) ، وقد سبق تفسيرها .
الثانية : أنه من شروط الإيمان . تؤخذ من قوله تعالى : ( إن كنتم مؤمنين ) . وسبق تفسيرها .
الثالثة : تفسير آية الأنفال وهي قوله تعالى : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم . . . ) والمراد بالإيمان هنا الإيمان الكامل ، وإلا ، فالإنسان يكون مؤمنا وأن لم يتصف بهذه الصفات ، لكن معه مطلق الإيمان ، وقد سبق تفسير ذلك .
الرابعة : تفسير الآية في آخرها ، أي : آخر الأنفال . وهي قوله تعالى : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) ، أي : حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين ، وهذا هو الراجح على ما سبق .
الخامسة : تفسير آية الطلاق . وهي قوله تعالى : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) وقد سبق تفسيرها .
السادسة : عظم شأن هذه الكلمة ، وأنها قول إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم في الشدائد . يعني قول : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) .
وفي الباب مسائل غير ما ذكره المؤلف ، منها :
زيادة الإيمان ، لقوله تعالى : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) .
ومنها : أنه عند الشدائد ينبغي أن يعتمد على الله مع فعل الأسباب ، لأن الرسول صلى الله عليه وأصحابه قالوا ذلك عندما قيل لهم : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، ولكنهم فوّضُوا الأمر إلى الله ، وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل .
ومنها : أن اتباعه النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان سبب لكفاية الله للعبد .

***

باب قوله تعالى :
(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (لأعراف:99) .
ــــــــــ
هذا الباب اشتمل على موضوعين :
الأول : الأمن من مكر الله .
والثاني : القنوط من رحمة الله ، وكلاهما طرفا نقيض .
واستدل المؤلف بقوله تعالى : ( أفأمنوا ) .
الضمير يعود على أهل القرى ، لأن ما قبلها قوله تعالى : ( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ* أو أمن أهل القرى أن يأتيهم باسنا ضحى وهم يلعبون * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (الأعراف:97،98،99).
فقوله : ( وهم نائمون ) يدل على كمال الأمن لأنهم في بلادهم ،وأن الخائف لا ينام ، وقوله : ( ضحى وهم يلعبون ) يدل على كمال الأمن والرخاء وعد الضيق ، لأنه لو كان عندهم ضيق في العيش لذهبوا يطلبون الرزق والعيش وما صاروا في الضحى – في رابعة النهار – يلعبون .
والاستفهامات هنا كلها للإنكار والتعجب من حال هؤلاء ، فهم نائمون وفي رغد ، ومقيمون على معاصي الله وعلى اللهو ، وذاكرون لترفهم ، غافلون عن ذكر خالقهم
فهم في الليل نوم ، وفي النهار لعب ، فبين الله – عز وجل – أن هذا من مكره بهم ، ولهذا قال : ( أفأمنوا مكر الله ) ، ثم ختم الآية بقوله : ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) ، فالذي يمن الله عليه بالنعم والرغد والترف وهو مقيم على معصيته يظن أن رابح وهو في الحقيقة خاسر .
فإذا أنعم الله عليك من كل ناحية:أطعمك من جوع، و آمنك من خوف ، وكساك من عرى ، فلا تظن أنك رابح وأنت مقيم على معصية الله ، بل أنت خاسر ، لأن هذا من مكر الله بك .
قوله : ( إلا القوم الخاسرون ) . الاستثناء للحصر ، وذلك ما قبله مفرغ له ، فالقوم فاعل ، والخاسرون صفتهم .
وفي قوله تعالى : ( أفأمنوا مكر الله ) دليل على أن لله مكرا ، والمكر هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، ومنه ما جاء في الحديث( الحرب خدعة)( 1 )
فإن قيل كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره مذموم ؟
قيل : إن المكر في محله محمود يدل على قوة الماكر ، وأنه غالب على خصمه ، ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق ، فلا يجوز أن تقول أن الله ماكر ، وإنما تذكر هذه الصفة في مقام تكون فيه مدحا، مثل قوله تعالى ( ويمكرون ويمكر الله ) ( الأنفال :30) ، وقال تعالى : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) ( النمل : 50 ) ومثل قوله تعالى (أفأمنوا مكر الله ) ( الأعراف:99) ولا تنفي عنه هذه الصفة على سبيل الإطلاق ، بل إنها في المقام الأول التي تكون مدحا يوصف بها وفي المقام التي لا تكون مدحا لا يوصف بها .
وكذلك لا يسمى الله بها ، فلا يقال : إن من أسماء الله الماكر .

وأما الخيانة،فلا يوصف الله بها مطلقا لأنها ذم بكل حال ، إذ أنها مكر في موضع الائتمان ، وهو مذموم ، قال تعالى : ( وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ)(لأنفال: من الآية71) ولم يقل : فخانهم .
وأما الخداع ، فهو كالمكر يوصف به الله حيث يكون مدحا ، لقوله تعالى : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو يخادعهم ) ( النساء : 142) ، والمكر من الصفات الفعلية ، لأنها تتعلق بمشيئة الله – سبحانه - .
ويستفاد من هذه الآية :
الحذر من النعم التي يجلبها الله للعبد لئلا تكون استدراجا ، لأن كل نعمة فلله عليك وظيفة شكرها،وهي القيام بطاعة المنعم ، فإذا لم تقم بها مع توافر النعم ، فأعلم أن هذا من مكر الله .
تحريم الأمن من مكر الله ، وذلك لوجهين :
الأول : أن الجملة بصيغة الاستفهام الدال على الإنكار والتعجب .
الثاني : قوله تعالى : ( فلا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون ) .


قوله : (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (الحجر:56)
ـــ

****
الموضوع الثاني مما اشتمل عليه هذا الباب القنوط من رحمة الله .
( من ) اسم استفهام ، لأن الفعل بعدها مرفوع ، ثم إنها لم يكن لها جواب ، والقنوط : أشد اليأس ، لأن الإنسان يقنط ويبعد الرجاء والأمل ، بحيث يستبعد حصول مطلوبه أو كشف مكروبة .
قوله: (من رحمة ربه)، هذه رحمة مضافة إلى الفاعل، ومفعولها محذوف، والتقدير(من رحمة ربه إياه ) .
قوله : ( إلا الضالون ) ، إلا أداة حصر ، لأن الاستفهام في قوله : ( ومن يقنط ) مراد به النفي ، و ( الضالون ) فاعل يقنط .
والمعنى لا يقنط من رحمة الله إلا الضالون ، والضال : فاقد الهداية ، التائه الذي لا يدري ما يجب لله تعالى ، مع أنه سبحانه قريب الغير ، ولهذا جاء في الحديث : ( عجب ربنا من قنوط عباده ، وقرب غيره ، ينظر إليكم أزلين قنطين ، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب ) ( 1 ) .
وأما معنى الآية ، فإن إبراهيم عليه السلام لما بشرته الملائكة بغلام عليم قال لهم ( قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ* قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) (الحجر:54- 56 ) .
فالقنوط من رحمة الله لا يجوز ، لأنه سوء ظن بالله – عز وجل - ، وذلك من وجهين :
الأول : أنه طعن في قدرته سبحانه ، لأن من علم أن الله على كل شي قدير لم يستبعد شيئا على قدرة الله .
الثاني : أنه طعن في رحمته سبحانه ، لأن من علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله – سبحانه - ، ولهذا كان القانط من رحمة