خطب في العقيدة خطبة في خلق السموات والأرض

فتاوى ابن عثمين

الحمد لله الذي رفع السموات بغير عماد ووضع الأرض وهيأها للعباد وجعلها مقرهم أحياء وأمواتاً فمنها خلقهم وفيها يعيدهم ومنها يخرجهم تارة أخرى يوم المعاد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مضاد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل العباد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله وأطيعوه وصدقوا بما أخبركم به واعتقدوه وارفضوا ما خالف كتابه وسنة نبيه من أقوال الناس وردوه لأن ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل زور وبهتان وما وافق الكتاب والسنة فهو حق ثابت لقيام الحجة والبرهان واعلموا أن الله سبحانه لم يشهد أحداً خلق السموات والأرض فلا علم عند أحد في ذلك إلا ما جاء عن طريق الوحي ]ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً[ فكل من تكلم عن خلق السموات والأرض من أي مادة هو وكيف وقع ومتى وقع كل من تكلم بذلك من غير طريق الوحي فإنما يتكلم على أمر نظري وقياس ظني قد يصيب وقد يخطئ وقد يرفض وقد يغير إذ ليس أحد من البشر شاهد كيف خلق السموات والأرض هذه هي الحقيقة الثابتة وعلى هذا فالاعتماد في ذلك على ما جاء في كتاب الله أو صح عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم .
أيها المسلمون لقد خلق الله السموات والأرض في ستة أيام فجعل السموات سبعاً والأرضين سبعاً جعل الله السموات سبعاً طباقاً بعضها فوق بعض]ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً[ وبناها بناء محكماً قوياً شديداً ]أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج[ ]والسماء بنيناها بأيد (يعني بقوة) وإنا لموسعون[ ]وبنينا فوقكم سبعاً شداداً[ أي قوية محكمة، جعل الله بين كل واحدة والأخرى مسافة فكان جبريل يعرج بالنبي، صلى الله عليه وسلم، من سماء إلى سماء حتى بلغ السابعة . رفعها الله رفعاً عظيماً ]والسماء رفعها[ ]أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها . رفع سمكها فسواها[ رفعها سبحانه بغير عمد وأمسكها بقوته ] الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها[ ]ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم[ جعلها الله سقفاً للأرض محفوظاً من الشياطين ] وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً[ ]ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين . وحفظناها من كل شيطان رجيم . إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين[ جعل لها أبواباً لا تفتح إلا بإذنه ]إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء[ وفي يوم القيامة يطوي الله هذه السموات بيمينه ]يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين[ ]وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون[.
أيها المسلمون: إن هذه الآيات الكريمة العظيمة لتدل دلالة قاطعة لا تقبل الشك ولا الجدال على أن السموات السبع أجرام محسوسة رفيعة قوية محكمة محفوظة لا يستطيع أحد دخولها ولا اختراقها إلا بإذن الله عز وجل ألم تعلموا أن محمداً، صلى الله عليه وسلم، أشرف البشر وجبريل أشرف الملائكة ما دخلا السموات حين عروجهما إلا بالإذن والاستفتاح فكيف بغيرهما من المخلوقين؟! .
أيها الناس: أفبعد هذا يمكن لمؤمن أن يقول : إن السموات هي المجرات أو هي الغلاف الجوي للأرض أو يقول : إن ما نشاهده فضاء لا نهاية له إن من يقول ذلك فهو إما جاهل بوحي الله وإما مكذب به مستكبر عنه مشاق الله ورسوله ]ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب[ ]ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً[ إن إنكار السموات أو التكذيب بها أو بأنها ذات بناء وإحكام تكذيب لله وكفر به سواء قالها قائل أو صدق من يقولها.
أما الأرض فإنها سبع أرضين في ظاهر كلام الله تعالى وصريح سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى:
]الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن[ وهذه المثلية تقتضي المساواة في كل ما تمكن فيه فالأرض مثل السموات في العدد. قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “اللهم رب السموات السبع وما أظللن والأرضين السبع وما أقللن” (رواه النسائي) والأرض مثل السموات في التطابق فإذا كانت السموات سبعاً طباقاً فكذلك الأرض مثلهن يقول النبي، صلى الله عليه وسلم،: “من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين” (رواه البخاري) . وقال أيضاً : “من اقتطع شبراً من الأرض بغير حقه طوقه إلى سبع أرضين” (تفرد به أحمد وهو على شرط مسلم) . والغاية تدل على أن كل أرض تحت الأرض وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.
لقد خلق الله هذه السموات وهذه الأرضين وقدر فيهن ما قدر من عجائب مخلوقاته وأسرار مبدعاته وفصل لنا ما فصل منها في سورة فصلت حيث قال: ]قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين . وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين . ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين . فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم[ . وحجب عن عباده كثيراً من ذلك فلا يحل لأحد أن يثبت شيئاً من أسرار الكون إلا بدليل منقول أو محسوس أما مجرد النظريات التي قد تتغير وتتبدل فلا يمكن الاعتماد عليها وأشد من ذلك وأدهى أن يحرف من أجلها كتاب الله وسنة رسوله فينزل على الآراء والنظريات القابلة للنقض والإفساد ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.
وفقني الله وإياكم لفهم كتابه والعمل به وجنبنا الزيغ والزلل في القول والعمل أقول قولي هذا . . . الخ.