خطب في العقيدة خطبة في شرح بعض أسماء الله الحسنى

فتاوى ابن عثمين

الحمد لله ذي الصفات الكاملة العليا، والأسماء الفاضلة الحسنى، خلق الأرض والسموات العلى، الرحمن على العرش استوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وتدبيره، ولا نظير له في صفاته ولا راد لتقديره، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي خضع لربه واستعان به في صغير أمره وجليله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين عرفوا الحق بدليله، وسلم تسليماً .
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله لا شريك له في جميع صفاته ولا مضاهي له في أسمائه وتقديراته فهو (الله) الذي تألهه القلوب بالمحبة والود والتعظيم، وهو (الرحمن الرحيم) الذي هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها فما من نعمة وجدت إلا من رحمته وما من نقمة دفعت إلا من آثار رحمته، وهو ( الملك) مالك العالم كله علوه وسفله، لا يتحرك متحرك إلا بعلمه وإرادته وما يسكن من ساكن إلا بعلمه وإرادته. وهو (القدوس) الذي تقدس وتنزه عن النقائص والعيوب، فلقد خلق السموات بما فيها من النجوم والأفلاك وخلق الأرض بما فيها من البحار والأشجار والجبال والمصالح والأقوات خلق كل ذلك وما بين السموات والأرض في ستة أيام سواء للسائلين وما مسه من تعب ولا آفات، وهو

(القوي القهار) فما من مخلوق إلا تحت قدرته وقهره وما من جبروت إلا وقد ذل لعظمته وسطوته، وهو (العليم) الذي يعلم السر وأخفى ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه، يعلم ما توسوس به نفس العبد قبل أن يتكلم به وهو الرقيب الشاهد عليه في كل حالاته وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وهو ( العلي الأعلى) هو العلي في ذاته فوق عرشه العلي في صفاته فما يشبهه أحد من خلقه، وهو (الجبار) الذي يجبر الكسير والضعيف ويأخذ القوي بالقهر المنيف، وهو (الغفور) الذي يغفر الذنوب وإن عظمت ويستر العيوب وإن كثرت وفي الحديث القدسي عنه تبارك وتعالى قال: “يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو أتيتني بملء الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بملئها مغفرة” . وهو (الخلاق القدير) الذي أمسك بقدرته السموات والأرض أن تزولا ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وهو (الحكيم) في شرعه وقدره فما خلق شيئاً عبثاً ولا شرع عبادة لهواً ولعباً ومع ذلك فله الحكم آخراً وأولاً، وهو (الغني) بذاته عن جميع مخلوقاته، وهو (الكريم) بجزيل عطائه وهباته فيده لا تغيضها نفقة ملأى سحاء الليل

والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وفي الحديث قال الله تعالى: “يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر” وفي رواية:
“ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له : كن فيكون”.
إخواني: هذا شيء يسير من أسماء الله تعالى وما لها من المعاني وإن أسماءه تعالى لا يحصى لها تعداد وله منها تسعة وتسعون من أحصاها دخل الجنة وإحصاؤها هو معرفتها لفظاً ومعنى والتعبد لله بها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون{ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم . . . الخ.

خطبة في شرح بعض أسماء الله الحسنى أيضاً
الحمد لله العلي الأعلى الكامل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من سوء المأوى وآمل بها الفوز بالنعيم المقيم والدرجات العلا وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجباء وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم المعاد والجزاء وسلم تسليماً.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا ما لله تعالى من الأسماء والصفات فإن معرفة ذلك زيادة في الإيمان وبصيرة في دين الله وعرفان، ولله تعالى تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة ألا وإن من إحصائها أن يعرف العبد لفظها ومعناها ويتعبد لله تعالى بموجبها ومقتضاها.
فمن أسمائه تعالى (الحي القيوم) وهو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فهو الحي الكامل في حياته حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال فهو الحي الذي لا يموت وهو الباقي وكل من عليها فان، أما القيوم فهو الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع خلقه وفي الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: “يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر

قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً . يا عبادي:
لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له : كن فيكون” . وللقيوم معنى آخر وهو القائم على غيره فكل ما في السموات والأرض فإنه مضطر إلى الله لا قيام له ولا ثبات ولا وجود إلا بالله ]ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره[ . ومن أسمائه تعالى (العليم) الذي يعلم كل شيء جملة وتفصيلاً فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ] وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين[ ]يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير[ . ] إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير[ .
ومن أسمائه تعالى (القدير) ذو القدرة الكاملة فما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن فيكون أرأيتم كيف خلق هذا الكون

العظيم في ستة أيام ثم استوى على العرش خلق هذا الكون بأرضه وسمائه وشمسه وقمره وبحره وبره ووهاده وجباله وأنهاره وبحاره وبقوله وأشجاره ورطبه ويابسه وظاهره وباطنه خلق هذا الكون على أحسن نظام وأتمه لمصالح عباده خلقه كله في ستة أيام ولو شاء لخلقه بلحظة ولكنه حكيم يقدر الأمور بأسبابها.
أيها المسلمون إن ما غاب عنا من مشاهد قدرته أعظم وأعظم بكثير مما نشاهده فلقد جاء في الحديث: “إن السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة إلى الكرسي الذي وسع السموات والأرض كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وإن نسبة هذا الكرسي إلى العرش كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض” فسبحان الله العلي الكبير القوي القدير.
ومن أسمائه تعالى (السميع البصير) يسمع كل شيء ويرى كل شيء لا يخفى عليه دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث إن جهرت بقولك سمعه وإن أسررت به لصاحبك سمعه وإن أخفيته في نفسك سمعه وأبلغ من ذلك أنه يعلم ما توسوس به نفسك وإن لم تنطق به . إن فعلت فعلاً ظاهراً رآك وإن فعلت فعلاً باطناً ولو في جوف بيت مظلم رآك وإن تحركت بجميع بدنك رآك وإن حركت عضواً من أعضائك رآك وأبلغ من ذلك أنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ومن أسمائه تعالى (الرحمن الرحيم) فكل ما نحن فيه من نعمة فهي من آثار رحمته معاشنا من آثار رحمته وصحتنا من رحمته وأموالنا وأولادنا من رحمته. الليل والنهار والمطر والنبات من رحمته.الأمن والرغد من رحمته.إرسال الرسل وإنزال الكتب من رحمته.]وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله غفور رحيم[.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ] ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون[
بارك الله لي ولكم ... الخ.

خطبة في شرح بعض أسماء الله الحسنى أيضاً
الحمد لله المتفرد بكمال الصفات المتنزه عن العيوب والنقائص والآفات خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولو شاء لخلقها في لحظات، له الملك وله الحمد وله الخلق وله الأمر في جميع الأوقات فسبحانه من إله عظيم وملك رب رحيم ولطيف بالعباد عليم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته والأسماء والصفات وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى على جميع البريات صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان مدى الأوقات وسلم تسليماً.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا ما له من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا فإن معرفة ذلك زيادة في الإيمان وتثبيت على الحق وإيقان وعبادة لله على بصيرة وبرهان فمن أسماء الله تعالى (الملك) وهو ذو السلطان الكامل والملك الشامل المتصرف بخلقه كما يشاء من غير ممانع ولا مدافع ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها له الملك المطلق لا يسأل عما يفعل وهم يسألون يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير بيده ملكوت السموات والأرض يحيي ويميت يغني فقيراً ويفقر غنياً ويضع شريفاً ويرفع وضيعاً ويوجد معدوماً ويعدم موجوداً
ويبتلي بالنعم ويبتلي بالمصائب ليبلو عباده أيشكرون النعمة أم يكفرون وهل يصبرون على المصائب أو يجزعون يقلب الله الليل والنهار بالرخاء والشدة والأمن والمخافة كل يوم هوفي شأن، ملكه ظاهر في السموات وفي الأرض ويظهر تماماً حينما يتلاشى الملك عن كل أحد حينما يعرض الخلائق عليه فرادى كما خلقوا أول مرة ]يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار[.
ومن أسمائه تعالى (الجبار) وله ثلاثة معان: جبر القوة، وجبر الرحمة، وجبر العلو.
فأما جبر القوة فهو تعالي الجبار الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله وجبروته وفي يده وقبضته .
وأما جبر الرحمة فإنه سبحانه يجبر الضعيف بالغنى والقوة ويجبر الكسير بالسلامة ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها وإحلال الفرج والطمأنينة فيها وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله.
أما جبر العلو فإنه سبحانه فوق خلقه عال عليهم وهو مع علوه عليهم قريب منهم يسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويعلم ما توسوس به نفوسهم.
ومن أسمائه تعالى ( القدوس السلام) فأما القدوس فهو الذي تقدس وتعالى عن كل نقص وعيب فالنقص لا يجوز عليه
ولا يمكن في حقه لأنه تعالى الرب الكامل المستحق للعبادة.
وأما السلام فهو السالم من كل نقص وعيب ومن مماثلة المخلوقين ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وفي الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض عليهم التشهد: السلام على الله من عباده السلام على جبريل السلام على فلان وفلان فقال النبي، صلى الله عليه وسلم،: “لا تقولوا : السلام على الله من عباده فإن الله هو السلام” .
أيها الناس: تفكروا في أسماء الله وصفاته واعرفوا معناها وتعبدوا لله تعالى بها وانظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله فيهما من الآيات الدالة عليه التي هي مقتضى أسمائه وصفاته فإن في كل شيء له آية تدل على أنه واحد .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ]هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم . هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون . هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم[ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم . . . . الخ.
خطبة في شرح بعض أسماء الله الحسنى أيضاً

الحمد لله العلي الأعلى الكامل في الأسماء الحسنى والصفات العليا رب السموات ورب الأرض ورب الآخرة والأولى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والجود الذي لا يحصى وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من تعبد الله ودعا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليماً.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة وإحصاؤها معرفة لفظها ومعناها والتعبد لله بها فمن أسمائه تعالى: (الله، الحي، القيوم، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم، القوي، الملك، القدوس، السلام، الجبار) ومن أسمائه تعالى (المتكبر) أي ذو الكبرياء والعظمة فالكبرياء وصفه المختص به فليس لأحد من المخلوقين أن ينازعه في ذلك ومن نازعه في الكبرياء أذاقه الله الذل والهوان والمتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم .
ومن أسمائه تعالى (الخالق) الذي خلق السموات والأرض وما فيهما من المصالح وما بينهما من المخلوقات خلقها الله تعالى كلها في ستة أيام وأحسن خلقها وأكمله ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ولا تناقض ]فارجع البصر هل ترى من
فطور . ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير[ ]فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة[ ] يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم[ ]يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث[: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة غشاء الجنين في بطن أمه ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو فأنى تصرفون يقدر لكم في ذلك الموضع من الغذاء ما لا يستطيع أحد أن يوصله إليكم وذلك بواسطة السرة المنغرسة في عروق الرحم فتمتص من الدم ما يتغذى به جسم الجنين ولا يحتاج معه إلى البول والغائط فسبحان الله رب العالمين. خلق الله تعالى كرسيه وعرشه وهما من أعظم المخلوقات فالكرسي وسع السموات والأرض وما السموات السبع والأرضون السبع بالنسبة إليه إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض والعرش استوى عليه الرحمن وهو أعظم المخلوقات وأعلاها وما الكرسي بالنسبة إليه إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض.
أيها المسلمون: إن هذه المخلوقات العظيمة وما فيها من الإتقان والكمال لتدل دلالة ظاهرة على عظمة خالقها وكماله وأنه أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه فتبارك الله أحسن الخالقين .
ومن أسماء الله تعالى (الرزاق) الذي عم برزقه كل شيء فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . رزق الله الأجنة في بطون الأمهات والحيتان في قعار البحار والسباع في مهامه القفار والطيور في أعالي الأوكار ورزق كل حيوان وهداه لتحصيل معاشه فأعطى كل شيء خلقه ثم هدى ولو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو في الصباح خماصاً جائعة ثم تروح في المساء بطاناً ممتلئة بطونها بما يسر الله لها من الرزق والأقوات ومن رزق الله تعالى ما يمن الله به على من شاء من خلقه من حسن الخلق وسماحة النفس ومن رزقه تعالى ما يمن الله به على من يشاء من العلم النافع والإيمان الصحيح والعمل الصالح الدائب وهذا أعظم رزق يمن الله به على العبد ] ومن يتق الله يجعل له مخرجاً .ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً [ وهو سبحانه المعطي المانع فكم من سائل أعطاه سؤله وكم من محتاج أعطاه سؤله وكم من محتاج أعطاه حاجته ودفع ضرورته وإنه تعالى ليستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً وكم منع سبحانه من بلاء انعقدت أسبابه فمنعه عن عباده ودفعه عنهم فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهو سبحانه الذي بيده النفع والضر إن جاءك نفع فمن الله وإن حصل عليك ضر لم يكشفه سواه ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. ولو اجتمع الناس على أن يضروك بشيء لا يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك فربك هو المدبر المتصرف بخلقه كما يشاء فالجأ إليه عندالشدائد تجده قريباً وافزع إليه بالدعاء تجده مجيباً وإذا عملت سوءاً أو ظلمت نفسك فاستغفره تجده غفوراً رحيماً.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ]ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون[ بارك الله لي ولكم . . . الخ.
خطبة في شرح بعض أسماء الله الحسنى أيضاً
الحمد لله العلي الأعلى الكامل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة من سوء المأوى ونؤمل بها الفوز بالنعيم المقيم والدرجات العلا وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجباء وعلى التابعين لهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء وسلم تسليماً .
أما بعد: فإن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة وإحصاؤها هو معرفة لفظها ومعناها والتعبد لله بمقتضاها فاتقوا الله أيها المسلمون وحققوا هذه الأسماء وما تدل عليه من الصفات العظيمة والمعاني الجليلة لتعبدوا ربكم على بصيرة فإنه لا يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون.
أيها الناس: في هذه الخطبة سنتكلم على ثلاثة أسماء من أسماء الله فمن أسماء الله تعالى (العزيز) فلله العزة جميعاً ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فهو العزيز الذي لا يغلب فما من جموع ولا أجناد ولا قوة إلا وهي ذليلة أمام عزة الله ذلت لعزته الصعاب ولانت لقوته الشدائد الصلاب ]كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله[ . ] كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز[ .
ومن أسماء الله تعالى (الحكيم) فهو سبحانه الحاكم والخلق محكومون، له الحكم كله وإليه يرجع الأمر كله يحكم على عباده بقضائه وقدره ويحكم بينهم بدينه وشرعه ثم يوم القيامة يحكم بينهم بالجزاء بين فضله وعدله فلا حاكم إلا الله ولا يجوز تحكيم قانون ولا نظام سوى حكم الله ] فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً[ ] ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم[ ] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً[ . فهو سبحانه الحاكم على عباده لا راد لحكمه وقضائه ولا حكم فوق حكمه.
وللحكيم معنى آخر وهو ذو الحكمة. والحكمة ضد السفه فهي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها ولذلك كانت أحكام الله الكونية والشرعية والجزائية مقرونة بالحكمة ومربوطة بها فلم يخلق سبحانه شيئاً عبثاً ولم يترك خلقه سدى لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون فما أعطى الله شيئاً إلا لحكمة وما منع شيئاً إلا لحكمة ولا أنعم بنعمة إلا لحكمة ولا أصاب بمصيبة إلا لحكمة وما أمر الله بشيء إلا والحكمة في فعله والتزامه ولا نهى عن شيء إلا والحكمة في تركه واجتنابه يقول الله تعالى مقرراً هذه الصفة العظيمة صفة الحكمة: ] أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون . فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم[ . ] وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين . ما خلقناهما إلا بالحق[ .] أيحسب الإنسان أن يترك سدى[ . ]وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار[
أيها المسلمون: لقد تبين أن للحكيم معنيين:
أحدهما: الحاكم الذي له الحكم المطلق الكامل من جميع الوجوه.
والثاني: أنه ذو الحكمة الذي لم يخلق شيئاً عبثاً ولم يشرع شيئاً باطلاً ولم يجز عاملاً إلا بما عمل، المحسن بالإحسان والمسيء بمثل سيئته.
وله معنى ثالث وهو المحكم الذي أحكم كل شيء خلقه فما في خلق الرحمن من تفاوت ولا تناقض ولا خلل . ]صنع الله الذي أتقن كل شيء [ وليس في شرعه من تناقض ولا اختلاف ]ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً[.
ومن أسماء الله تعالى (القوي) والقوة ضد الضعف فهو سبحانه وتعالى يخلق المخلوقات العظيمة من غير ضعف لم يزل ولا يزال قوياً والخلق ضعفاء، ضعفاء في ذاتهم وضعفاء في أعمالهم يقول الله تعالى مقرراً هذه الصفة العظيمة: ]ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب[ يعني من تعب ولا ضعف فهو القوي ذو القوة الكاملة والخلق ضعفاء مهما بلغت قوتهم ]الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة [ وهؤلاء عاد إرم ذات العماد والقوة، كان بعضهم يحمل الصخرة العظيمة من غير مبالاة حتى بلغ بهم الغرور أن قالوا :من أشد منا قوة فقال الله تعالى: ]أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة [ فكل قوة مهما عظمت فهي ضعيفة أمام قوة الخالق العظيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ]ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون[ . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم... الخ.
خطبة في الحث على الإيمان بأسماء الله تعالى
الحمد لله الذي كتب الإيمان في قلوب المؤمنين حتى شاهدوا بعين البصيرة ونور العلم ما كان غائباً عن العيون وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي الكامل في حياته العليم الكامل في علمه القدير الكامل في قدرته فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول : كن فيكون وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وخاتم النبيين وسيد الموقنين آمن فأيقن وعمل فأتقن واستمر على ذلك حتى أتاه اليقين فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وآمنوا به وحققوا إيمانكم بمعرفة ربكم بأسمائه وصفاته وأفعاله وبالعمل بما تقتضيه وتوجبه تلك الأسماء والصفات، آمنوا بأن الله حي قيوم حياته كاملة لم يسبقها عدم ولا يلحقها فناء فكل شيء هالك إلا وجهه فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، هو قيوم السموات والأرض قام بنفسه فلم يحتج إلى أحد من خلقه وفي الحديث الصحيح أنه تبارك وتعالى يقول: “يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني” وهو الذي قامت السموات والأرض بأمره ولم يستغن عنه أحد من خلقه فالعباد مضطرون إليه في جميع أحوالهم وأوقاتهم لا غنى لهم عن ربهم طرفة عين.
آمنوا بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء حفيظ رقيب وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء]وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولارطب ولا يابس إلا في كتاب مبين[ فجميع حركاتكم وسكناتكم وأقوالكم وأفعالكم معلومة عند ربكم محفوظة لكم مسجلة عليكم في كتاب مبين . فحققوا رحمكم الله الإيمان بهذه الصفة صفة العلم حققوها تحقيقاً عملياً تطبيقاً كما أنكم مأمورون بتحقيقها تحقيقاً علمياً . فإذا علمتم أن الله يعلم سركم وجهركم ويحفظ ذلك لكم فإن مقتضى ذلك أن تعبدوه سراً وجهراً وأن تقدموا طاعته وخشيته على كل خشية وشريعته على كل شريعة ونظام.
أيها المسلم: ربما تعصي الله جهاراً علناً من غير مبالاة وربما تعصي الله سراً خفاء خوفاً أو حياء من الناس فاعلم أنك في كلتا الحالين لا تخفى على الله حالك وأن الله يعلم بك ويسمع ما تقول ويرى ما تفعل ويحفظ ذلك في كتاب مبين . فهل يليق بك أن تعصيه بعد ذلك بمخالفة أمره أو ارتكاب نهيه.
عباد الله: آمنوا بأن الله على كل شيء قدير وأنه جواد كريم ]وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً[ فهو قدير على تغيير الأمور وتحويلها وعلى

منع الأمور وتيسيرها . قال تعالى: ]وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر[ وكم من آية في السموات والأرض تبرهن على قدرته وأن جميع الأمور بيده فإذا حققتم ذلك أوجب لكم أن تعلقوا رجاءكم به عند الشدائد وأن تسألوه ما تحبون عند المطالب وأن تعلموا أن قدرته وإرادته فوق الأسباب وكم من أمور حدثت مع استبعاد الناس حدوثها وكم من أمور عدمت مع استبعاد الناس عدمها كل ذلك دليل على أن قدرته فوق كل تقدير وتدبيره فوق كل تدبير.
عباد الله: آمنوا بأن الله حكيم يضع الأمور في مواضعها فلم يخلق خلقاً عبثاً ولم يشرع شرعاً سفهاً فكل ما قضاه وقدره فلحكمة وكل ما شرعه لعباده من أمر ونهي فلحكمة فإذا آمنتم بذلك حق الإيمان أوجب لكم أن تقفوا عند أفعال الله وأحكامه وأن لا تعترضوا على شرعه وخلقه وأن تتأدبوا بالأدب الواجب تجاه حكمة الله فإن تبينت لكم الحكمة فذلك من فضل الله ومن نعمته وإن لم تتبين لكم الحكمة فكلوا الأمر إلى العليم الحكيم واعرفوا كمال علم الله وحكمته ونقص علمكم وحكمتكم وقولوا : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد، صلى الله عليه وسلم، نبياً. كيف يعترض على شرع الله من كان مؤمناً بالله وعلمه وحكمته .
أيها المسلمون: آمنوا بأن الله حكم عدل قهار فإذا حققتم الإيمان بذلك أوجب لكم الإنصاف من أنفسكم والامتناع عن الظلم لأن فوق أيديكم يد الواحد القهار واعلموا أن لكم موقفاً بين يدي الله عز وجل يقضي فيه للمظلوم من الظالم حتى يتمنى القاضي العادل أنه لم يقض بين اثنين في تمرة لما يرى من أخذ الظلمة فيخاف أن يكون قد ظلم فيتمنى أن يكون قد سلم لكن القاضي العادل الذي علم الحق فقضى به ليس عليه إثم ولا وبال بل هو في الجنة وغير القاضي من الولاة مثله فليحذر من ولاه الله على شيء أن يظلم وليتذكر أن الله حكم عدل قهار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ] ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون[ .بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم . . . .الخ .
خطبة في ذكر بعض آيات الله الكونية
الحمد لله الملك الحق المبين الذي أبان لعباده من آياته ما به عبرة للمعتبرين وهداية للمهتدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً .
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحمدوه على ما أراكم من آياته الدالة على وحدانيته وعلى كمال ربوبيته فإن في كل شيء له آية تدل على أنه إله واحد كامل العلم والقدرة والرحمة فمن آياته خلق السموات والأرض فمن نظر إلى السماء في حسنها وكمالها وارتفاعها وقوتها عرف بذلك تمام قوله تعالى:
]أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها . رفع سمكها فسواها[ ] والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون[ ]فارجح البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير[ ] أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج[ ومن نظر إلى الأرض كيف مهدها الله وسلك لنا فيها سبلاً وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ويسرها لعباده فجعلها لهم ذلولاً يمشون في مناكبها ويأكلون من رزقه فيحرثون ويزرعون ويستخرجون منها الماء فيسقون ويشربون وكيف جعلها الله تعالى قراراً للخلق لا تضطرب بهم ولا تزلزل بهم إلا بإذن الله: ]وفي الأرض آيات للموقنين [ ]وفي الأرض قطع متجاورات[ مختلفة في ذاتها وصفاتها ومنافعها ]و[ ]في الأرض جنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل [فمن تأمل ذلك علم كمال قدرة الله تعالى ورحمته بعباده .
ومن آياته ما بث الله تعالى في السموات والأرض من دابة ففي السماء ملائكته لا يحصيهم إلا الله تعالى ما من موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم لله تعالى أو راكع أو ساجد يطوف منهم كل يوم بالبيت المعمور في السماء السابعة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة وفي الأرض من أجناس الدواب وأنواعها مالا يحصى أجناسه فضلاً عن أنواعه وأفراده هذه الدواب مختلفة الأجناس والأشكال والأحوال فمنها النافع للعباد الذي به يعرفون كمال نعمة الله عليهم ومنها الضار الذي يعرف الإنسان به قدر نفسه وضعفه أمام خلق الله وهذه الدواب المنتشرة في البراري والبحار تسبح بحمد الله وتقد س له وتشهد بتوحيده وربوبيته ] تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم[ وكل هذه الدواب رزقها على خالقها وبارئها ] وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها[ .
ومن آياته تعالى الليل والنهار الليل جعله الله تعالى سكناً للعباد يسكنون فيه وينامون ويستريحون والنهار جعله الله تعالى معاشاً للناس يبتغون فيه من فضل الله ] قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون . ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون[ .
ومن آيات الله تعالى الشمس والقمر حيث يجريان في فلكهما منذ خلقهما الله تعالى حتى يأذن بخراب العالم يجريان بسير منتظم لا تغير فيه ولا انحراف ولا فساد ولا اختلاف ]والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم . والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم . لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون[ ومن آياته تعالى هذه الكواكب والنجوم العظيمة التي لا يحصيها كثرة ولا يعلمها عظمة إلا الله تعالى فمنها السيارات ومنها الثوابت ومنها المتصاحبات التي لا تزال مقترنة ومنها المتفارقات التي تجتمع أحياناً وتفترق أحياناً تسير بأمر الله تعالى وتدبيره زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها فالكون كله من آيات الله جملة وتفصيلاً هو الذي خلقه وهو المدبر له وحده لا يدبر الكون نفسه ولا يدبره أحد غير الله يقول الله تعالى مبرهناًعلى ذلك : ] أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون . أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون[ نعم فالعالم لم يخلق نفسه ولم يكن مخلوقاً من غير شيء بل لا بد له من خالق يخلقه ويقوم بأمره وهو الله سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه .
أيها الناس: لو حدثتم بقصر مشيد مكتمل البناء قد بنى نفسه لقلتم : هذا من أكبر المحال ولو قيل لكم : إن هذا القصر وجد صدفة لقلتم : هذا أبلغ محالاً إذاً فهذا الكون الواسع كون العالم العلوي والعالم السفلي لا يمكن أن يوجد نفسه ولا يمكن أن يوجد صدفة بلا موجد بل لا بد له من موجد واحد عليم قادر وهو الله سبحانه وتعالى.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ]إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين [ إلى قوله تعالى: ] فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون[ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ....الخ .
خطبة في ذكر بعض آيات الله الكونية أيضاً
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وجعل في ذلك من المصالح العظيمة والحكم البالغة ما تتقاصر دونه فهوم ذوي الأفهام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنام ومصباح الظلام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام وسلم تسليماً.
أما بعد: أيها الناس اتقوا ربكم واشكروه على ما هداكم وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون علمكم ما فيه صلاح دينكم ودنياكم وحجب عنكم من العلم مالا تدركه عقولكم ولا تتعلق به مصالحكم رحمة بكم ]وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً [.
علمكم كيف ابتدأ خلق هذا العالم وهو الأمر الذي لا يمكن علمه إلا من طريق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فكل من ذكر شيئاً عن كيفية خلق السموات والأرض فإن الواجب أن نعرض قوله على ما جاءت به الرسل فإن طابقه فهو مقبول وإن خالفه فهو مردود وإن كان مسكوتاً عنه فيما جاءت به الرسل فإننا نتوقف فيه حتى يتبين لنا أمره من حق أو باطل .
لقد علمنا الله أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ابتدأ خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من
فوقها وهيأها لما تصلح له من الأقوات في يومين آخرين فتلك أربعة أيام ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها فتلك ستة أيام خلق الله فيها السموات والأرض وأودع فيهن مصالحهن فأخرج من الأرض ماءها ومرعاها وقدر الأقوات فيها تقديراً يناسب الزمان والمكان لتكون الأقوات متنوعة ومستمرة أنواعها في كل زمان وليتبادل الناس الأقوات فيما بينهم يصدر هذا إلى هذا وهذا إلى هذا فيحصل بذلك من المكاسب والاتصال بين الناس ما فيه مصلحة الجميع وزين الله السماء الدنيا بمصابيح وهي النجوم وجعلها رجوماً للشياطين التي تسترق السمع من السماء وعلامات يهتدي بها الناس في البر والبحر .
وسخر لعباده الليل والنهار يتعاقبان على الأرض لتقوم مصالح العباد في دينهم ودنياهم وقد بين الله تعالى فضله علينا في ذلك حيث يقول لنبيه، صلى الله عليه وسلم،: ] قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون . ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون[.
واختلاف الليل والنهار يكون بسبب دوران الشمس على الأرض فإن الله سخر لنا الشمس والقمر دائبين وجعلهما آيتين من آيات الله الدالة على كمال قدرته وسعة رحمته فمنذ خلقهما الله تعالى وهما يسيران في فلكيهما على حسب أمر الله لا يرتفعان عنه صعوداً ولا ينحدران عنه نزولاً ولا يميلان يميناً ولا شمالاً وقدرهما منازل لتعلموا عدد السنين والحساب فباختلاف منازل القمر تختلف الأهلة والشهور وباختلاف منازل الشمس تختلف الفصول فإذا حلت الشمس آخر البروج الشمالية انتهى النهار في الطول ودخل فصل القيظ ثم ترجع شيئاً فشيئاً حتى ترجع إلى البروج اليمانية فإذا حلت آخر برج منها انتهى الليل في الطول ودخل فصل الشتاء وفي اختلاف الفصول من المصالح وتنوع الأقوات ما يعرف به قدر نعمة الله ورحمته وحكمته .
وهكذا تسير الشمس والقمر في فلكيهما في انتظام باهر وسير محكم كل يجري إلى أجل مسمى إلى أن يأذن الله بخراب هذا العالم فتخرج الشمس من مغربها كما في صحيح البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين غربت الشمس: “أتدري أين تذهب؟” قلت: الله ورسوله أعلم قال: “فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها وتوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ويقال لها : ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها” . وفي هذا الحديث دليل ظاهر على أن الشمس تسير بنفسها كما يدل على ذلك قوله تعالى: ]والشمس تجري لمستقر لها[ وقوله: ] كل يجري إلى أجل مسمى[ وقوله: ]وكل في فلك يسبحون[ فهذه الأدلة تكذب ما يقال من أن الشمس ثابتة لا تدور وتدل على أنه قول باطل يجب رده وتكذيبه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ]الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار . وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار[ أقول قولي هذا... الخ.