(الشفاعة)

فتاوى ابن عثمين

الشفاعة لغة: جعل الوتر شفعاً.
واصطلاحاً: التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة.
والشفاعة يوم القيامة نوعان: خاصة بالنبي، صلى الله عليه وسلم ، وعامة له ولغيره.
فالخاصة به، صلى الله عليه وسلم ، شفاعته العظمى في أهل الموقف عند الله ليقضي بينهم حين يلحقهم من الكرب والغم مالا يطيقون، فيذهبون إلى آدم، فنوح فإبراهيم، فموسى، فعيسى، وكلهم يعتذرون فيأتون إلى النبي، صلى الله عليه وسلم ، فيشفع فيهم إلى الله فيأتي سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده.
وقد ذكرت هذه الصفة في حديث الصور المشهور لكن سنده ضعيف متكلم فيه وحذفت من الأحاديث الصحيحة فاقتصر منها على ذكر الشفاعة في أهل الكبائر.
قال ابن كثير وشارح الطحاوية: وكان مقصود السلف من الاقتصار على الشفاعة في أهل الكبائر هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة.
وهذه الشفاعة لا ينكرها المعتزلة والخوارج ويشترط فيها إذاً الله لقوله تعالى: ]من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذاًه[.
النوع الثاني العامة: وهي الشفاعة فيمن دخل النار من المؤمنين أهل الكبائر أن يخرجوا منها بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحميماً. لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس، أو كما قال تصيبهم النار بذنوبهم، أو قال: بخطاياهم فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحماً إذاً في الشفاعة”. الحديث رواه أحمد.
قال ابن كثير في النهاية ص204ج2 : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه.
وهذه الشفاعة تكون للنبي، صلى الله عليه وسلم ، وغيره من الأنبياء، والملائكة والمؤمنين لحديث أبي سعيد عن النبي، صلى الله عليه وسلم ، وفيه: “فيقول الله تعالى :شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً”. متفق عليه.
وهذه الشفاعة ينكرها المعتزلة والخوارج بناء على مذهبهم أن فاعل الكبيرة مخلد في النار فلا تنفعه الشفاعة.
ونرد عليهم بما يأتي:
1- 1- أن ذلك مخالف للمتواتر من الأحاديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم .
2- 2- أنه مخالف لإجماع السلف.
ويشترط لهذه الشفاعة شرطان:
الأول: إذاً الله في الشفاعة لقوله تعالى: ]من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذاًه[. الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له لقوله تعالى: ]ولا يشفعون إلا لمن ارتضى[ . فأما الكافر فلا شفاعة له لقوله تعالى: ]فما تنفعهم شفاعة الشافعين[. أي لو فرض أن أحداً شفع لهم لم تنفعهم الشفاعة.
وأما شفاعة النبي، صلى الله عليه وسلم ، لعمه أبي طالب حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وإنه لأهون أهل النار عذاباً، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: “ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار”. رواه مسلم. فهذا خاص بالنبي، صلى الله عليه وسلم ، وبعمه أبي طالب، فقط، وذلك والله أعلم لما قام به من نصرة النبي، صلى الله عليه وسلم ، والدفاع عنه، وعما جاء به.