وأما المثلان:

فتاوى ابن عثمين

فأحدهما نعيم الجنة فقد أخبر الله تعالى: أن في الجنة طعاماً، وشراباً ولباساً، وزوجات، ومساكن، ونخلاً، ورماناً، وفاكهة، ولحماً، وخمراً، ولبناً، وعسلاً، وماء، وحلية من ذهب ولؤلؤ وفضة وغير ذلك، وكله حق على حقيقته، وهو في الاسم موافق لما في الدنيا من حيث المعنى لكنه مخالف له في الحقيقة.
• • أما موافقته لما في الدنيا في المعنى فلأن الله تعالى: قال عن القرآن: ) إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون ( . ولولا موافقته له في المعنى ما فهمناه ولا عقلناه.
• • وأما مخالفته له في الحقيقة فلقوله تعالى: ) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( . وقوله في الحديث القدسي: ” أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ” ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء”.
فإذا كانت هذه الأسماء دالة على مسمياتها حقيقة وكان اتفاقها مع ما في الدنيا من الأسماء لا يستلزم اتفاق المسميات في الحقيقة بل بينهما من التباين مالا يعلمه إلا الله، فإن مباينة الخالق للمخلوق أعظم وأظهر من مباينة المخلوق للمخلوق، لأن التباين بين المخلوقات تباين بين مخلوق ومخلوق مثله فإذا ظهر التباين بينها كان بينها وبين الخالق أظهر وأولى.
وقد انقسم الناس في هذا المقام مقام الإيمان بالله واليوم الآخر إلى ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: السلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، وأنه حق على حقيقته مع اعتقادهم التباين بين ما في الدنيا وما في الآخرة، وأن التباين بين الخالق والمخلوق أولى وأعظم وأبين لقوله تعالى:)ليس كمثله شيء وهو السميع البصير(.
الفرقة الثانية: طوائف من أهل الكلام يؤمنون بما أخبر الله به عن اليوم الآخر من الثواب والعقاب، وينفون كثيراً مما أخبر الله به عن نفسه من الصفات.
الفرقة الثالثة: القرامطة، والباطنية، والفلاسفة لا يؤمنون بما أخبر الله به عن نفسه، ولا عن اليوم الآخر بل ينكرون حقائق هذا وهذا.
فمذهبهم فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر أنه تخييل لا حقيقة له.
وأما في الأمر والنهي فكثير منهم يجعلون للمأمورات والمنهيات تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها فيقولون: المراد بالصلوات معرفة أسرارهم، وبالصيام كتمان أسرارهم، وبالحج السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أنه كذب وافتراء وكفر وإلحاد.
وقد يقولون : إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا وصل الرجل إلى درجة العارفين والمحققين عندهم ارتفعت عنه التكاليف فسقطت عنه الواجبات وحلت له المحظورات.
وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.
وهؤلاء الباطنية هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى لعظم إلحادهم ومخالفتهم لجميع الشرائع الإلهية.
المثل الثاني: الروح التي بها الحياة وهي أقرب شيء إلى الإنسان، بل هي قوام الإنسان وقد وصفت في النصوص بأنها تقبض من البدن، ويصعد بها إلى السماء، وتعاد إلى البدن، ولا ينكر أحد وجودها حقيقة، وقد عجز الناس عن إدراك كنهها وحقيقتها إلا ما علموه عن طريق الوحي، واضطربوا فيها اضطراباً كثيراً لكونهم لا يشاهدون لها نظيراً.
فمنهم طوائف من أهل الكلام جعلوها البدن، أو جزءاً منه، أو صفة من صفاته.
ومنهم طوائف من أهل الفلسفة وصفوها بأمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود فقالوا: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مداخلة له ولا مباينة ولا متحركة ولا ساكنة،ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض. وقد يقولون : إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، كما يصفون بذلك الخالق الواجب الوجود.
فإذا قيل لهم: إثبات هذا القول ممتنع في العقل ضرورة، قالوا: هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها. وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فإن الذهن يفرض أشياء في الخيال لا يمكن وجودها في الخارج كأن يتخيل ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما مع أن هذا ممتنع.
واعلم أن اضطراب المتكلمين والفلاسفة في الروح كثير وله سببان:
أحدهما: قلة بضاعتهم مما جاء به الوحي في صفاتها.
والثاني: أنهم لا يشاهدون لها نظيراً، فإن الروح ليست من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها، وإنما هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس فعرفها الفلاسفة بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وجعلها المتكلمون من جنس الأجسام المشهودة فطريق الفلاسفة فيها تعطيل وطريق المتكلمين فيها تمثيل. وكلا الطريقين خطأ.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الروح إذا قبضت اتبعها البصر وأن الملائكة تجعلها في كفن وتصعد بها إلى السماء ومع هذا فالعقول قاصرة عن إدراك كنهها وحقيقتها كما قال تعالى: ) ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً( .
فإذا كانت الروح حقيقة، واتصافها بما وصفت به في الكتاب والسنة حقيقة مع أنها لا تماثل الأجسام المشهودة كان اتصاف الخالق بما يستحقه من صفات الكمال مع مباينته للمخلوقات من باب أولى، وكان عجز أهل العقول عن أن يحدوا الله أو يكيفوه أبين من عجزهم عن حد الروح وتكييفها.
وإذا كان من نفى صفات الروح جاحداً معطلاً، ومن مثلها بما يشاهد من المخلوقات جاهلاً بها ممثلاً، فالخالق سبحانه أولى أن يكون من نفى صفاته جاحداً معطلاً، ومن قاسه بخلقه جاهلاً به ممثلاً الخاتمة
هذه الخاتمة تشتمل على قواعد عظيمة مفيدة:
القاعدة الأولى:
أن الله تعالى: موصوف بالنفي والإثبات
يعني أن الله تعالى: جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات كما قال تعالى: ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( . وإنما جمع الله تعالى: لنفسه بين النفي والإثبات لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص، وإثبات صفات الكمال، وكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص كالإعياء، واللغوب، والعجز، والظلم، ومماثلة المخلوقين.
وكل ما أثبته الله تعالى: لنفسه فهو صفات كمال كما قال الله تعالى: ) ولله المثل الأعلى( . سواء كانت من الصفات الذاتية التي يتصف بها أزلاً وأبداً، أم من الصفات الفعلية التي يتصف بها حيث تقتضيها حكمته، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتاً له أزلاً وأبداً فإن الله تعالى: لم يزل ولا يزال فعالاً.