تتمة( شرح حديث جبريل عليه السلام)

فتاوى ابن عثمين

فعندنا ثلاثة أشياء: المشيئة، والمحبة، والإرادة، وهذه الثلاثة ليست بمعنى واحد، بل تختلف.
المشيئة: تتعلق بالأمور الكونية سواء كانت محبوبة لله أو مكروهة له، أي إن الله تعالىقد يشاء الشيء وهو لا يحبه، وقد يشاء الشيء وهو يحبه.
فالمعاصي كائنة بمشيئة الله، وهو لا يحبها، والفساد في الأرض كائن بمشيئة الله، والله لا يحب الفساد، والكفر كائن بمشيئة الله، والله لا يحب الكفر.
فالمشيئة إذاً تتعلق بالأمور الكونية فيشاء الله كوناً مالا يحبه وما يحبه.
المحبة: تتعلق بالأمور الشرعية، فلا تكون إلا فيما يبيحه الله، فالمعاصي غير محبوبة لله، وأما الطاعات فهي محبوبة له سبحانه، سواءً حصلت أم لم تحصل.
الإرادة: ولها جانبان: جانب تكون فيه بمعنى المشيئة، وجانب تكون فيه بمعنى المحبة، فإذا كانت بمعنى المحبة فهي الإرادة الشرعية، وإذا كانت بمعنى المشيئة فهي الإرادة الكونية.
وإذا كانت الإرادة شرعية وهي التي تكون بمعنى المحبة، فإنه لا يلزم منها وقوع المراد مثل قوله تعالى: ]والله يريد أن يتوب عليكم[، فهذه إرادة شرعية بمعنى المحبة، لأنها لو كانت بمعنى المشيئة لوقعت التوبة على جميع الناس، ونحن نشاهد أن من الناس من يتوب ومنهم من لا يتوب.
وأما الإرادة الكونية التي بمعنى المشيئة فيلزم فيها وقوع المراد، فإذا أراد الله شيئاً كوناً وقع ولابد وهذه الإرادة كالمشيئة، تكون فيما يحبه وفيما لا يحبه، لكن إذا أراد الله شيئاً بهذا المعنى وقع ولا بد،مثل قوله تعالى:]ولكن الله يفعل ما يريد[.فإنه كقوله:]ويفعل الله مايشاء[، سواء بسواء ومثل قوله: ]إن كان الله يريد أن يغويكم[، فإنها بمعنى يشاء أن يغويكم، وليست بمعنى يحب أن يغويكم، لأن الله تعالىلا يحب أن يغوي عباده.
ويمكن أن تتفق الإرادتان ـ الشرعية والكونية ـ في حادث واحد، مثل إيمان أبي بكر فهذا مراد لله شرعاً وكوناً، لأن الله يحبه فهو مراد له شرعاً، ولأنه وقع فهو مراد له كوناً.
وتنتفي الإرادتان مثل (كفر المؤمن) فهو غير مراد لله شرعاً، لأنه يكرهه، وغير مراد لله كوناً، لأنه لم يقع.
ومثال الإرادة الكونية دون الشرعية مثل (كفر أبي جهل وأبي لهب)، فقد تعلق بكفرهما الإرادة الكونية، لأنه وقع الكفر دون الشرعية، لأن الله لا يحب الكافرين.
ومثال الإرادة الشرعية دون الكونية، مثل (إيمان فرعون) فهو مراد شرعاً، لأن الله - عز وجل - أرسل إليه موسى ودعاه، لكن الله لم يرده كوناً، فلذلك لم يقع ولم يؤمن فرعون.

المبحث الثاني: كراهية الله سبحانهللكفر مع إرادته له:
إذا كان الله ـ سبحانه وتعالى ـ يكره الكفر فكيف يريده مع أنه لا أحد يُكْرِه الله ـ عز وجل ـ؟ فالجواب: أن المراد نوعان:
النوع الأول: مراد لذاته: وهو المحبوب، فالشيء المحبوب يريده من يريده لذاته كالإيمان، فالإيمان مراد لله كوناً وشرعاً، لأنه مراد لذاته.
النوع الثاني: المراد لغيره بمعنى أن الله تعالى يقدره لا لأنه يحبه، ولكن لما يترتب عليه من المصالح فهو مراد لغيره، فيكون من هذه الناحية مشتملاً على الحكمة وليس فيه إكراه.
مثال ذلك: الكفر مكروه لله - عز وجل - ولكن الله يقدره على العباد، لأنه لولا الكفر لم يتميز المؤمن من الكافر، ولم يكن المؤمن محلاً للثناء، لأن كل الناس مؤمنون، وأيضاً لو لم يقع الكفر فلم يكن هناك جهاد فمن يجاهد المؤمن إذاً، ولو لم يقع الكفر ما عرف المؤمن قدر نعمة الله عليه بالإسلام، ولو لم يقع الكفر، وكان الناس كلهم مسلمين ما كان للإسلام فضل، ولا ظهر له فضل، ولو لم يقع الكفر لكان خلق النار عبثاً وقد أشار الله تعالىإلى هذا المعنى في قوله: ]ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين[، فتبين أن المراد الكوني ـ الذي يكون مكروهاً لله ـ يكون مراداً لغيره.
وأضرب مثلاً: ]ولله المثل الأعلى[، برجل له ابن يحبه حباً جماً، ولو سقطت عليه شرارة من نار، لكانت كالتي سقطت على قلب أبيه، من محبته له، فمرض هذا الابن فعرض على الأطباء، فقال الطبيب: لابد من كيه بمسمار من نار، فقال الأب: وهو كذلك، فهذا الكي للابن ليس محبوباً للأب لذاته بل محبوباً لغيره، فتجد هذا الأب أراد وبكل طمأنينة وراحة وانشراح صدر أراد أن يكوي ابنه بمسمار من نار، مع أنه لو سقطت على الابن شرارة لكانت ساقطة على قلب أبيه.
فعلم الآن أن المكروه قد يفعل، لا لذاته ولكن لغيره، فهكذا الكفر والمعاصي والفساد، يريدها الرب - عز وجل - لما تتضمنه من المصالح، فهي مرادة لغيرها لا لذاتها.

المبحث الثالث: قضاء الله والرضا به:
نحن نؤمن بأن الله سبحانهيقضي كل شيء، فنؤمن بقضاء الله أيّاً كان هذا القضاء، ويجب علينا أن نؤمن به ونرضى به أيا كان، لكن هل يجب علينا أن نرضى بالمقضي؟ أو لا نرضى؟.
نقول: هذا أقسام، فالمقضي نوعان:
الأول: مقضي شرعاً. والثاني: مقضي كوناً.
فالمقضي شرعاً: يجب علينا أن نرضى به، مثل أن قضى الله علينا بوجوب الصلاة، فيجب أن نؤمن بهذا القضاء، وأن نسلم لوجوب الصلاة، ومثل: أن قضى الله بتحريم الزنى، فيجب علينا أن نؤمن بهذا المقضي، وأن الزنى محرم، ومثل أن قضى الله بحل البيع فيجب علينا أن نرضى بذلك وأن نؤمن بأن البيع حلال، ومثل: أن قضى الله بتحريم الربا، فيجب علينا أن نؤمن بهذا، وأن نستسلم لتحريم الربا.
فالخط العريض لهذا المسألة أن القضاء الشرعي يجب الرضا به، والتسليم به ، لأن: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[.
وأما الثاني فهو القضاء الكوني: أي ما يقضي به الله كوناً ـ فإن كان محبوباً للنفس، ملائماً للطبع، فالرضا به من طبيعة الإنسان وفطرته، كما لو قضى الله ـ سبحانه وتعالى ـ للإنسان بعلم فإنه يرضى به، وكذلك لو قضى الله سبحانه للإنسان بمال فإنه يرضى به، وكذلك لو قضى بولد فإنه يرضى به.
وإما أن يكون المقضي كوناً غير ملائم للإنسان، ولا موافق لطبيعته مثل المرض، الفقر، الجهل، فقدان الأولاد، أو ما أشبه ذلك، فهذا اختلف العلماء فيه:
فمنهم من قال: يجب الرضا.
ومنهم من قال يستحب الرضا.
والصحيح: أن الرضا به مستحب.
وأحوال الإنسان عند هذا النوع من القضاء وهو القضاء الذي لا يلائم الطبع ويكون مكروهاً للإنسان أحواله عنده أربع: السخط، والصبر، والرضا، والشكر.
أولاً : السخط: وهو محرم كما لو أصيب رجل بمصيبة وهي تلف المال، فأخذ يتسخط من قضاء الله وقدره وصار يخمش وجهه، ويشق ثوبه، ويجد في نفسه كراهة لتدبير الله عز وجل، فهذا محرم، ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم، النائحة والمستمعة وقال: “ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية”.
هل هذا الفعل مع كونه محرماً، ومن كبائر الذنوب هل يبرد من حرارة المصيبة؟ أبداً لا يبرد من حرارة المصيبة، بل يزيدها، ويبدأ الإنسان يتسخط ويتحسر ولا يستفيد شيئاً، لأن هذا القضاء الذي قضاه الله ـ عز وجل ـ، لابد أن يقع مهما كان، يعني لا تقدر أنك لو لم تفعل كذا لم يكن كذا فهذا تقدير وهمي من الشيطان، فهذا المقدر لابد أن يكون، ولهذا قال النبي، عليه الصلاة والسلام: “ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك”. فلابد أن يقع كما أراد الله ـ عز وجل ـ، وقال النبي، صلى الله عليه وسلم :”احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء ـ أي بعد أن تحرص على ما ينفعك، وتستعين بالله ـ إن أصابك شيء لا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا فإن (لو) تفتح عمل الشيطان”.
فلو أن إنساناً خرج للنزهة بسيارته ـ التي هي من أحسن السيارات ـ فأصيب بحادث وتكسرت السيارة فبدأ يقول : لو أني ما خرجت لهذه النزهة مانكسرت السيارة ، ويندم نفسه، ويلوم نفسه، فهل ينفعه هذا؟ أبداً لا ينفع، لأن هذا كتب وسيجري الأمر بما كتب مهما كان.
ثانياً: الصبر: يتألم الإنسان من المصيبة جداً ويحزن، ولكنه يصبر، لا ينطق بلسانه، ولا يفعل بجوارحه، قابض على قلبه، موقفه أنه قال: “اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها”. “إنا لله وإنا إليه راجعون”، فحكم الصبر هنا الوجوب، فيجب على الإنسان أن يصبر على المصيبة، وألا يحدث قولاً محرماً، ولا فعلاً محرماً.
ثالثاً: الرضا: تصيبه المصيبة فيرضى بقضاء الله، والفرق بين الرضا والصبر، أن الراضي لم يتألم قلبه بذلك أبداً، فهو يسير مع القضاء “إن إصابته ضراء صبر فكان خيراً له وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له”، ولا يرى الفرق بين هذا وهذا بالنسبة لتقبله لما قدره الله ـ عز وجل ـ، أي إن الراضي تكون المصيبة وعدمها عنده سواء. هذه المسألة يقول بعض العلماء: إنها واجبة، لكن جمهور أهل العلم على أنها ليست بواجبة، بل مستحبة، فهذه لاشك أنها أكمل حالاً من الصبر، وأما أن نلزم الناس ونقول : يجب عليكم أن تكون المصيبة وعدمها عندكم سواء، فهذا صعب ولا أحد يتحمله، فالصبر يستطيع الإنسان أن يصبر، ولكن الرضا يعجز أن يرضى.
رابعاً: الشكر: وهذه قد يستغربها الإنسان ، فكيف يمكن للإنسان أن يصاب بمصيبة فيشكر الله ، وهل هذا إلا مناف لطبيعة البشر؟ ولكن يكون هذا إذا عرف الإنسان قدر ثواب المصيبة إذا صبر عليها قال تعالى : ] إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب[، وقال: ]وبشر الصابرين . الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون .أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة[، فيقول: ما أرخص الدنيا عندي، وما أقلها في عيني، إذا كنت أنال بهذه المصيبة التي صبرت عليها أنال هذه الصلوات وهذه الرحمة من الله - عز وجل - وهذا الأجر الذي أوفاه بغير حساب ، فيشكر الله على هذه النعمة ويرى أن هذه من نعمة الله عليه، لأن كل الدنيا زائلة وفانية، والأجر، والصلوات، والرحمة باقية، فيشكر الله على هذه المصيبة ـ والشكر هنا على المصيبة مستحب وليس بواجب، لأنه أعلى من الرضا ـ أما الشكر على النعم فهو واجب.
فهذه هي مراتب الإنسان بالنسبة للمقضي كوناً مما يخالف الطبيعة ولا يلازم رغبة الإنسان.
وهنا مسألة: إذا قال قائل: ما تقولون في الرضا بالنسبة لما يفعله الإنسان من الأمور الشرعية كما لو زنى إنسان، أو سرق، فهل ترضون بزناه وسرقته؟.
فالجواب: أن فيها نظرين: الأول باعتبار أن الله قدرها وأوجدها، فهي من هذه الناحية قضاء كوني يجب علينا أن نرضى به، فلا نقول : لماذا جعل الله الزاني يزني، وجعل السارق يسرق، فليس لنا أن نعترض.
أما بالنسبة لفعل العبد لها فلا نرضى، ولهذا فإننا نقيم عليه الحد قال تعالى: ]الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين[،وفي السارق قال الله تعالى:]والسارق والسارقة فاقطعواأيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيزحكيم[، ومعلوم أن جلدهما، وقطع يد السارق والسارقة غير رضا، فلو كان رضا ما كنا تعرضنا لهم بالعقوبة.

المبحث الرابع: احتجاج المذنبين بالقدر:
نحن ذكرنا أن كل شيء قد كتبه الله، وكل شيء بمشيئة الله، وكل شيء مخلوق لله، فهل هذا الإيمان يستلزم أن يكون للعاصي حجة على معصية؟ أولا؟ كما لو أمسكنا رجلاً يعصي الله، فقلنا له : لم تفعل المعصية؟ فقال: هذا بقضاء الله وقدره، فهذا صحيح، لكن إذا جاء بهذه الكلمة ليحتج بها على معصية، فنقول: هذه الحجة باطلة، ولا حجة لك بالقدر على معصية الله ـ عز وجل ـ، ودليل ذلك قال الله تعالى: ]سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا[، فلم يقرهم الله سبحانه على احتجاجهم والدليل على أنه لم يقرهم قوله: ]حتى ذاقوا بأسنا[، ولو كان لهم حجة في ذلك ما أذاقهم الله بأساً.
ولكن سيورد علينا مورد خلاف ما قررناه ، سيقول قائل: ألم يقل الله تعالى : ]اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين . ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل [، فيكف تقول : إن الله أبطل حجة الذين قالوا: ]لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا[ والله - عز وجل - يقول لرسوله: ]ولو شاء الله ما أشركوا[؟
فالجواب: هناك فرق بين المراد في الآيتين، أما قوله: ]اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين . ولو شاء الله ما أشركوا[، فهذا تسلية للرسول، صلى الله عليه وسلم ، يبين الله له أن شركهم واقع بمشيئة الله، من أجل أن يطمئن الرسول، صلى الله عليه وسلم ، ويعلم أنه إذا كان بمشيئة الله فلابد أن يقع، ويكون به الرضا.
أما الآية الثانية: ]سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا....[، فإنما أبطل الله ذلك لأنهم يريدون أن يحتجوا بالقدر على الشرك والمعصية، فهم لو احتجوا بالقدر للتسليم به مع صلاح الحال لقبلنا ذلك منهم، كما لو أنهم عندما أشركوا قالوا: هذا شيء وقع بمشيئة الله، ولكن نستغفر الله ونتوب إليه من ذلك، لقلنا: أنتم صادقون، أما أن يقولوا حين ننهاهم عن الشرك: ]لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء....[، فهذا غير مقبول منهم إطلاقاً.
ثانياً: ويدل على بطلان احتجاج العاصي بالقدر أيضاً قول الله تعالىحين ذكر الرسل: ]إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده[، قال: ]رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل[ ووجه الدلالة بهذه الآية أن القدر لو كان حجة لم تنقطع هذه الحجة بإرسال الرسل، لأن القدر قائم حتى بعد إرسال الرسل، فلما كان إرسال الرسل حجة تقطع عذر العاصي تبين أن القدر ليس حجة للعصاة، ولو كان القدر حجة لهم لبقي حجة لهم حتى بعد إرسال الرسل، لأن القدر لا ينقطع بإرسال الرسل.
ثالثاً: ومن الأدلة على بطلان الاحتجاج بالقدر أن يقال لمن احتج بالقدر: إن أمامه الآن طريقين، طريق خير، وطريق شر، وهو قبل أن يدخل طريق الشر، هل يعلم أن الله قدر له أن يدخل طريق الشر؟ لا يعلم بلا شك، وإذا كان لا يعلم فلماذا لا يقدر أن الله قدر له طريق الخير؟! لأن الإنسان لا يعلم ما قدره الله إلا بعد أن يقع، لأن القضاء كما قال بعض العلماء: “سر مكتوم”، لا يعلم إلا بعد أن يقع ونشاهده فنقول للعاصي: أنت أقدمت على المعصية، وحين إقدامك لا تعلم أن الله قدرها لك ، فإذا كنت لا تعلم فلماذا لا تقدر أن الله قدر لك الخير فتلج باب الخير؟!
رابعاً: أن نقول له: أنت في شؤون دنياك تختار الخير أم الشر؟ فسيقول: الخير، فنقول له : لماذا لا تختار في شؤون الآخرة ما هو خير؟!
ومثل ذلك: إذا قلنا له : أنت الآن ستسافر إلى المدينة قال: نعم. فقلنا له: هناك طريقان طريق اليسار غير مسفلت، وفيه قطاع طريق، وأخطار عظيمة، وأما الطريق الأيمن فهو مسفلت وآمن فمن أين ستسافر؟ بالتأكيد أنه سيقول : من الأيمن، فنقول له: لماذا في أمور الدنيا تذهب إلى الأيمن الذي فيه الخير والنجاة؟! لماذا لا تذهب مع الطريق الأيسر، الذي فيه قطاع الطريق وغير معبد وتقول : هذا مقدر علي؟! فسيقول: أنا لا أعلم المقدر ولكن بنفسي أختار الطيب. فنقول: لماذا لا تختار في طريق الآخرة ما هو طيب؟!
مثال آخر: إذا أمسكنا واحداً من الناس، وبدأنا نضربه ضرباً مبرحاً، وهو يصيح ونحن نقول له: هذا قضاء الله وقدره، وكلما صاح ضربناه وقلنا له: هذا قضاء الله وقدره، فهل يقبل هذه الحجة؟ بالتأكيد أنه لن يقبلها، مع أنه إذا عصى الله قال: هذا قضاء الله وقدره ولكن نحن إذا عصينا الله فيه ما يقبل أن نقول له: هذا قضاء الله وقدره، بل يقول: هذا من فعلكم أنتم، أليست هذه حجة عليه؟ ولهذا يذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -جيء إليه بسارق فأمر بقطع يده، لأن السارق يجب أن تقطع يده، فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين، فوالله ما سرقت إلا بقضاء الله وقدره، فهو صادق لكن أمامه عمر فقال له رضي الله عنه: ونحن لا نقطعك إلا بقضاء الله وقدره، فأمر بقطعه بقضاء الله وقدره، فاحتج عليه عمر بما احتج به هو على عمر.
فإذا قال قائل: إن لدينا حديثاً أقر فيه النبي، صلى الله عليه وسلم ، الاحتجاج بالقدر وهو: أن آدم احتج هو وموسى فقال له موسى: أنت أبونا خيبتنا أخرجتنا ونفسك من الجنة، فقال له آدم: أتلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني؟ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: “فحج آدم موسى، فحج آدم موسى”، أي غلبه بالحجة مع أن آدم احتج بقضاء الله وقدره. فهل هذا الحديث إلا إقرار للاحتجاج بالقدر؟.
فالجواب أن نقول: إن هذا ليس احتجاجاً بالقضاء والقدر على فعل العبد ومعصية العبد، لكنه احتجاج بالقدر على المصيبة الناتجة من فعله، فهو من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، ولهذا قال: “خيبتنا، أخرجتنا ونفسك من الجنة”. ولم يقل: عصيت ربك فأخرجت من الجنة.
إذاً احتج آدم بالقدر على الخروج من الجنة الذي يعتبر مصيبة، والاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به.
أرأيت لو أنك سافرت سفراً، وحصل لك حادث، وقال لك إنسان: لماذا تسافر، لو أنك بقيت في بيتك ما حصل لك شيء؟ فبماذا ستجيبه؟ الجواب: أنك ستقول له: هذا قضاء الله وقدره، أنا ما خرجت لأجل أن أصاب بالحادث، وإنما خرجت لمصلحة فأصبت بالحادث، كذلك آدم عليه الصلاة والسلام، هل عصى الله لأجل أن يخرجه من الجنة؟ لا فالمصيبة إذاً التي حصلت له مجرد قضاء وقدر، وحينئذ يكون احتجاجه بالقدر على المصيبة الحاصلة احتجاجاً صحيحاً، ولهذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم: “فحج آدم موسى فحج آدم موسى”.
مثال آخر: ما تقولون في رجل أصاب ذنباً وندم على هذا الذنب وتاب منه، وجاء رجل من إخوانه يقول له: يا فلان كيف يقع منك هذا الشيء؟ فقال: هذا قضاء الله وقدره. فهل يصح احتجاجه هذا أولا؟ نعم يصح، لأنه تاب فهو لم يحتج بالقدر ليمضي في معصيته، لكنه نادم ومتأسف.
ونظير ذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، دخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعلى فاطمة بنت محمد رضي الله عنها وصلى الله وسلم على أبيها، فوجدهما نائمين، فكأن النبي، صلى الله عليه وسلم ، لامهما لماذا لم يقوما؟ فقال علي بن أبي طالب: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله فإن شاء الله أمسكها، وإن شاء أرسلها،فخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، يضرب على فخذه وهو يقول: ]وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً[ فهل الرسول قبل حجته؟ لا، لكن الرسول، صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ، يبين أن هذا من الجدل، لأن الرسول، صلى الله عليه وسلم ، يعلم أن الأنفس بيد الله، لكن يريد أن يكون الإنسان حازماً، فيحرص على أن يقوم ويصلي.
على كل حال تبين لنا أن الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، وكذلك الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها جائز، وأما الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريراً لموقف الإنسان واستمراراً فيها فغير جائز.

المبحث الخامس: هل الانسان مسير أم مخير؟
شاعت كلمة بين الناس في هذا الزمن المتأخر وهي قولة: هل الإنسان مسير أم مخير؟
الأفعال التي يفعلها الإنسان يكون مخيراً، فالإنسان مخير، فبإمكانه أن يأكل، ويشرب، ولهذا بعض الناس إذا سمع أذان الفجر قام إلى الماء ليشرب، وذلك باختياره، وكذلك إذا جاء الإنسان النوم فإنه يذهب إلى فراشه لينام باختياره، وإذا سمع أذان المغرب، والتمر أمامه والماء، فإنه يأكل باختياره، وهكذا جميع الأفعال تجد أن الإنسان فيها مخير، ولولا ذلك لكان عقوبة العاصي ظلماً، فكيف يعاقب الإنسان على شيء ليس فيه اختيار له، ولولا ذلك لكان ثواب المطيع عبثاً، فكيف يثاب الإنسان على شيء لا اختيار له فيه؟! وهل هذا إلا من باب العبث؟.
إذاً فالإنسان مخير، ولكن ما يقع من فعل منه فهو بتقدير الله، لأن هناك سلطة فوق سلطته ولكن الله لا يجبره، فله الخيار ويفعل باختياره.
ولهذا إذا وقع الفعل من غير إرادة من الإنسان لا ينسب إليه، قال تعالىفي أصحاب الكهف: ]ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال[، فنسب الفعل ]نقلبهم[ إليه سبحانه، لأن هؤلاء نوم فلا اختيار لهم، وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: “من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه”. فنسب الإطعام والسقي إلى الله، لأن الناسي ما فعل الشيء باختياره فلم يختر أن يفسد صومه بالأكل والشرب.
الحاصل أن هذه العبارة لم أرها في كتب المتقدمين من السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولا في كلام الأئمة، ولا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، أو ابن القيم أو غيرهم ممن يتكلمون، لكن حدثت هذه أخيراً، وبدؤوا يطنطنون بها، “هل الإنسان مسير أم مخير؟” ونحن نعلم أننا نفعل الأشياء باختيارنا وإرادتنا، ولا نشعر أبداً أن أحداً يكرهنا عليها ويسوقنا إليها سوقاً، بل نحن الذين نريد أن نفعل فتفعل، ونريد أن نترك فنترك.
لكن كما أسلفنا أولاً في مراتب القدر فإن فعلنا ناشىء عن إرادة جازمة وقدرة تامة، وهذان الوصفان في أنفسنا، وأنفسنا مخلوقة لله، وخالق الأصل خالق للفرع.
فوائد الإيمان بالقضاء والقدر:
الإيمان بالقضاء والقدر له فوائد:
أولاً: تكميل الإيمان بالله فإن القدر قدر الله - عز وجل - فالإيمان به من تمام الإيمان بالله ـ عز وجل ـ.
ثانياً: استكمال لأركان الإيمان: لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، ذكره ضمن الإيمان في حديث جبريل.
ثالثاً: أن الإنسان يبقى مطمئناً لأنه إذا علم أن هذا من الله رضي واطمأن وعرف أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وقد قلنا : إنه لا يمكن أن يغير الشيء عما وقع أبداً، فلا تحاول، ولا تفكر، ولا تقل : (لو)، فالذي وقع لا يمكن أن يتغير أو يتحول.
رابعاً: أن هذا من تمام الإيمان بربوبية الله، وهذا يشبه الفائدة الأولى، لأن الإنسان إذا رضي بالله رباً استسلم لقضائه وقدره واطمأن إليه.
خامساً: إن الإيمان بالقدر على وجه الحقيقة يكشف للإنسان حكمة الله - عز وجل - فيما يقدره من خير أو شر، ويعرف به أن وراء تفكيره وتخيلاته من هو أعظم وأعلم، ولهذا كثيراً ما نفعل الشيء أو كثيراً ما يقع الشيء فنكرهه وهو خير لنا. فأحياناً يشاهد الإنسان رأي العين أن الله يعسر عليه أمراً يريده، فإذا حصل ما حصل وجد أن الخير في عدم حدوث ذلك الشيء. وما أكثر ما نسمع أن فلاناً قد حجز في الطائرة الفلانية على أنه سيسافر، ثم يأتي فيجد أن الطائرة قد أقلعت، وفاته السفر، فإذا بالطائرة يحصل عليها حادث. فهو عندما حضر أولاً ليركب فيها ووجد أنها أقلعت يحزن، لكن عندما يقع الحادث يعرف أن هذا خير له، ولهذا قال الله تعالى: ]كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون[ .
بقي علينا في حديث عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -سؤال جبريل النبي، صلى الله عليه وسلم ، عن الإحسان، والساعة حيث قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ما الإحسان ؟ قال النبي، صلى الله ةعليه وسلم: “أن تعبد الله كأنك تراه: فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقال أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟”.
أولاً: الإحسان:
الإحسان: ضد الإساءة، وهو أن يبذل الإنسان المعروف ويكف الأذى، فيبذل المعروف لعباد الله في ماله، وعلمه، وجاهه، وبدنه.
فأما المال فأن ينفق، ويتصدق، ويزكي، وأفضل أنواع الإحسان بالمال الزكاة، لأن الزكاة أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، ولا يتم إسلام المرء إلا بها، وهي أحب النفقات إلى الله ـ عز وجل ـ، ويلي ذلك، ما يجب على الإنسان من نفقة لزوجته، وأمه، وأبيه، وذريته، وإخوانه، وبني إخوته، وأخواته وأعمامه، وعماته، وخالاته إلى آخر هذا، ثم الصدقة على المساكين وغيرهم، ممن هم أهل للصدقة كطلاب العلم مثلاً.
وأما بذل المعروف في الجاه فهو أن الناس مراتب، منهم من له جاه عند ذوي السلطان فيبذل الإنسان جاهه، يأتيه رجل فيطلب منه الشفاعة إلى ذي سلطان يشفع له عنده، إما بدفع ضرر عنه، أو بجلب خير له.
وأما بعلمه فأن يبذل علمه لعباد الله، تعليماً في الحلقات والمجالس العامة والخاصة، حتى لو كنت في مجلس قهوة، فإن من الخير والإحسان أن تعلم الناس، ولو كنت في مجلس عام فمن الخير أن تعلم الناس، ولكن استعمل الحكمة في هذا الباب، فلا تثقل على الناس حيث كلما جلست مجلساً جعلت تعظهم وتتحدث إليهم، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم ، كان يتخولهم بالموعظة، ولا يكثر، لأن النفوس تسأم وتمل فإذا ملت كلت وضعفت، وربما تكره الخير لكثرة من يقوم ويتكلم.
وأما الإحسان إلى الناس بالبدن فقد قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: “وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة”. فهذا رجل تعينه تحمل متاعه معه، أو تدله على طريق أو ما أشبه ذلك فكل ذلك من الإحسان، هذا بالنسبة للإحسان إلى عباد الله.
وأما بالنسبة للإحسان في عبادة الله: فأن تعبد الله كأنك تراه، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم ، وهذه العبادة أي عبادة الإنسان ربه كأنه يراه عبادة طلب وشوق، وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثاً عليها، لأنه يطلب هذا الذي يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرب إليه ـ سبحانه وتعالى ـ، “فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وهذه عبادة الهرب والخوف، ولهذا كانت هذه المرتبة ثانية في الإحسان، إذا لم تكن تعبد الله - عز وجل - كأنك تراه وتطلبه، وتحث النفس للوصول إليه فاعبده كأنه هو الذي يراك، فتعبده عبادة خائف منه، هارب من عذابه وعقابه، وهذه الدرجة عند أهل العبادة أدنى من الدرجة الأولى.
وعبادة الله ـ سبحانه وتعالى ـ هي كما قال ابن القيم - رحمه الله -:
وعبادة الرحمن غاية حبه
مع ذل عابده هما ركنان
فالعبادة مبنية على هذين الأمرين: غاية الحب، وغاية الذل، ففي الحب الطلب، وفي الذل الخوف والهرب، فهذا هو الإحسان في عبادة الله ـ عز وجل ـ.
وإذا كان الإنسان يعبد الله على هذا الوجه، فإنه سوف يكون مخلصاً لله ـ عز وجل ـ، لا يريد بعبادته رياء ولا سمعة، ولا مدحاً عند الناس، وسواء أطلع الناس عليه أم لم يطلعوا، الكل عنده سواء، وهو محسن العبادة على كل حال، بل إن من تمام الإخلاص أن يحرص الإنسان على ألا يراه الناس في عبادته، وأن تكون عبادته مع ربه سراً، إلا إذا كان في إعلان ذلك مصلحة للمسلمين أو للإسلام، مثل أن يكون رجلاً متبوعاً يقتدى به، وأحب أن يبين عبادته للناس ليأخذوا من ذلك نبراساً يسيرون عليه، أو كان هو يحب أن يظهر العبادة ليقتدي بها زملاؤه وقرناؤه وأصحابه ففي هذا خير، وهذه المصلحة التي يلتفت إليها قد تكون أفضل وأعلى من مصلحة الإخفاء، لهذا يثني الله - عز وجل - على الذين ينفقون سراً وعلانية، فإذا كان السر أصلح وأنفع للقلب وأخشع وأشد إنابة إلى الله أسروا، وإذا كان في الإعلان مصلحة للإسلام بظهور شرائعه، وللمسلمين يقتدون بهذا الفاعل وهذا العامل أعلنوه.
والمؤمن ينظر ما هو الأصلح، كلما كان أصلح وأنفع في العبادة فهو أكمل وأفضل.
الساعة وعلامتها:
ثم قال جبريل للنبي، صلى الله عليه وسلم: “أخبرني عن الساعة متى تكون؟ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟”. فالمسؤول هو الرسول، صلى الله عليه وسلم ، والسائل جبريل عليه السلام، وكلنا يعلم أن هذين الرسولين أفضل الرسل فجبريل أفضل الملائكة، ومحمد أفضل البشر، بل أفضل الخلق على الإطلاق، عليه الصلاة والسلام، وكلاهما لا يدري متى تقوم الساعة، لأنه لا يدري متى تقوم الساعة إلا الرب - عز وجل - قال تعالى: ]يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله[، وقال تعالى: ]يسألونك عن الساعة أيان مرساها . فيم أنت من ذكراها . إلى ربك منتهاها[، فكأن النبين صلى الله عليه وسلم ، يقول لجبريل: إذا كنت لا تعلمها فأنا أيضاً لا أعلمها، وليس المسؤول بأعلم من السائل، وإذا كانت خفية عليك فهي أيضاً خفية علي، فلا يعلمها إلا الله، قال: “فأخبرني عن أماراتها”. أي علاماتها وأشراطها، كما قال تعالى: ]فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها[.
وأشراط الساعة هي العلامات الدالة على قربها، وقد قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أشراط مضت وانتهت.
القسم الثاني: أشراط لم تزل تتجدد وهي وسط .
القسم الثالث: أشراط كبرى تكون عند قرب قيام الساعة.
فمن الأشراط السابقة المتقدمة: بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم ، فإن بعثة الرسول، صلى الله عليه وسلم ، وكونه خاتم النبيين دليل على قرب الساعة، ولهذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم: “بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى”. أي إنهما متقاربان.
وأما الأشراط التي تتجدد وهي صغيرة، فمثل فتح بيت المقدس وغيرها مما جاءت به السنة عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
وأما الأشراط الكبرى التي تنتظر فمثل طلوع الشمس من مغربها، فإن هذه الشمس التي تدور الآن، إذا غابت استإذاًت من الله - عز وجل - أن تستمر في سيرها، فإن إذاً الله لها وإلا قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فترجع وتخرج من مغربها، وحينئذ يؤمن الناس إذا رأوها، ولكن: ]لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً[.
ثم ذكر الرسول، صلى الله عليه وسلم ، من أشراطها.
أولاً: قال: “أن تلد الأمة ربتها”. وفي رواية “أن تلد الأمة ربها”، ومعنى هذا أن من أشراط الساعة أن الأمة التي كانت تباع وتشترى تلد من يكونوأسياداً ومالكين، فهي كانت مملوكة في الأول، وتلد من يكونوأسياداً مالكين.
ويكون معنى قوله : (ربتها) أو (ربها) إضافة إلى الجنس، لا إضافة إلى نفس الوالدة، لأن الوالدة لا يمكن أن يملكها ابنها، ولكن المراد الجنس كما في قوله تعالى: ]ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين[، فالضمير في ]جعلناها[ يعود إلى الذي يرمى به الشهب، لكن لما كانت هذه الشهب تخرج من النجوم أضيفت إلى ضمير يعود عليها، كذلك (ربها) أو (ربتها) فالمراد الجنس أي إن الأمة تلد من يكون سيداً أو تلد الأمة من تكون سيدة.
ثانياً: “وأن الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان” وهذه الأوصاف تنطبق على الفقراء الذين من البادية يرعون الغنم يتطاولون في البنيان، وهذا يلزم أن أهل البادية يرجعون إلى المدن فيتطاولون في البنيان، بعدما كانوا حفاة، عراة، عالة، يرعون الشاء، وهذا وقع من زمان.
وهنا سؤال: هل الرسول، صلى الله عليه وسلم ، لما قال له جبريل: أخبرني عن أماراتها؟ قال: “أن تلد الأمة ربها...” إلخ هل أراد الحصر؟ أم أراد التمثيل؟ فالجواب: أنه أراد التمثيل، وفي هذا دليل على أن الشيء قد يفسر ببعض أفراده على سبيل التمثيل، وإلا فهناك أشراط أخرى لم يذكرها النبي، صلى الله عليه وسلم.
(فانطلق) ثم قال النبي، عليه الصلاة والسلام: “أتدرون من السائل؟ “قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: “هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.
فجبريل الذي له ستمائة جناح، وقد سد الأفق، أتى على صورة رجل، ثم قال: “يعلمكم دينكم” ومع أن الذي علمنا الدين هو النبي، صلى الله عليه وسلم ، لكن النبي، صلى الله عليه وسلم ، جعل جبريل معلماً، لأنه الذي سأل وكان التعليم بسببه، فيستفاد منه أن المتسبب كالمباشر.
وقد أخذ الفقهاء قاعدة من هذا في باب الجنايات قالوا: ]المتسبب كالمباشر[ ولهذا سمى النبي، صلى الله عليه وسلم ، جبريل الذي تسبب لتعليم الرسول، صلى الله عليه وسلم ، هذا الدين الذي أجاب به جبريل سماه معلماً.
الثاني: أن الإنسان إذا سأل عن مسألة وهو يعلمها، لكن من أجل أن يعرفها الناس صار هو المعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبهذا انتهى شرح حديث جبريل والحمد لله رب العالمين.

المجلد الثالث: عقيدة أهل السنة و الجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
لسماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبدالله بن باز
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.
أما بعد، فقد اطلعت على العقيدة القيمة الموجزة، التي جمعها أخونا العلامة فضيلة الشيخ وسمعتها كلها، فألفيتها مشتملة على بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، في باب توحيد الله، وأسمائه، وصفاته، وفي أبواب الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
وقد أجاد في جمعها وأفاد وذكر فيها ما يحتاجه طالب العلم، وكل مسلم في إيمانه بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وقد ضم إلى ذلك فوائد جمة تتعلق بالعقيدة قد لا توجد في كثير من الكتب المؤلفة في العقائد. فجزاه الله خيراً، وزاده من العلم والهدى، ونفع بكتابه هذا وبسائر مؤلفاته، وجعلنا وإياه، وسائر إخواننا من الهداة المهتدين الداعين إلى الله على بصيرة، إنه سميع قريب.
قال ممليه الفقير إلى الله تعالىعبد العزيز بن عبدالله بن باز سامحه الله وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم النبيين وإمام المتقين، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الله تعالى أرسل رسوله محمداً، صلى الله عليه وسلم ، بالهدى ودين الحق، رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين.
بين به، وبما أنزل عليه من الكتاب والحكمة كل ما فيه صلاح العباد واستقامة أحوالهم، في دينهم ودنياهم: من العقائد الصحيحة، والأعمال القويمة، والأخلاق الفاضلة، والآداب العالية، فترك، صلى الله عليه وسلم ، أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
فسار على ذلك أمته الذين استجابوا لله ورسوله، وهم خيرة الخلق من الصحابة والتابعين، والذين اتبعوهم بإحسان، فقاموا بشريعته وتمسكوا بسنته، وعضوا عليها بالنواجذ: عقيدة، وعبادة، وخلقاً، وأدباً. فصاروا هم الطائفة الذين لا يزالون على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله تعالى وهم على ذلك.
ونحن ـ ولله الحمد ـ على آثارهم سائرون، وبسيرتهم المؤيدة بالكتاب والسنة مهتدون، نقول ذلك تحدثاً بنعمة الله تعالى وبياناً لما يجب أن يكون عليه كل مؤمن.
ونسأل الله تعالى أن يثبتنا وإخواننا المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يهب لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب.
ولأهمية هذا الموضوع، وتفرق أهواء الخلق فيه، أحببت أن أكتب على سبيل الاختصار عقيدتنا، عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، سائلاً الله تعالى أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه، موافقاً لمرضاته نافعاً لعباده.

عقيدتنا
عقيدتنا: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر: خيره وشره.
فنؤمن بربوبية الله تعالى أي بأنه الرب الخالق، الملك، المدبر لجميع الأمور.
ونؤمن بألوهية الله تعالى، أي بأنه الإله الحق، وكل معبود سواه باطل.
ونؤمن بأسمائه وصفاته، أي بأن له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا.
ونؤمن بوحدانيته في ذلك، أي بأنه لا شريك له في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته، قال الله تعالى: ]رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً[.
نؤمن بأنه: ]الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذاًه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلم العظيم[.
ونؤمن بأنه: ]هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم[.
ونؤمن بأن له ملك السموات والأرض: ]يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير[.
ونؤمن بأنه ]ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.له مقاليد السموات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم[.
ونؤمن بأنه: ]وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين[.
ونؤمن بأنه : ] وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو و يعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض و لا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين[.
ونؤمن بأن الله: ]عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير[.
ونؤمن بأن الله يتكلم بما شاء ، متى شاء ، كيف شاء : ]وكلم الله موسى تكليماً[. ]ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه[]وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً[.
ونؤمن بأنه: ]لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي[. ]ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم[.
ونؤمن بأن كلماته أتم الكلمات، صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام وحسناً في الحديث قال الله تعالى: ]وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً[. ]ومن أصدق من الله حديثاً[.
ونؤمن بـأن القرآن الكريم، كلام الله تعالى تكلم به حقاً وألقاه إلى جبريل فنزل به جبريل على قلب النبي، صلى الله عليه وسلم: ]قل نزَّله روح القدس من ربك بالحق[. ]وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين.على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين[.
ونؤمن بأن الله عز وجل علي على خلقه بذاته، وصفاته لقوله تعالى:]وهو العلي العظيم[. وقوله: ]وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير [ .
ونؤمن بأنه: ]خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر[. واستواؤه على العرش، علوه عليه بذاته، علواً خاصاً، يليق بجلاله وعظمته، لا يعلم كيفيته إلا هو.
ونؤمن بأنه تعالى مع خلقه، وهو على عرشه، يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبر أمورهم، يرزق الفقير ويجبر الكسير، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير. ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم على عرشه حقيقة (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير[.
ولا نقول كما تقول الحلولية، من الجهمية وغيرهم: إنه مع خلقه في الأرض.
ونرى أن من قال ذلك، فهو كافر أو ضال لأنه وصف الله بما لا يليق به من النقائص.
ونؤمن بما أخبر به عنه رسوله، صلى الله عليه وسلم، أنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: “من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟”.
ونؤمن بأنه سبحانه تعالى يأتي يوم المعاد، للفصل بين العباد لقوله تعالى: ]كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً . وجاء ربك والملك صفاً صفاً . وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى[.
ونؤمن بأنه تعالى: ]فعال لما يريد[.
ونؤمن بأن إرادته تعالى نوعان:
كونية: يقع بها مراده، ولا يلزم أن يكون محبوباً له، وهي التي بمعنى المشيئة كقوله تعالى: ]ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد[. ]إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم[.
وشرعية:لا يلزم منها وقوع المراد ، ولا يكون المراد فيها إلا محبوباً له كقوله تعالى:
]والله يريد أن يتوب عليكم[.
ونؤمن بأن مراده الكوني، والشرعي تابع لحكمته، فكل ما قضاه كوناً، أو تعبد به خلقه شرعاً فإنه لحكمة، وعلى وفق الحكمة، سواء علمنا منها ما نعلم، أو تقاصرت عقولنا عن ذلك: ]أليس الله بأحكم الحاكمين[. ]ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون[.
ونؤمن بأن الله تعالى يحب أولياءه، وهم يحبونه : ]قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله[. ]فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه[. ]والله يحب الصابرين[. ]واقسطوا إن الله يحب المقسطين[. ]وأحسنوا إن الله يحب المحسنين[.
ونؤمن بأن الله تعالى يرضى ما شرعه من الأعمال والأقوال ، ويكره ما نهى عنه منها : ]إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم[. ]ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين[.
ونؤمن بأن الله تعالى يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ]رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه[.
ونؤمن بأن الله تعالى يغضب على من يستحق الغضب ، من الكافرين وغيرهم : ]الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم[. ]ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم[.

ونؤمن بأن لله تعالى وجهاً موصوفاً بالجلال والإكرام : ]ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام[.
ونؤمن بأن لله تعالى يدين كريمتين عظيمتين:]بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء[ . ]وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون[.
ونؤمن بأن لله تعالى عينين اثنتين حقيقيتين لقوله تعالى: ]واصنع الفلك بأعيننا ووحينا[. وقال النبي، صلى الله عليه وسلم،: “حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه”.
وأجمع أهل السنة على أن العينين اثنتان، ويؤيده قول النبي، صلى الله عليه وسلم، في الدجال: “إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور”.
ونؤمن بأن الله تعالى ]لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير[.
ونؤمن بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة: ]وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة[.
ونؤمن بأن الله تعالى لا مثيل له لكمال صفاته ]ليس كمثله شيء وهو السميع البصير[.
ونؤمن بأنه ]لا تأخذه سنة ولا نوم[. لكمال حياته وقيوميته.
ونؤمن بأنه لا يظلم أحداً، لكمال عدله.
وبأنه ليس بغافل عن أعمال عباده، لكمال رقابته وإحاطته.
ونؤمن بأنه لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، لكمال علمه وقدرته: ]إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون[.
وبأنه لا يلحقه تعب، ولا إعياء، لكمال قوته: ]ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب[ أي من تعب ولا إعياء.
ونؤمن بثبوت كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله، صلى الله عليه وسلم، من الأسماء والصفات، لكننا نتبرأ من محذورين عظيمين هما:
التمثيل: أن يقول بقلبه أو لسانه: صفات الله تعالى كصفات المخلوقين.
والتكييف : أن يقول بقلبه أو لسانه: كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا.
ونؤمن بانتفاء كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله، صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك النفي يتضمن إثباتاً لكمال ضده.
ونسكت عما سكت الله عنه، ورسوله.
ونرى أن السير على هذا الطريق فرض لابد منه، وذلك لأن ما أثبته الله لنفسه، أو نفاه عنها سبحانه فهو خبر أخبر الله به عن نفسه، وهو سبحانه أعلم بنفسه، وأصدق قيلا، وأحسن حديثاً، والعباد لا يحيطون به علماً.
وما أثبته له رسوله، أو نفاه فهو خبر أخبر به عنه، وهو أعلم الناس بربه، وأنصح الخلق، وأصدقهم وأفصحهم.
ففي كلام الله تعالى ورسوله، صلى الله عليه وسلم، كمال العلم، والصدق، والبيان، فلا عذر في رده، أو التردد في قبوله.

فصل
وكل ما ذكرناه من صفات الله تعالى تفصيلاً أو إجمالاً، إثباتاً أو نفياً، فإننا في ذلك على كتاب ربنا، وسنة نبينا معتمدون، وعلى ما سار عليه سلف الأمة وأئمة الهدى من بعدهم سائرون.
ونرى وجوب إجراء نصوص الكتاب والسنة في ذلك على ظاهرها وحملها على حقيقتها اللائقة بالله عز وجل.
ونتبرأ من طريق المحرفين لها، الذين صرفوها إلى غير ما أراد الله بها ورسوله.
ومن طريق المعطلين لها، الذين عطلوها من مدلولها الذي أراده الله ورسوله.
ومن طريق الغالين فيها الذين حملوها على التمثيل، أو تكلفوا لمدلولها التكييف.
ونعلم علم اليقين أن ما جاء في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، فهو حق لا يناقض بعضه بعضاً لقوله تعالى: ]أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً[. ولأن التناقض في الأخبار يستلزم تكذيب بعضها بعضاً، وهذا محال في خبر الله تعالى ورسوله، صلى الله عليه وسلم.
ومن ادعى أن في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، أو بينهما تناقضاً، فذلك لسوء قصده، وزيغ قلبه فليتب إلى الله ولينزع عن غيه.
ومن توهم التناقض في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، أو بينهما، فذلك إما لقلة علمه، أو قصور فهمه، أو تقصيره في التدبر، فليبحث عن العلم، وليجتهد في التدبر حتى يتبين له الحق، فإن لم يتبين له فليكل الأمر إلى عالمه وليكف عن توهمه، وليقل كما يقول الراسخون في العلم: ]آمنا به كل من عند ربنا[. وليعلم أن الكتاب والسنة لا تناقض فيهما ولا بينهما ولا اختلاف.

فصل
ونؤمن بملائكة الله تعالى وأنهم: ]عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون[.خلقهم الله تعالى فقاموا بعبادته، وانقادوا لطاعته ]لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون[.
حجبهم الله عنا، فلا نراهم، وربما كشفهم لبعض عباده، فقد رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، جبريل على صورته له ستمائة جناح قد سد الأفق، وتمثل جبريل لمريم بشراً سوياً فخاطبته وخاطبها، وأتى إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وعنده الصحابة، بصورة رجل لا يعرف ولا يرى عليه