بسم الله الرحمن الرحيم من محبكم محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم... حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتابكم وصل سرنا صحتكم الحمد لله على ذلك. والنشرتان عن اتحاد الطلبة المسلمين في ... وصلتا في الأسبوع الماضي، وقرأت فيهما وأعجبني نشاط الاتحاد، نسأل الله أن يزيدهم من الفقه في دينه، والدعوة إليه على بصيرة. وسؤالكم عن دفع الزكاة إليهم باسم الجهاد في سبيل الله، فيكونون من جملة من يدخل تحت قوله تعالى: {وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }. وجوابه وبالله التوفيق ومنه نستمد العون والهداية والصواب: قوله تعالى: {وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } المذكورة في آية أهل الزكاة المراد بهم من يقاتلون في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا فيعطون نفقاتهم لهذا الغزو، وما يستعينون به من السلاح وغيره من حاجات الغزو. قال القرطبي ـ رحمه الله ـ في تفسيره: هم الغزاة وموضع الرباط يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء. وقال في المغني (ص 534 جـ 6): ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، واستشهد لذلك، وذكر على قول الخرقي: إن الحج من سبيل الله أن عن أحمد رواية: أنه لا يصرف منها في الحج، وبه قال مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، قال: وهذا أصح، لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد، قال: ولأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل، والغازي، والمؤلف، والغارم لإصلاح ذات البين، والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه، ولا حاجة به أيضاً إليه، لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه، وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها، وخفف عنه إيجابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من الأصناف، أو دفعه في مصالح المسلمين أولى. اهـ. وبهذا تبين أن قوله تعالى: {وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } خاص بالجهاد في سبيل الله، لما في ذلك من نصرة الإسلام والذب عنه، ودخول الناس فيه بما يرون من نصرته وإدالته. وأما اتحاد طلبة المسلمين المشار إليه فيجب النظر أولاً في عقيدتهم وسلوكهم، حتى يتبين أن عقيدتهم سليمة على عقيدة أهل السنة والجماعة، وسلوكهم في عباداتهم مستقيم، وأنهم كانوا في العقيدة والعمل على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بقدر المستطاع، وإنما قلنا بوجوب النظر في ذلك؛ لأن كثيراً من المسلمين في الخارج يتبعون عقائد تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة، ويسلكون في عباداتهم طرقاً مبتدعة، ليس عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا تبين أن عقيدتهم سليمة، وطريقتهم مستقيمة فإن لهم حالين: الحال الأولى: أن يكونوا متفرغين للفقه في الدين والدعوة، فهؤلاء لهم حق من الزكاة، فيعطون منها ما يقوم بكفايتهم من حوائجهم الخاصة، ومما تتطلبه الدعوة إلى الدين ونشره، ويتبين ذلك بالأصول التالية: الأصل الأول: أن الدين الإسلامي قام على الجهاد باللسان واليد، وكل مدة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وقيام الإسلام بالجهاد باللسان ونشر محاسنه والدعوة إليه بما تقتضيه الحال في ذلك الوقت. قال الله تعالى: {?دْعُ إِلِى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِ?لْحِكْمَةِ وَ?لْمَوْعِظَةِ ?لْحَسَنَةِ وَجَـ?دِلْهُم بِ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِ?لْمُهْتَدِينَ } فإذا كان قيام الإسلام بجهاد اللسان تارة، وجهاد السلاح تارة، وكان كل منهما دعامة لنشره والدعوة، فإن ما جاز دفعه من الأموال الشرعية في أحدهما جاز دفعه في الا?خر. الأصل الثاني: أن الله جعل التفقه في الدين والإنذار به قسيماً للجهاد وعدلاً له، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ ?لْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى ?لدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُو?اْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } وهذا دليل على مكانة التفقه في الدين المثمر للإنذار به والدعوة إليه، وأنه يعادل الجهاد في سبيل الله فمن أجل ذلك ينبغي أن يكون داخلاً في قوله: {وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وقد ذكر فقهاؤنا ـ رحمهم الله ـ أنه إذا تفرغ شخص للعلم أعطي من الزكاة ما يقوم بكفايته، وإن كان قادراً على التكسب إذا كان التكسب يمنعه من تحصيل العلم المطلوب، بخلاف من تفرغ للعبادة فلا يعطى إذا كان قدراً على التكسب. الأصل الثالث: أن نقول: إنه في عصرنا الحاضر يتعذر القيام بالجهاد في سبيل الله بالسيف ونحوه، لضعف المسلمين ماديًّا ومعنويًّا وعدم إتيانهم بأسباب النصر الحقيقية، ولأجل دخولهم في المواثيق والعهود الدولية، فلم يبق إلا الجهاد بالدعوة إلى الله على بصيرة، فإذا تفرغ لها قوم وعملوا فيه جاز إعطاؤهم من نصيب المجاهدين. الحال الثانية: أن لا يكونوا متفرغين للفقه والدعوة، بل لهم دعوة ونشاط لا تمنعهم عن ممارسة أعمالهم الخاصة، فهؤلاء لا حق لهم من سهم المجاهدين، لأنهم لم يتفرغوا لعملهم، كما لا يعطى المجاهد إلا إذا تفرغ للجهاد وتلبس به، ولكن يمكن أن يعطى هؤلاء ما يدفعونه في تأليف الناس على الإسلام ممن يرجى إسلامه، أو قوة إيمانه، أو تفرغه للعلم والدعوة إلى الله، فإن الله جعل من الزكاة سهماً للمؤلفة قلوبهم. قال الزهري ـ رحمه الله ـ: المؤلفة من أسلم من يهودي، أو نصراني، وإن كان غنيًّا. نقله القرطبي في تفسيره، وذكر أقوالاً أخرى. واشتراط كونهم سادة مطاعين في عشائرهم غير ظاهر، وإذا كان المسلم الفقير يعطى لما يقوم به جسمه من نفقة، فما يقوم به دينه أولى وأحرى أن يصرف إليه من أجله، إذا كان ينتفع بذلك، ويزداد إيمانه. وخلاصة الجواب: أنهم إن كانوا متفرغين للتفقه في الدين والدعوة أعطوا من الزكاة ما يسد حاجتهم، وإلا أعطوا من الزكاة من سهم المؤلفة ليدفعوها في تأليف الناس على الإسلام. والله أعلم. هذا ما لزم شرفونا بما يلزم، وبلغوا سلامنا الوالد والمشائخ، خصوصاً الشيخ عبدالعزيز، ومنا الجميع بخير والله يحفظكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 5/2/6931هـ.