ثانياً: ذكر فضيلتكم ص .. عدد .. أن الخلاف بين أهل السنة السلف والخلف على ما ذكرتم خلاف بين الفاضل وا

فتاوى ابن عثمين

وهذا الذي ذكرتم غير صحيح، فما زال أئمة أهل السنة ينكرون على من أول نصوص الصفات أو بعضها، ولولا أن كتابي هذا إلى رجل يعلم ذلك، أو يمكنه أن يعلمه بالرجوع إلى كتبهم لنقلت من كتبهم ماتيسر في هذا الباب.
ولا ريب أن تأويل نصوص الصفات عن ظاهرها تحريف محرم وذلك من وجوه:
1. 1. أنه جناية على النصوص حيث صرفها عن ظاهرها، والله سبحانه وتعالى خاطب الناس بلسان عربي مبين، والنبي صلى الله عليه وسلم ، خاطبهم بأفصح لسان البشر، فوجب حمل كلاميهما على ظاهرهما المفهوم بمقتضى اللسان العربي، غير أنه يجب أن يصان عن التكييف، والتمثيل في صفات الله.
2. 2. أن صرف كلام الله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قول على الله بغير علم وقد قال الله تعالى: )قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون( . وقال تعالى : )ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً(. فالصارف لكلام الله عن ظاهره قال على الله بلا علم من وجهين:
الأول: أنه زعم أن الله لم يرد بكلامه كذا.
الثاني: أنه قال : إنه أراد به كذا لمعنى آخر لم يدل عليه ظاهر الكلام.
مثال ذلك قوله تعالى : )ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي( . فإذا صرف الكلام عن ظاهره قال لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد القدرة قلنا : ما دليلك على ما نفيت؟ وما دليلك على ما أثبت؟ فإن أتى بدليل وأنى له وإلا كان قائلاً على الله بلا علم في نفيه وإثباته.
3. 3. أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وسلف الأمة، وأئمتها.
4. 4. أنه يلزم على طريقته لوازم باطلة وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم فمن ذلك.
أ) أنهم لم يصرفوا هذه النصوص إلا حين اعتقدوا أن ظاهرها مستلزم لتشبيه الله تعالى بخلقه وتشبيه الله تعالى بخلقه كفر، كما قال نعيم بن حماد الخزاعي : ” من شبه الله بخلقه فقد كفر” ومن المعلوم أن من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم كفراً وتشبيهاً ، وهم قد جعلوه مستلزماً، أو موهماً لذلك جل ربي، وكلامه عن هذا اللازم، والإيهام.
ب) أن الله تعالى لم يبين الحق الذي يجب على العباد اعتقاده في باب أسماء الله تعالى وصفاته وإنما جعل ذلك موكولاً إلى عقولهم يثبتون ما شاؤوا، وينكرون ما شاؤوا ويؤولون النصوص المثبتة لما أنكروه، وهذا من أبطل الباطل، فكيف يدع الله تعالى بيان هذا الباب الذي هو من أوجب الواجبات ويكل أمره إلى عقول متناقضة يمنع بعضها ما يوجبه الآخر، أو يجوزه على الله عز وجل.
ج) أن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين، وسلف الأمة وأئمتها كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة ما يجب لله تعالى من الصفات وما يمتنع عليه إذ لم يرد عنهم حرف واحد في التأويل الذي سلكه أولئك المؤولون وحينئذ إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، وسلف الأمة، وأئمتها جاهلين بذلك قاصرين عن معرفته، وإما أن يكونوا عالمين به، لكن كتموه وقصروا في بيانه للناس، وكلا الأمرين باطل.
فإذا تبين ذلك علم أن الخلاف بين السلف والخلف في صفات الله تعالى ليس خلافاً بين الأفضل والفاضل، ولكنه خلاف بين الواجب والمحرم والحق والباطل، وأن طريق الخلف في ذلك محرم باطل.
واعلم يا فضيلة الشيخ أن القول إذا كان باطلاً محرماً فلا يلزم أن يكون قائله آثماً إذا كان لم يقصر في طلب الحق واتباعه، ولكن اجتهد فأخطأ، ولكن عدم إثمه عند الله تعالى لا يلزمنا أن نصوب قوله، أو نقول : إنه من السنة، فالتفريق بين القول والقائل، والفعل والفاعل أمر ينبغي التفطن له، والواجب علينا أن ننكر ما خالف الحق مهما كان القائل به، ومهما كان عدد القائلين، ونعتذر عن قائله إذا علمنا منه صدق النية في طلب الحق واتباع ما تبين له منه.