816 ـ حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم ان الرسول يحضره ، وهل يجوز حضور هذه الموالد

فتاوى ابن براهيم

من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الرحمن بلوشي سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد جرى اطلاعنا على استفتائك الموجه إلينا بخصوص مجموعة مسائل .
” إحداها ” : سؤالك عن حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهل فعله أحد من أصحابه أو التابعين وغيرهم من السلف الصالح ؟
الجواب : لاشك أن الإحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم من البدع المحدثة في الدين ، بعد أن انتشر الجهل في العالم الإسلامي وصار للتضليل والإضلال والوهم والإيهام مجال ، عميت فيه البصائر وقوي فيه سلطان التقليد الأعمى ،وأصبح الناس في الغالب لا يرجعون إلى ما قام الدليل على مشروعيته ، وإنما يرجعون إلى ما قاله فلان وارتضاه علان ، فلم يكن لهذه البدعة المنكرة أثر يذكر لدى أصحاب رسول الله ولا لدى التابعين وتابعيهم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم ” عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ” وقال أيضاً ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” (35) وفي رواية : ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد”(36) .
واذا كان مقصدهم من الاحتفال بالمولد النبوي تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحياء ذكره فلاشك أن تعزيره وتوقيره يحصل بغير هذه الموالد المنكرة وما يصاحبها من مفاسد وفواحش ومنكرات، قال الله تعالى :[ ورفعنا لك ذكرك] (37) فذكره مرفوع في الأذان والإقامة والخطب ،والصلوات ، وفي التشهد ،والصلاة عليه في الدعاء وعند ذكره ، فلقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :” البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ” (38) .
وتعظيمه يحصل بطاعته فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ،واجتناب ما نهى عنه وزجر ، وألا يعبد الله إلا بما شرع ، فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط ، ولو كانت هذه الاحتفالات خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف الصالح رضي الله عنهم أحق بها منا ، فإنهم كانوا أشد منا محبة وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم على الخير أحرص ، ولكن قد لا يتجاوز أمر أصحاب هذه الموالد ما ذكره بعض أهل العلم : من أن الناس إذا اعترتهم عوامل الضعف والتخاذل والوهن راحوا يعظمون أئمتهم بالاحتفالات الدورية دون ترسم مسالكهم المستقيمة ، لأن تعظيمهم هذا لا مشقة فيه على النفس الضعيفة .
ولاشك أن التعظيم الحقيقي هو طاعة المعظم والنصح له والقيام بالأعمار التي يقوم بها أمره ويعتز بها دينه: إن كان رسولاً ، وملكاً إن كان ملكاً ، وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء الراشدين من بعده ،وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل ، إلا أن تعظيمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين لم يكن كتعظيم أهل هذه القرون المتأخرة ممن ضاعت منهم طريقة السلف الصالح في الإهتداء والإقتداء وسلكوا طريق الغواية والضلال في مظاهر التعظيم الأجوف ، ولا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بكل تعظيم يناسبهم إلا أنه ليس من تعظيمه أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به .
كما أنه ليس من تعظيمه عليه الصلاة والسلام أن نصرف له شيئاً مما لا يصلح لغير الله من أنواع التعظيم والعبادة . وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين ، فقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية ، وما زالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم ، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا وكما تساهل الخلف لضاع أصل ديننا أيضاً ،ولكن السلف الصلاح حفظوا لنا الأصل فالواجب علينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ .
والخلاصة أن الاحتفال بالموالد من البدع المنكرة وقد كتبنا فيها رسالة مستقلة فيها مزيد تفصيل نزودكم بصورة منها(39) للانتفاع والله ولي التوفيق .
” الثانية” ذكرك عما يقوله بعض الجهال والمضللين : من أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحضر الاحتفالات بمولده ،وهذا من أبطل الباطل ومما لا يتسع له عقل عاقل .
” الثالثة ” سؤالك عن حكم هذه الموالد ،وهل يجوز الاشتراك فيها والإنفاق عليها , وقد مر الجواب عن حكم هذه الموالد في معرض جوابنا عن المسألة الأولى ، أما الاشتراك فيها بالحضور والإنفاق عليها ونحوها فقد سبق لنا القول بأنها بدعة ،وأن كل بدعة ضلالة فحضورها ضلال ، والإنفاق عليها أو المشاركة في الإنفاق عليها مشاركة في الضلال والإضلال ، وإشاعة الفحشاء والمنكر .
(ص ـ ف ـ 2110 ـ 1 في 21/7/188هـ ) (40)


————————————————————————————————————————

(35 ) رواه البخاري ومسلم .
(36 ) رواه مسلم .
(37 ) سورة الم نشرح ـ 4 .
(38 ) أخرجه الترمذي في الدعوات وأخرجه الأمام أيضاً .
(39 ) وهي التي بعد هذه الفتوى .
(40 ) وتقدم السؤال الرابع في رفع اليدين في الصلاة في الجزء الثاني والخامس عن اعتقاد أكثر الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم نور من الله وجزء منه وليس بشراً في الرد على أهل الوحدة ، والسادس في الذبح والنذر لغير الله ، وكلاهما في الجزء الأول ، والسادس في حكم الطعام للميت ويأتي الجنائز .