2248 ـ أربع مسائل في اللقيط ، والخامسة في وطء الشبهة

فتاوى ابن براهيم

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبدالله الخليفي سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،، وبعد :
فيصلكم جواب ” المسائل الخمس ” التي سألتم عنها . والسلام .
( ص / ف 263 في 22/ 6/ 1375هـ )
1 – إذا ادعى الكافر أن اللقيط ولده والحقناه به نسبا ، وأما لحوقه دينا فلابد من بينة تشهد أنه ولد على فراشه . فهل تعتبر لهذه البينة شروط الشهادة إذا شهدت له بذلك ، أم نكتفي بعدالة الشهود في دينهم ؟ ثم هذه البينة التي تشهد بالولادة : هل لابد من رجلين ، أو رجل وامرأتين ، أم رجل واحد ، أو نكتفي بامرأة واحدة كما ذكروا فيما لايطلع عليه الرجال غالباً . وفيه إشكال أيضاً ، وهو إذا التقط اللقيط بدارنا وادعاه كافر وجاء بينه تشهد أنه ولد على فراشة ـ ألبس الحكم عندنا إذا عدم أحد أبوي الطفل بدارنا نحكم بإسلامه هذا في غير اللقيط فكيف باللقيط الذي ادعاه أحد أبويه والآخر معدوم : هل الحكم فيهما واحد ، أو بينهما تفريق ، مع أن كل مولود يولد على الفطرة ؟
2 – إذا التقط اللقيط مسلم مسافر مثلا في دار كفار ليس فيها مسلم : هل نحكم بإسلام الطفل تبعا للاقطه كما في المسبي منفردا أو نحكم بكفره تبعا للدار ؟
3 – إذا اردعى رجل او امرأة بعد موت اللقيط أنه ولده أو قريبه وقلنا يلحقه نسبه وقد خلف مالا . هل نورثه ، ونعطيه ماخلف بمجرد قوله ، ونقول الميراث تابع للنسب ؟ أما يمنعه من ميراثه إلا يبينة لمكان التهمة مع أن الحاقه بنسب المدعي حكما .
4 – إذا ادعى اللقيط اثنان ولم يوجد قافة أو وجدت وتعارضت أو لم تلحقه بأحدهما فهل يضيع نسبه كما قرروا . أو نستعمل القرعة كما هو رواية عن الامام أحمد لحفظ نسبة ، ولأن له مدعيا ، ولأنهم يقولون نلحقه بمن ادعاه ولو بعد موت اللقيط احتياطا لنسبه ، وكما يقرع بين ملتقطيه إذا تنازعا حضانته ، أو نتركه حتى يبلغ وينتسب إلى أيهما شاء فنلحقه بمن يميل إليه كما يروى .
5 – إذا وطئ اثنان أمة لهما في طهر واحد فحملت ، وادعياه ، وعرضناه معهما على القافة فالحقنة بأحدهما . هل تصير أم ولد له ويغرم لشريكه قيمة نصيبه منها مواخذة له بإقراره مع أن لحوق الولد حكما ؟ وإن ألحقته القافة بهما هل تصير أم ولد فيها ؟ أم يختص بها أحدهما بقرعة ؟
فأجاب سماحة المفتى ـ وفقه الله ـ لكل خير بما نصه :
إذا ادعى الكافر اللقيط وأثبت ببينه أنه ولد على فراشة(1) .
فهذه البينة يعتبر فيها مايعتبر في غيرها من شروط الشهادة ، ولاتقبل شهادة الكافر مطلقا على المذهب ، سواء شهد على مسلم أو على مثله إلا في ” مسألة الوصية في السفر ” فتقبل شهادة الكتابيين فيها ، ولاتشترط العدالة للضرورة ، وعن أحمد رواية تقبل شهادة بعضهم على بعض ، إختاره الشيخ تقي الدين ونصره . وعن أحمد تقبل من الكافر مطلقا والمراد في الوصية في السفر فلايختص القبول بالكتابيين قدمها في ” الرعاية ” و ” الحاوي ” وأطلقها في ” المحرر و ” الفروع ” قال الشيخ تقي الدين : وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة في الوصية في دينهما ؟ عموم كلام الأصحاب يقتضي أنه لايعتبر ، وإن كنا إذا قبلنا شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم ، وصرح القاضي بأن العدالة غير معتبرة في هذه الحال ، والقرآن يدل عليه ، وأما البينة المعتبرة في هذه المسألة فقد ذكر صاحب ” المغني ” أنه يكتفي بشهادة أمرأة واحدة ، أو رجل واحد ؛ لأنه مما لايطلع عليه الرجال غالبا ، وبه جزم . وذكر القاضي : أنه لابد فيها من رجلين . أو رجل وامرأتين . قال الحارثي .. وهو أشبه بالمذهب .
وأما إذا التقط اللقيط في دارنا وأدعاه كافر وجاء ببينة فشهدت أنه ولد على فراشه فيشترط في اتباعه له في دينه استمرار ابويه على الحياة والكفر إلى بلوغه: إذ لو مات أحد أبويه قبل بلوغه أو أسلم حكم بإسلامه ، كما صرح بذلك في ” شرح المنتهي ” وغيره . وعليه فلا فرق بينهما .
وأما إذا التقط اللقيط مسلم مسافر في دار كفارلا مسلم فيها (2)
فالجواب : عموم كلام الأصحاب يدل على أنه كافر تبعا للدار ، قال في ” شرح المنتهى ” وغيره : ويحكم بإسلام اللقيط إن وجد بدار إسلام فيه مسلم أو مسلمة يمكن كونه منه ؛ لظاهر الدار ، وتغليبا للاسلام فإنه يعلو ولا يعلي عليه ، وإن وجد في بلد أهل حرب ولا مسلم فيه أو فيه مسلم كتاجر وأسير فاللقيط كافر ؛ لأن الدار لهم وإن كان فهيا نحو تاجر وأسير تغليبا لحكم الأكثر ، ولكون الدار لهم ، وإن كان بلد الاسلام بلد كل أهلها ذمة وفيها مسلم يمكن كونه منه فاللقيط مسلم تغليبا للاسلام ، وظاهر الدار . أما صاحب ” المغني ” فكلامه يدل على أنه إذا كان الملتقط مسلما فاللقيط مسلم ؛ لان تبعية أبويه انقطعت ، كما انقطعت بالسيء ، وأما إذا التقط اللقيط مسلم وكافر ؛ فإن كان اللقيط محكوما بكفره فهما سواء . وقيل : المسلم أحق ؛ اختاره جمع منهم صاحب ” المغني ” والشرح ” قال الحارثي : وهو الصحيح بلا تردد لأنه عند المسلم ينشأ على الاسلام ويتعلم شرائع الدين .
” السؤال الثالث ” إذا ادعى رجل وامرأة بعد موت اللقيط أنه ولده أو قريبه وقلنا يلحقه نسبة فهل يرثه ، أم نمنعه من الميراث إلا ببينة لمكان التهمة ؟
الجواب : أننا إذا حكمنا بثبوت نسبة حكمنا بإرثه ؛ لأن ثبوت النسب يستلزم الارث وغيره ولو كان متهما بذلك ، قال في ” العذب الفائض ” : ويلحق الولد المنفي الأب النافي له إذا ما استحلقه وأكذب نفسه ، حفظا للنسب ، ويلحقه ولو بعد موت الولد ، ويثبت نسب الولد منه ، ويترتب عليه مقتضاه ، ولو كان ذلك بعد القسمة ، وبه قال الامام أحمد والشافعي رحمهما الله . ولافرق بين كون أحدهما غنيا أو فقيرا . فإن قيل : مستلحق الولد الميت إذا كان غنيا إنما يدعى مالا ؟ قلنا : إنما يدعى النسب ، والميراث تبع له ؛ فإن قيل : فهو متهم في أن غرضه حصول الميراث ؟ قلنا : النسب لايمنع التهمة لحوقه ـ إلى أن قال : وأعلم أنه لايلحقه باستلحاق ورثته بعده على الأصح عندنا ؛ لأن الوارث إذا حمل على غيره شيئاً قد نفاء عنه لم يقبل منه ، خلافا للشافعية حيث قالوا : لايختص الاستلحاق بالنافي . بل لو استلحقه الوارث بعد موت النافي لحقه كما لو استلحق المورث .
أما إذا أدعى اللقيط اثنان ولم يوجد قافة ، أو تعارضت ، أو لم تلحقه بأحدهما(3) .
فظاهر المذهب في هذه المسألة أن نسبه يضيع ، لتعارض الأدلة وتكافئها ، ولأن الأنساب لاتثبت بالقرعة ، وهذا اختيار أبي بكر عبدالعزيز . وقال ابن حامد : نتركه حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهم . وقال أصحاب الرأي يلحق بالمدعيين بمجرد الدعوى ؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد سمعت دعواه ، فإذا اجتمعا وأمكن العمل بهما وجب . قاله في الشرح . وقال شيخنا : وقول أبي بكر أقرب .
وأما إذا وطئ اثنان أمة لهما في طهر واحد فحملت وادعياه وعرضناه معهما على القافة فألحقته بأحدهما . هل تصير أم ولد له ، ويغرم لشريكه قيمة نصيبه مواخذة له بإقراره ، مع أن لحوق الولد حكما ، وإن ألحقته القافة بهما هل تصير أم ولد لهما ، أم يختص به أحدهما بقرعة ؟ (4) .
فالجواب : إذا وطئ اثنان أمة لهما فأتت بولد ألحق بهما صارت أم ولد لهما ، وإن الحق بأحدهما صارت أم ولد له فقط . ويغرم لشريكه قيمة نصيبه ، كما هو مصرح به في كتب الأصحاب ” كالاقناع ” و ” المنتهى ” وغيرهما . والله أعلم ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم .
( ص / ف في 263 في 23 /6/ 1375هـ )


————————————————————————————————————————

(1) بهذا جزء من السؤال الأول .
(2) هذا هو ” السؤال الثاني ”
(3) وهذا هو ” السؤال الرابع ” .
(4) وهذا هو ” السؤال الخامس ” .