1375 ـ حمى الله قبره أن يتخذ وثنا

فتاوى ابن براهيم

فأجاب رب العالمين دعاءه وحماه بالثلاثة الجدران
فلم يتمكن الغلاة من الوصول إلى ذات القبر ، ولكن هؤلاء الذين حرصوا على ذلك تقع منهم الأمور المحرمة من الخضوع ورفع الأصوات ، حتى إن بعضهم يضع يديه على صدره ويطأطأ رأسه ، ويقع منهم ألفاظ الغلو ، لكن الله حمى قبر نبيه أن يوصل إليه بشيء من ذلك ، إنما هو من وراء الجدران .
(تقرير ـ على هذا البيت لابن القيم )
(القدس ، والصخرة)
(الصلاة في مسجد عمر الذي بناه أمام الصخرة مستحبة . لم يصح في فضل الصخرة حديث ، وليس فيها أثر قدم النبي ، وليست عرشاً ، وليس القدس حرماً ) .
الحمد لله ، و الصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن والاه . وبعد :ـ
فقد اطلعت في العدد الرابع من ” مجلة رابطة العالم الإسلامي” التي تصدر بمكة المكرمة للسنة الثانية ضمن كلمة منقولة من جريدة الصحفي الأردنية تحت عنوان :0الحرم القدس الشريف) على عبارات استنكرناها ، يقول فيها كاتب المقال عن صخرة بيت المقدس (يقدسها المسلمون ، لأنهم يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج منها إلى السماء ، وروى ابن عباس : صخرة بيت المقدس من صخور الجنة . وعن علي رضي الله عنه : سيد البقاع بيت المقدس وسيدة الصخور صخرة بيت المقدس . وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :” صليت ليلة أسري بي إلى بيت المقدس على يمين الصخرة” وعلى هذه الصخرة وضع الرسول قدمه عندما عرج إلى السماء . ومن الأقوال المأثورة : أحب الشام إلى الله بيت المقدس ،وأحب جبالها إليه الصخرة . قال كعب : قرأت في ” التوراة” أن الله عز وجل يقول للصخرة : أنت عرشي الأدنى ، منك ارتفعت السماء ، ومن تحتك بسطت الأرض ، ومن أحبك أ؛بني ومن أبغضك أبغضني ، ومن مات فيها فكأنما مات في السماء) هذا نص المقالة .
ومحبة منا في نشر الحق علقنا على ما ذكر فيها من الأحاديث الباطلة لتنوير آراء إخواننا قراء ” مجلة الرابطة” فنقول :
الصخرة لم يصح في فضلها شيء من الأحاديث ، كما بينه أبو ح فص عمر بن بدر الموصلي الحنفي في (المغني عن الحفظ والكتاب ، فيما لم يصح فيه شيء من الأحاديث) والعلامة ابن القيم( في المنار المنيف) ونكتفي بإيراد عبارة المنار .
قال ابن القيم فيه : كل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى ، والقدم الذي فيه كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين الذين يروجونها ليكثر سواد الزائرين .
وأرفع شيء في الصخرة أنها كانت قبلة اليهود ، وهي في المكان كيوم السبت في الأزمان ، فأبدل الله بها الأمة المحمدية الكعبة البيت الحرام .
ولما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يبني المسجد الأقصى استشار الناس : هل يجعله أمام الصخرة أو خلفها ، فقال له كعب : ياأمير المؤمنين : ابنه خلف الصخرة . فقال : يا ابن الهيودية خالطتك اليهودية ، بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون ، فبناه حيث هو اليوم . قال ابن القيم : وقد أكثر الكذابون من الوضع في فضلها . وعلى كلام ابن القيم هذا اعتمد العلامة علي القاري في ” الموضوعات” .
وقول كاتب المقال (الحرم القدس الشريف . على هذه الصخرة وضع الرسول قدمه عند العروج إلى السماء) وهو أساس دعوى أن في الصخرة أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم ،وهو غير صحيح .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته في ” زيارة بيت المقدس ” : مايذكره فيها ـ أي في الصخرة ـ من أن هناك أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأثر عمامته و غير ذلك فإنه كذب ، وأكذب منه من يظن أنه قدم الرب .
وقال في ” اقتضاء الصراط المستقيم ” بعد الكلام على الأمكنة التي اعتقد الجهال فيها الاعتقادات الفاسدة : ومن هذا الباب أيضاً مواضع يقال إن فيها أثر النبي صلى الله عليه وسلم أو غ يرها ، ويضاهي به مقام إبراهيم الذي بمكة ، كما يقول الجهال في الصخرة التي ببيت المقدس من أن فيها أثراً من طىء قدم النبي صلى الله عليه وسلم . قال : وبلغني أن بعض الجهال يزعمون أنها موطىء الرب سبحانه وتعالى ، فيزعمون أن ذلك الأثر موضع القدم ا هـ .
قلت : ورد في حديث طويل في قصة الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” ثم أتى بي ـ أي جبريل ـ الصخرة فقال : من هاهنا عرج ربك إلى السماء ” الحديث . وربما يكون مستند الفرع الأخير الذي ذكره شيخ الإسلام . وهذا ذكره ابن ح بان في ترجمة الدجال الوضاع بكر بن زياد الباهلي . ثم قال : وهذا شيء لا يشك عوام أصحاب الحديث أنه موضوع ، فكيف البزل في هذا الشأن . قال الذهبي في ” الميزان” : قلت صدق ابن حبان . ووافقهما الحافظ في ” لسان الميزان ” على وضع العبارة المذكورة .
أما ما ذكرته جريدة الصحفي عن كعب أنه قال : قرأت في ” التوراة” أن الله يقول للصخرة أنت عرشي الأدنى إلخ ...
كذب وافتراء على الله ، وقد قال عروة بن الزبير لما سمع ذلك عن كعب الأحبار عند ع بد الملك بن مروان قال عروة : سبحان الله ؟
يقول الله سبحانه :(وسع كرسيه السموات و الأرض((94) وتكون الصخرة عرشه الأدنى . نقل هذا عن عروة بن الزبير : ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) وابن القيم في (المنار المنيف) وجزماً بتكذيب هذه الإسرائيلية ، وأطال شيخ الإسلام في التحذير من قبول أمثالها .
وأما موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس ففيه رواية تغنينا عن أمثال ما ذكره كا تب المقال المتعقب ، فقد قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أبي سنان ، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالجابية ، فذكر فتح بيت المقدس ، قال : فقال أبو سلمة : فحدثني أبو سنان ، عن عبيد بن آدم ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب : أي ترى أن أصلي ، فقال : إن أخذت عني صليت خلف الصخرة ، فكانت القدس كلها بين يديك ، فقال عمر رضي الله عنه : ضاهيت اليهودية . لا , ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فتقدم إلى القبلة فصلى ، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه ، وكنس الناس . رواه الإمام أحمد في مسنده . وقال الحافظ ابن كثير في ” تاريخه” هذا إسناد جيد ، اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه .
وقال في ” تفسيره” فلم يعظم ـ أي عمر ـ الصخرة تعظيماً يصلي وراءها وهي بين يديه ، كما أشار كعب الأحبار ـ وهو من قوم يعظمونها حتى جعلوها قبلة ، ولهذا لما أشار بذلك قال له أمير المؤمنين عمر : ضاهيت اليهودية . ولا أهانها إهانة النصارى الذين جعلوها مزبلة من أجل أنها قبلة اليهود ، ولكن أماط عنها الأذى ،وكنس عنها الكناسة بردائه . وهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها” ا هـ . كلام ابن كثير .
إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم لم يكونوا يعظمون الصخرة ولا يصلون عندها ، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية قال في رسالته في ” زيارة بيت المقدس ” : كان الأئمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر . وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه صلى في محراب داود . وأما الصخرة فلم يصل عندها رضي الله عنه ، ولا الصحابة ، ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها ” قبة ” بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان ،ولكن لما تولى ابنه عبد الملك الشام ، ووقعت بينه وبين ابن الزبير الفتنة ،كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير ، فأراد عبد الله أن يصرف الناس عن ابن الزبير ، فبنى القبة على الصخرة ، وكساها في الشتاء والصيف ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس ، ويشتغلون بذلك عن اجتماعهم بابن الزبير . وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم فلم يكونوا يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة ، كما أن يوم السبت كان عيداً في شريعة موسى عليه السلام ، ثم نسخ في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بيوم الجمعة ، فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحدب بعبادة كما تفعل اليهود والنصارى ،وكذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى ا هـ .
وقال شيخ الإسلام ايضاً في ” اقتضاء الصراط المستقيم” ثبت أن عبد الله بن عمر كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه وصلى فيه ، ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها ، ولا يقرب شيئاً من تلك البقاع .
قال : وكذلك نقل غير واحد عن السلف المعتبرين كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم ، وذلك أن سائر بقاع المسجد لا مزية لبعضها على بعض إلا مابنى عمر رضي الله عنه مصلى المسلمين .
وصرح شيخ الإسلام بأن تعظيم الصخرة ، وروايات فضلها ، إنما ظهرت بعد بناء عبد الملك القبة عليها . قال : حتى صار بعضها الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها ، حتى روى بعضهم عن كعب الأحبار عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضر : إن قال للصخرة : أنت عرشي الأدنى فقال عروة : يقول الله تبارك وتعالى :(وسع كرسيه السموات والأرض((95) وأنت تقول إن الصخرة عرشه . وأمثال هذا . أ هـ .
هذا ما أردنا التنبيه عليه حول روايات جريدة الصحفي في الصخرة كما أن تسمية القدس ” حرماً ” لا وجه له ، فإن الحرم ما حرم الله صيده ونباته ، ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجاً عن الأماكن الثلاثة يعني مكة والمدينة ووجا ـ على اختلاف في الأخير (96) .
ونرجو من إخواننا القائمين على هذه المجلة التروي فيما ينشرونه فيها ، ودراسته دراسة علمية صحيحة ، ومشاورة أهل العلم فيما يشكل عليهم قبل نشره .
سائلاً المولى جلت قدرته أن يوفق رابطة العالم الإسلامي لتحقق ما أُسست من أجله وهو نشر الإسلام ، بريئاً من الخرافات والأوهام نقياً صافياً كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . والله الموفق .
محمد بن إبراهيم ( ص ـ م في 12/3/1384هـ)


————————————————————————————————————————

(94) سورة البقرة ـ آية 255 .
(95) سورة البقرة ـ آية 255 .
(96) قلت : وكذلك الحرم الإبراهيمي ، وينظر في حرم الجامعة .