1773- أرجو منكم تفسير قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخ

فتاوى الفوزان

يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبًا عباده المؤمنين الذين ناداهم في مطلع هذه السورة العظيمة بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 1‏‏‏]‏، يقول تعالى‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏ أي‏:‏ حرم الله سبحانه وتعالى عليكم أكل الميتة، والميتة هي التي ماتت بغير ذكاة شرعية، وقد خص منها الدليل ميتة السمك والجراد، كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أُحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد‏)‏ ‏[‏رواه الإمام أحمد في ‏”‏مسنده‏”‏ ‏(‏2/97‏)‏، ورواه ابن ماجه في ‏”‏سننه‏”‏ ‏(‏2/1101، 1102‏)‏، ورواه الدارقطني في ‏”‏سننه‏”‏ ‏(‏4/271، 272‏)‏، كلهم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما‏‏‏]‏، فالسمك والجراد أحل الله ميتتهما، وما عدا ذلك فإنه حرام، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْدَّمُ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏ هنا مطلق، ولكن قيدته الآية الثانية في السفوح كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا‏}‏ ‏[‏سورة الأنعام‏:‏ آية 145‏‏‏]‏، والمراد به الذي يخرج من الذبيحة وقت ذبحها ويشخب من أوداجها، أما الدم المتبقي في العروق واللحم فهذا معفو عنه لا بأس بأكله مع اللحم، واستثني من الدم الدمان اللذان مرَّ ذكرهما في الحديث‏:‏ ‏(‏أحلت لن ميتتان ودمان‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ وأما الدمان فالكبد والطحال‏)‏ ‏[‏رواه الإمام أحمد في ‏”‏مسنده‏”‏ ‏(‏2/97‏)‏، ورواه ابن ماجه في ‏”‏سننه‏”‏ ‏(‏2/1101، 1102‏)‏، ورواه الدارقطني في »سننه« ‏(‏4/271، 272‏)‏، كلهم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه الله عنهما‏‏‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏ هو الحيوان المعروف بالقذارة والدناءة حرم الله أكله لما فيه من الأضرار البالغة، وما يورثه من الأمراض الخطيرة كما قرر ذلك أهل الطب، فإن الخنزير فيه جراثيم وأمراض خطيرة اكتشفت ولا تزال تكتشف، والله جل وعلا لا يحرم على عباده إلا ما فيه مضرة عليهم‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏ المراد به ما ذبح للأصنام تقربًا إليها وما ذبح لسائر المعبودات، وكذلك ما ذبح وسمي عليه غير اسم الله عز وجل كما لو ذبح اللحم وذكر عليه اسم المسيح أو ذكر عليه اسم غيره، ‏(‏وما أهل لغير الله به‏)‏ يشمل النوعين‏:‏ ما تقرب به لغير الله ولو ذكر عليه اسم الله، ويشمل ما ذبح لغير التقرب، وإنما ذبح للحم، لكن سمي عليه غير اسم الله سبحانه وتعالى عند الذبح، والمراد بالإهلال رفع الصوت هذا في الأصل، والمراد هنا ما ذكرنا‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُنْخَنِقَةُ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏ قالوا‏:‏ إن هذا تفصيل للميتة التي ذكرها الله في أول الآية، والمنخنقة هي التي حبس نفسها بحبل أو بغيره حتى ماتت بسبب الخنق، ‏{‏وَالْمَوْقُوذَةُ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏ هي التي ضربت بشيء مثقل وماتت بالضربة ولو خرج منها دم، لأن المثقل لا يجرحها، وإنما يقتلها بثقله ويرضها فتموت بسبب ثقله، ‏{‏وَالْمُتَرَدِّيَةُ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏ فهي الساقطة من شيء مرتفع كالسطح أو الجبل أو الجدار أو في حفرة، أو في بئر وماتت بسبب السقطة، هذه هي المتردية، ‏{‏وَالنَّطِيحَةُ‏}‏‏:‏ هي التي تناطحت مع أخرى كتناطح الغنم بعضها مع بعض، والبقر بعضها مع بعض، فإذا ماتت بسبب المناطحة فهي النطيحة ولا تؤكل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏، السبع هو الذي يفرس بنابه من الذئاب والأسود وغيرها من السباع المفترسة التي تفرس بأنيابها أو بمخالبها كسبع الطير أو سبع الحيوان، فإذا أصاب الحيوان ومات بسبب إصابته، فإنه يكون ميتة لا يؤكل‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏ هذا استثناء مما سبق أي إلا ما أدركتموه حيًّا من هذه الأشياء‏:‏ المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إذا أدركتموه بعد إصابته بشيء من هذه الأمور، وفيه حياة مستقرة وذكيتموه، فإنه حلال، لأنه توفرت فيه شروط الإباحة وهي الذكاة الشرعية، أما ما أدركتموه وقد مات بسبب الإصابة أو أدركتموه حيًّا في الرمق الأخير وحياته غير مستقرة كحياة المذبوح فهذا أيضًا لا يحل، وقال بعض أهل العلم‏:‏ إن ما أدرك وفيه حياة – أو بقية حياة – وذكي فإنه يحل، ولكن الجمهور على أن ما كانت حياته غير مستقرة كحركة المذبوح فهذا لا يحل بتذكيته، لأنه في حكم الميت‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 3‏‏‏]‏ المراد بالنصب‏:‏ الأحجار التي كان أهل الجاهلية يعظمونها ويلطخونها بدم الذبائح تعظيمًا لها وتقربًا إليها، وقيل‏:‏ إنه الذي يذبحونه على نفس الحجارة تعظيمًا لها فهذه ذبائح شركية ذبحت تعظيمًا لهذه النصب فهي مما لا يحل أكله، وهذا بيان لما كان يفعل في الجاهلية‏.‏