الباب الثامن والخمسون في ذكر أنواع شتى في التأويل لايش

تفسير ابن سيرين

-ومن رأى كأنه غيره عفا عنه طال عمره ونال رفعة وأما العظم فمن رأى كأنه عظم حتى صارت جثته أعظم من هيئة الناس فإنه دليل موته وأما العمل الناقص فيدل على الاياس من المرجوع ووقوع الخلل في الرياسة وأما العقد فهو على القميص عقد تجارة وعلى الحبل صحة دين وعلى المنديل إصابة خادم وعلى السراويل تزوج امرأة وعلى الخيط إبرام أمر هو فيه من ولاية أو تزويج أو تجارة فإن انعقد الخيط تيسر ما يطلبه وإن لم ينعقد تعسر مرامه وتعذر مطلوبه فإن رأى كأن العقدة وقعت على شئ من هذه الأشياء من غير أن عقدها فإنها تدل على ضيق وغم من قبل السلطان فإن رأى كأن غيره فتحها كان ذلك لغير سبب فرجه عنه فإن رأى كأنه فتحها بعد جهد فإنه ينجو من ذلك بعد جهد وان راى كأنها انفتحت بنفسها فإن الله تعالى يفرج عنه من حيث لا يحتسب وأما العدد فيختلف باختلاف المعدود فإن رأى كأنه يعد دراهم فيها اسم الله فهو يسبح وان رأى كأنه يعد دنانير فيها اسم الله تعالى فإنه يستفيد علما فإن راى فيها نقش صورة فإنه يشتغل بأباطيل الدنيا وان رأى كأنه يعد لؤلؤا فإنه يتلو القرآن فإن راى كأنه يعد جواهر فإنه يتعلم العلم أو يدرسه فإن رأى كأنه يعد خرزا فإنه مشتغل بمالا يعنيه فإن راى كأنه يعد بقرات سمانا فإنه تمضي عليه سنون خصبة فإن رأى كأنه يعد جمالا وحمولا فإن كان له سلطان أفاد من أعدائه مالا قيمته توافق تلك الحمول وان كان دهقانا أمطر زرعه وان كان تاجرا نال ربحا كثيرا فإن رأى كأنه يعد جاورسا فإنه يقع في شدة وتعب في معيشته وكذلك العدد في كل شئ سواه يرجع الى جوهره والعجب في التأويل ظلم فمن رأى أنه أعجب بنفسه أو بغناه أو بقوته فإنه يظلم وأما عتق العبد فهو موت المعتق فإن رأى حرا كأنه أعتق فإنه يضحي عن نفسه أو يضحي غيره عنه وإن كان صاحب الرؤيا مريضا نال العافية وإن كان مديونا وجد قضاء ديونه والعجل في التأويل ندامة كما أن الندامة عجلة والعلم اتصال ببعض العلوية فمن رأى أنه أصاب علما فإنه يتزوج بعلوية لقوله صلى الله عليه وسلم: أنا مدينة العلم وعلى بابها. وأما العتاب فيدل على المحبة وأنشد: إذا ذهب العتاب فليس ود * ويبقى الود ما بقي العتاب فإن راى كأنه يعاتب نفسه فإنه يعمل عملا يندم عليه ويلوم على نفسه لقوله تعالى {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} وأما غزل المرأة فقد بلغنا عن ابن سيرين ان امرأة اتته فقالت رأيت امرأة تغزل القطران فعجبت منها فقال وما يعجبك من هذا ونقضه أهون من ابرامه وقال هذه امراة كان لها حق فتركته لصاحبه ثم رجعت فيه قالت صدقت كان على زوجي صداق فتركته في حياته ثم لما مات أخذته من ميراثه فإذا رأت المرأة كأنها تغزل وتسرع الغزل فإن غائبا لها يقدم وإن رأت كأنها تبطئ الغزل فإنها تسافر ويسافر زوجها فإن انقطعت فلكة المغزل انتقض تدبير السفر وانتقض تدبير الغائب للرجوع فإن رأى كأنها تغزل سحابا فإنها تسعى الى مجالس الحكمة فإن رأت كأنها تغزل قطنا فإنها تخون زوجها وإن رأى رجل كأنه يغزل قطنا أو كنانا وهو في ذلك يتشبه بالنساء فإنه ينال ذلا ويعمل عملا جليلا فإن كان الغزل دقيقا فإنه عمل بتقتير وإن كان غليظا فإنه سفر في نصب وتعب واما غسل اليدين بالأشنان فإنه يدل على قطع الصداقة ويدل على انقطاع الخصومة وقيل أنه نجاة من الخوف وقيل انه اياس من مرجو وقيل انه توبة من الذنوب واما فعل الخير فمن رأى كأنه يعمل خيرا فإنه ينال مالا فإن رأى كأنه أنفق مالا في طاعة الله فإنه يرزق مالا لقوله تعالى {وما تنفقوا من خير يوف اليكم} وأما الفراسة وتوسم بعض الغائبات فيدل على كثرة الخير والامن من السوء لقوله تعالى {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} واما الفتل فمن رأى كأنه يفتل حبلا أو خيطا أو يلويه على نفسه أو على قصبة أو على خشبة فإنه سفر وأما القوة فمن رأى فضل قوة لنفسه فإن اقترن برؤياه ما يدل على الخير كانت قوته في أمر الدين وإلا كانت قوته في أمر الدنيا وقيل ان القوة ضعف لقوله تعالى {من بعد قوة ضعفا} وأما كثرة العدد فمن رأى كثرة العدد والزحام والبؤس فإن كان واليا كثرت جنوده وارتفع اسمه وسلطانه وإن كان تاجرا كثر معاملوه وإن كان داعيا كثر مستجيبوه. وأما كلام الأعضاء فإن كلامها يدل كل عضو على افتقار من هو تأويل ذلك العضو من أقرباء صاحب الرؤيا وأما اللوم فمن رأى كأنه يلوم غيره على أمر فإنه يفعل مثل ذلك الأمر فيستحق اللوم لما قيل: وكم من لائم قد لام وهو مليم فمن رأى كأنه يلوم على أمر فإنه يدخل في أمر متشوش مضطرب يلام عليه ثم يخرجه الله تعالى من ذلك وتظهر براءته من ذلك للناس فيخرج من ملامتهم لقوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} واللى في العمامة والحل سفر وأما البيعة فمن رأى كأنه بايع أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأشياعهم فإنه يتبع الهدى ويحافظ على الشرائع فإن رأى كأنه بايع أميرا من أمراء الثغور فإنه بشارة له ونصرة له على أعدائه وجد في العبادة وامر بالعروف ونهي عن المنكر لقوله تعالى {ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بأن لهم الجنة إلى قوله وبشر المؤمنين} فإن رأى كأنه بايع فساقا فإنه يعين قوما فاسقين فإن بايع تحت شجرة فإنه ينال غنية في مرضات الله تعالى لقوله تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} وأما نسج الثوب فإنه يدل على سفر فإن نسج ثوبه ثم قطعه فإن الأمر الذي هو طالبه قد بلغ آخره وانقطع وإن كان في خصومة انقطعت وإن كان في حبس فرج عنه ونسج القطن والصوف والشعر والابريسم كله سوء ورؤية الثوب مطويا سفر ونشر الثوب قدومه من سفر أو قدوم غائب له وأما الوعد فمن رأى كانه وعد وعدا حسنا فهو لاقيه فإن رأى كأنه عدوه وعده خيرا أصابه مكروه من عدوه أو من غيره فإن رأى كأنه عدوه وعده شرا أصاب خيرا من عدوه أو من غيره ونصيحة العدو غش لقوله تعالى في قصة آدم عليه السلام حكاية عن ابليس {هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} وكل أفعال العدو بعدوه فتأويلها ضدها والواحدة في التأويل ذل وافتقار وعزل للملك ووزن المال بين المتبايعين غرامة وأما الإرضاع فإن رأت امرأة كأنها ترضع انسانا فإنه انغلاق الدنيا عليها أو حبسها لأن المرضع كالمحبوس ما لم يخل الصبي ثديها وذلك لأن ثديها في فم الصبي ولا يمكنها القيام وكذلك الذي يمص اللبن كائنا من كان من صبي أو رجل أو امرأة وإن كانت المرضع حبلى سلمت بحملها وأما تنفس الصعداء فدليل على أنه يعمل ما يتولد منه حزن واما البكاء فسرور وخفقان القلب ترك أمر من خصومة أو سفر أو تزويج وأما الصبر فمن رأى كأنه يصبر على ضر نال رفعة وسلامة لقوله تعالى {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} والقلق ندامة على أمر أو ذنب وتوبة منه واجتماع الشمل دليل الزوال لقوله تعالى {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} الآية وأنشد: إذا تم أمر بدا نقصه * توقع زوالا إذا قيل تم والمعانقة مخالطة ومحبة فإن رأى كأنه عانقه ووضع رأسه في حجره فنه يدفع إليه رأس ماله ويبقى عنده وأما القبلة بالشهوة فظفر بالحاجة وأما تقبيل الصبي فمودة بين والد الصبي وبين الذي قبله وتقبيل العبد مودة بين المقبل وسيده فإن رأى كأنه قبل واليا ولي مكانه وإن قبل سلطانا أو قاضيا قبل ذلك السلطان أو القاضي قوله وان قبله السلطان أو القاضي نال منهما خيرا فإن رأى كأن رجلا قبل بين عينيه فإنه يتزوج والعض كيد وقيل حقد وقيل العض يدل على فرط المحبة لأي معضوض كان من آدمي أو غيره فإن عض إنسانا وخرج منه دم كان الحب في إثم فإن عض أصبعه ناله هم في مخاطرة دينه وأما المص فأخذ مال فإن مص ثدييه أخذ منه امرأته مالا وكذلك كل عضو يدل على قريب وأما القرص فطمع فإن بقي في يده من قرصه لحم نال من طمعه وإن قرص اليته فإنه يخونه في امرأته وإن قرص بطنه طمع في مال خزينته وإن قرص في يده طمع في مال إخوته ومن باع مملوكا فهو له صالح ولا خير فيه لمن اشتراه ومن باع جارية فلا خير فيه ومن اشترى جارية فهو صالح وكل ما كان خيرا للبائع فهو صالح للمشتري والنور في التأويل هو الهدى والظلمة هي الضلالة والطريق المظلمة ضلالة وجور عن الطريق والخراب من الأماكن ضلالة لمن رأى أنه فيه إذا كان صاحب دنيا