الباب التاسع والثلاثون في الأرض وجبالها وترابها وبلاد

تفسير ابن سيرين

-ومن رأى أنه دخل قرية حصينة فإنه يقتل أو يقاتل لقوله تعالى (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة) وقيل من رأى أنه يجتاز من بلد إلى قرية فإنه يختار أمرا وضيعا على أمر رفيع أو قد عمل عملا محمودا يظن أن غيره محمود أو قد عمل خيرا يظن أنه شر فيرجع عنه وليس بجاز فإن رأى أنه دخل قرية فإنه بلي سلطانا فإن خرج من قرية فإنه ينجو من شدة ويستريح لقوله تعالى (أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) فإن رأى كأن قرية عامرة خربت والمزارع المعروفة تعطلت فإنه ضلالة أو مصيبة لأربابها وإن رآها عامرة فهو صلاح دين أربابها (الصخور) المتينة المقطوعة الملقاة على الأرض ربما دلت على الموتى لانقطاعها من الجبال الحية المسبحة وتدل على أهل القساوة والغفلة والجهالة وقد شبه الله تعالى بها قلوب الكفار والحكماء تشبه الجاهل بالحجر وربما أخذت الشدة من طبعها والحجر والمنع من اسمها فمن رأى كأنه ملك حجرا أو اشترى له أو قام عليه ظفر برجل على نعته أو تزوج امرأة على قدر ما عنده من الحال في اليقظة ومن تحول فصار حجرا قسى قلبه وعصى ربه وفسد دينه وإن كان مريضا ذهبت حياته وتعجلت وفاته وإلا أصابه فالج تبطل من حركاته وأما سقوط الحجر من السماء إلى الأرض على العالم وفي الجوامع فإنه رجل قاس وال أو عشار يرمي به السلطان على أهل ذلك المكان إلا أن يكونوا يتوقعون قتالا فإنها وقعة تكون الدائرة فيها والشدة والمصيبة على أهل ذلك المكان فكيف ان تكسر الحجر وطارت فلق تكسيره إلى الدور والبيوت فإن ذلك دلالة على افتراق الأنصباء في تلك الوقعة وتلك البلية فكل من دخلت داره منها فلقة نزل لها منها مصيبة وان كان الناس في جدب يتقون دوامه ويخافون عاقبته كان الحجر شدة تنزل بالمكان على قر عظم الحجر وشدته وحاله فكيف ان كان سقوطه في الأنادر أو في رحاب الطعام وان كانت حجارة عظيمة قد رمي بها الخلق من السماء فعذاب ينزل من السماء بالمكان لأن الله سبحانه وتعالى قتل أصحاب الفيل حين رمتهم الطير بها فإما وباء أو جراد أو برد أو ريح أو مغرم أو غارة ونهبة وأمثال ذلك على قدر زيادة الرؤيا وشواهد اليقظة (الحصا) يدل على الرجال والنساء وعلى الدراهم البيض لأنها من الأرض وعلى الحفظ والاحصاء لما ألم به طالبه من علم أو شعر وعلى الحج ورمي الجمار أو على القساوة والشدة وعلى السباب والقذف فمن رأى طائرا نزل من السماء إلى الأرض فالتقط حصاة وطار بها فإن كان ذلك في مسجد هلك منه رجل صالح أو من صلحاء الناس فإن كان صاحب الرؤيا مريضا وكان من أهل الخير أو ممن يصلى أيضا فيه ولم يشركه في المرض ممن يصلي أيضا فيه فصاحب الرؤيا ميت وان كان التقاط الحصاة من كنيسة كان الاعتبار في فساد المريض كالذي قدمناه وان التقطها من دار أو من مكان مجهول فمريض صاحب الرؤيا من ولد أو غيره هالك فأما من التقط عددا من الحصا وصيرها في أثوبه أو ابتلعها في جوفه فإن كان التقاطه اياها من مسجد أو دار عالم أو حلقة ذكر أحصى من العلم والقرآن وانتفع من الذكر والبيان بمقدار ما التقط من الحصا وان كان التقاطه من الأسواق أو من الفدادين واصول الشجر فهي فوائد من الدنيا ودراهم تتألف له من سبب الثمار أو النبات أو من التجارة والسمسرة أو من السؤال والصدقة لكل انسان على قدر همته وعادته يقظته وان كان التقاطه من طف البحر فعطايا من السلطان ان كان يخدمه أو فوائد من البحر إن كان يتجر فيه أو علم يكتسبه من عالم إن كان ذلك طلبه أو هبة وصلة من زوجة غنية إن كانت له أو ولدا ونحوه وأما من رمى بها في بحر ذهب ماله فيه وإن رمى بها في بئر أخرج مالا في نكاح أو شراء خادم وإن رمى بها في مطر أو ظرف من ظروف الطعام أو في مخزن من مخازن البحر اشترى بما معه أو بمقدار ما رمى به تجارة يستدل عليها بالمكان الذي رمى ما كان معه فيه والعامة تقول رمى فلان ما كان معه من دراهم في حنطة أو زيت أو غيرهما وإن رمى بها حيوانا كالأسد والقرد والجراد والغراب وأشباهها فإن كان ذلك في أيام الحج بشرته بالحج ورمى الجمار في مستقبل أمره لان أصل رمي الجمار أن جبريل عليه السلام أمر آدم صلى الله عليه وسلم أن يقذف الشيطان بها حين عرض له فصارت سنة ولده وإن لم يكن ذلك في أيام الحج كانت الحصاة دعاءه على عدو أو فاسق وسبه وشتمه أو شهادات يشهد بها عليه وإن رمى بها خلاف هذه الاجناس كالحمام والمسلمين من الناس كان الرجل سبابا مغتابا متكلما في الصلحاء والمحصنات من النساء (الدور) وأما الدور فهي دالة على أربابها فما نزل بها من هدم أو ضيق أو سعة أو خير أو شر عاد ذلك على أهلها وأربابها وسكانها والحيطان رجال والسقوف نساء لأن الرجال قوامون على النساء لكونها من فوقها ودفعها للاسواء عنها فهي كالقوام فما تأكدت دلالته رجع اليه وعمل عليه وتدل دار الرجل على جسمه وتقسيمه وذاته لأنه يعرف بها وتعرف به في مجده وذكره واسمه وسترة أهله وربما دلت على ماله الذي به قوامه وربما دلت على ثوبه لدخوله فيه فإذا كانت جسمه كان بابها وجهه وإذا كانت زوجته كان بابها فرجها وإذا كانت دنياه وماله كان بابها الباب الذي يتسبب فيه ومعيشته وإذا كانت ثوبه كان بابها طوقه وقد يدل الباب إذا انفرد على رب الدار وقد يدل عليه منه الفرد الذي يفتح ويغلق والفرد الآخر على زوجته الذي يعانقها في الليل وينصرف عنها في الدخول أو الخروج بالنهار ويستدل فيها على الذكر والأنثى بالشكل والغلق فالذي فيه الغلق هو الذكر والذي فيه العروة هو الأنثى زوجته لأن القفل الداخل في العروة ذكر مجموع الشكل إذا انغلق كالزوجين وربما دل على ولدي صاحب الدار ذكر وأنثى وعلى الأخوين والشريكين في تلك الدار وأما أسكفة الباب ودوراته وكل ما يدخل فيه منه لسان فذاك على الزوجة والخادم وأما قوائمه فربما دلت على الأولاد الذكران أو العبيد والاخوة والاعوان وأما قوائمه وحلقة الباب فتدل على إذن صاحبه وعلى حاجبه وخادمه فمن رأى في شئ من ذلك نقصا أو حدثا أو زيادة أو جدة عاد ذلك على المضاف اليه بزيادة الأدلة وشواهد اليقظة وأما الدار المجهولة سوى المعروفة فهي دار الآخرة لأن الله تعالى سماها دارا فقال (تلك الدار الاخرة) وكذلك إن كانت معروفة لها اسم يدل على الآخرة كدار عقبه أو دار السلام فمن رأى نفسه فيها وكان مريضا أفضى اليها سالما معافى من فتن الدنيا وشرها وإن كان غير مريض فهي له بشارة على قدر عمله من حج أو جهاد أو زهد أو عبادة أو علم أو صدقة أو صلة أو صبر على مصيبة يستدل على ما أوصله اليها وعلى الذي من أجله بشر به بزيادة الرؤيا وشواهد اليقظة فإن رأى معه في المنام كتبا يتعلمها فيها فعلمه أداة اليها وإن كان فيها مصليا فبصلاته نالها وإن كان معه فرسه وسيفه فبجهاده بلغها ثم على المعنى وأما اليقظة فينظر إلى أشهر أعمالها عند نفسه وأقربها بمنامه من سائر طاعاته إن كانت كثيرة فيها كانت البشارة في المنام وأما من بني دارا غير داره في مكان معروف أو مجهول فإنظر إلى حاله فإن كان مريضا أو عنده مريض فذلك قبره وإن لم يكن شيئا من ذلك فهي دنيا يفيدها إن كانت في مكان معروف فإن بناها باللبن والطين كانت حلالا وإن كانت بالآجر والجص والكلس كانت حراما من أجل النار التي توقد على عمله وإن كان بناؤه الدار في مكان مجهول ولم يكن مريضا فإن كانت باللبن فهو عمل صالح يعمله للآخرة أو قد عمله وإن كان بالآجر فهي أعمال مكروهة يندم في الآخرة عليها إلا أن يعود إلى هدمها في المنام فإنه يتوب منها وأما الدار المجهولة البناء والتربة والموضع والأهل المنفردة عن الدور ولا سيما إن رأى فيها موتى يعرفهم فهي دار الآخرة فمن رأى أنه دخلها فإنه يموت إن لم يخرج منها فإن دخلها وخرج منها فإنه يشرف على الموت ثم ينجو