الباب الثامن والثلاثون في تأويل السماء والهواء والليل

تفسير ابن سيرين

-ومن رأى سحابا نزل من السماء وأمطر مطرا عاما فإن الإمام ينفذ إلى ذلك الموضع إماما عادلا فيهم سواء كان السحاب أبيض أو أسود وأما السحاب الأحمر في غير حينه فهو كرب أو فتنة أو مرض وقال بعضهم من رأى سحابا ارتفع من الأرض إلى السماء وقد أظل بلدا فإنه يدل على الخير والبركة أن كان الرائي يريد سفرا تم له ذلك ورجع سالما وان كان غير مستور بلغ مناه فيما يلتمس من الشروقال بعضهم ان السحاب الذي يرتفع من الأرض إلى السماء يدل على السفر ويدل فيمن كان مسافرا على رجعته من سفره والسحاب المظلم يدل على غم والسحاب الأسود يدل على برد شديد أو حزن (الرعد) ربما دل على وعيد السلطان وتهدده وارعاده ومنه يقال هو يرعد ويبرق وربما دل على المواعيد الحسنة والأوامر الجزلة لأنه أوامر ملك السحاب بالنهوض والجود إلى من أرسلت اليه وتدل الرعود أيضا على طبول الزحف والبعث والسحاب على العساكر والبرق على النصال والبنود المنشورة الملونة والأعلام والمطر على الدماء المراقة والصواعق على الموت فمن رأى رعدا في السماء فإنها أوامر تشيع من السلطان فإن رأى ذلك من صلاحه بالمطر وكان الناس منه في حاجة دل ذلك على الأمطار أو على مواعيد السلطان الحسان وقد يدل على الوجهين ويبشر بالأمرين وان كان صاحب الرؤيا ممن يضره المطر كالمسافر والقصار والغسال والبناء والحصاد ومن يجري مجراهم فإما مطر يضر به وبفعله ويفسد ما قد عمله وقد أوذنوا به قبل حلوله ليتحذروا بأخذ الأهبة ويستعدوا للمطر وإما أوامر السلطان أو جناية عليه في ذلك مضرة فكيف ان كان المطر في ذلك الوقت ضارا كمطر الصيف وان رأى مع البروق رعودا تأكدت دلالة الرعد فيما يدل عليه وغذا كانت الشمس بارزة عند ذلك ولم يكن هناك مطر فطبول وبنود تخرج من عند السلطان لفتح أتى اليه وبشارة قدمت عليه أو لأمارة عقدها لبعض ولاته أو لبعث يخرجه أو يتلقاه من بعض قواده وان كان مع ذلك مطر وظلمة وصواعق فإما جوائح من السماء كالبرد والريح والجراد والدبى وإما وباء وموت وإما فتنة أو حرب ان كان البلد بلد حرب أو كان الناس يتوقعون ذلك من عدو وقال بعضهم الرعد بلا مطر خوف فإن رأى الرعد فإنه يقضي دينا وان كان مريضا برئ وان كان محبوسا أطلق سراحه وأما الرعد والبرق والمطر فخوف للمسافر وطمع للمقيم وقيل الرعد صاحب شرطة ملك عظيم وقال بعضهم الرعد بغير برق يدل على اغتيال ومكر وباطل وكذب وذلك لأنه إنما يتوقع الرعد بعد البرق وقيل صوت الرعد يدل على الخصومة والجدال (البرق) يدل على الخوف من السلطان وعلى تهدده ووعيده وعلى سل النصال وضرب السياط وربما دل من السلطان على ضد ذلك على الوعد الحسن والضحك والسرور ولاقبال والطمع من الرغبة والرجاء لما يكون عنده من الصواعق والعذاب والحجر من الرحمة والمطر لأنه كما وصف أهل الخبار سوط ملك السحاب الموكل بها والرعد صوته عليها مع قوله تعالى (يريكم البرق خوفا وطمعا) قيل خوفا للمسافر وطمعا للمقيم الزارع لما يكون معه من المطر وكل ما يدل عليه البرق فسريع عاجل لسرعة ذهابه وقلة لبثه فمن رأى برقا دون الناس أو رأى أنواره تضربه أو تخطف بصره أو تدخل بيته فإن كان مسافرا أصابه عطلة إما بمطر أو بأمر سلطان وان كان زارعا قد أجدبت أرضه وعطش زرعه بشر بالغيث والرحمة وإن كان مولاه أو والده أو سلطانه ساخطا عليه أقبل عليه ضحك في وجهه والشعراء تشبه الضحك بالبرق والبكاء بالمطر لأن الضحك عند العرب ابداء الخفيات وظهور المستورات ولذلك يسمون الطلع إذا انفتق عنه جفنه ضحكا وان كان معه مطر دل على قبيح ما يبدو اليه مما يبكي عليه فإما ان يكون البرق كلاما يبكيه أو سوطا يدميه ويكون المطر دمه أو سيفا يأخذ روحه وان كان مريضا برق بصره ودمعت عيناه وبكى أهله وقل لبثه وتعجل موته سريعا