الباب الثامن والثلاثون في تأويل السماء والهواء والليل

تفسير ابن سيرين

-ومن رأى نفسه في المطر أو محصورا منه تحت سقف أو جدار فأمر ضرر يدخل عليه بالكلام والاذى واما أن يضر على قدر ما أصابه من المطر واما أن يصيبه نافض ان كان مريضا أو كان ذلك أوانه أو كان المكان مكانه وأما الممنوع تحت الجدار فإما عطلة عن عمله أو عن سفره أو من أجل مرضه أو سبب فقره أو يحبس في السجن على قدره يستدل على كل وجه منها بالمكان الذي رأى نفسه فيه وبزيادة الرؤيا في اليقظة إلا أن يكون قد اغتسل في المطر من جنابة أو تطهر منه للصلاة أوغسل بمائة وجهه فيصح له بصره أو غسل به نجاسة كانت في جسمه أو ثوبه فإن كان كافرا أسلم وان كان بدعيا أو مذنبا تاب وان كان فقيرا أغناه الله وان كان يرجوا حاجة عند السلطان أو عند من يشبهه نجحت لديه وسمح له بما قد احتاج اليه وكل مطر يستحب نوعه فهو محمود وكل مطر يكره نوعه فهو مكروه (وقال ابن سيرين) ليس في كتاب الله تعالى فرج في المطر إذا جاء اسم المطر فهو غم مثل قوله تعالى (وأمطرنا عليهم مطرا) وقوله تعالى (وأمطرنا عليهم حجارة) وإذا لم يسم مطرا فهو فرج الناس عامة لقوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء مباركا)
وقال بعضهم المطر يدل على قافلة الإبل كما أن قافلة الإبل تدل على المطر والمطر العام غياث فإن رأى ان السماء أمطرت سيوفا فإن الناس يبتلون بجدال وخصومة فإن أمطرت بطيخا فإنهم يمرضون وان أمطرت من غير سحاب فلا ينكر ذلك لأن المطر ينزل من السماء وقيل أنه فرج من حيث لا يرجى ورزق من حيث لا يحتسب ولفظ الغيث والماء النازل وماشا كل ذلك أصلح في التأويل من لفظ المطر
(السحاب) يدل على الإسلام الذي به حياة الناس ونجاتهم وهو سبب رحمة الله تعالى لحملها الماء الذي به حياة الخلق وربما دلت على العلم والفقه والحكمة والبيان لما فيها من لطيف الحكمة بجريانها حاملة وقرا في الهواء ولما يعصر منها من الماء وربما دلت على العساكر والرفاق لحملها الماء الدال على الخلق الذين خلقوا من الماء وربما دلت على الإبل القادمة بما ينبت بالماء كالطعام والكتان لما قيل إنها تدل على السحاب لقول الله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) وربما دلت على السفن الجارية في الماء في غير أرض ولا سماء حاملة جارية بالرياح وقد تدل على الحامل من النساء لأن كلتيهما تحمل الماء وتجنه في بطونها إلى أن يأذن لها ربها باخراجه وقذفه وربما دلت على المطر نفسه لانه منها وبسببها وربما دلت على عوارض السلطان وعذابه وأوامره إذا كانت سوداء أو كان معها ما يدل على العذاب لما يكون فيها من الصواعق والحجارة كما نزل بأهل الظلة حين حسبوها عارضا ممطرهم فأتتهم بالعذاب وبمثل ذلك أيضا يرتفع عن أهل النار فمن رأى سحابا في بيته أو نزلت عليه في حجره أسلم إن كان كافرا أو نال علما وحكما ان كان مؤمنا أو حملت زوجته ان كان في ذلك راغبا أو قدمت إبله أو سفينته ان كان له شئ من ذلك فإن رأى نفسه راكبا فوق السحاب أو رآها جارية تزوج امراة صالحة ان كان عزبا أو سافر أو حج ان كان يؤمل ذلك وإلا شهر بالعلم والحكمة ان كان طالبا والاساد بعسكر أو سرية أو قدم في رفقة ان كان لذلك أهلا وإلا رفعه السلطان على دابة شريفة ان كان مما يلوذ به وكان راجلا وغلا بعثه على نجيب رسولا وان رأى سحبا متوالية فادمة حاثية والناس لذلك ينتظرون مياهها وكانت من سحب الماء ليس فيها شئ من دلائل العذاب قدم تلك الناحية ما يتوقعه الناس وما ينتظرونه من خير يقدم أو رفقة تأتي أو عساكر ترد أو قوافل تدخل وان رآها سقطت بالأرض أو نزلت على البيوت أو في الفدادين أو على الشجر والنبات فهي سيول وأمطار أو جراد أو قطا أو عصفور وان كان فيها مع ذلك ما يدل على الهم والمكروه والريح الشديدة والنار والحجر والحيات والعقارب فإنها غارة تغير عليهم وتطرقهم في مكانهم أو رفقة قافلة تدخل بنعي أكثرهم ممن مات في سفرهم أو مغرم وخراج يفرضه السلطان عليهم أو جراد ودبى يضر بنباتهم ومعايشهم أو مذاهب وبدع فتننشر بين أظهرهم ويعلن بها على رؤوسهم
وقال بعضهم إن السحاب ملك جسيم أو سلطان شفيق فمن خالط السحاب فإنه يخالط رجالا من هؤلاء ومن أكل السحاب فإنه ينتفع من رجل بمال حلال أو حكمة وإن جمعه نال حكمة من رجل مثله فإن ملكه نال حكمة وملكا فإن رأى ان سلاحه من عذاب فإنه رجل محجاج فإن رأى أنه يبني دارا على السحاب فإنه ينال دنيا شريفة حلالا مع حكمة ورفعة فإن بنى قصرا على السحاب فإنه يتجنب من الذنوب بحكمة يستفيدها وينال من خيرات يعلمها فإن رأى في يده سحابا يمطر منه المطر فإنه ينال حكمة ويجري على يده الحكمة فإن رأى أنه تحول سحابا يمطر على الناس مالا ونال الناس منه والسحاب إذا لم يكن فيه مطر فإن كان ممن ينسب إلى الولاية فإنه وال لا ينصف ولا يعدل وإذا نسب إلى التجارة فإنه لا يفي بما يتبع ولا بما يضمن وإن نسب إلى عالم فإنه يبخل بعلمه وإن كان صانعا فإنه متقن الصناعة حكيم والناس محتاجون إليه والسحاب سلاطين لهم يد على الناس ولا يكون الناس عليه يد وان ارتفعت سحابة فيها رعد وبرق فإنه ظهور سلطان مهيب يهدد بالحق