الباب الثامن والثلاثون في تأويل السماء والهواء والليل

تفسير ابن سيرين

-ومن رأى كأن الفلك يدور به أو يتحرك فإنه يسافر ويتحرك من منزل إلى منزل ويتغير حاله ومن تحول نجما من النجوم التي يهتدي بها فإن الناس يحتاجون إليه في أمورهم وإلى تدبيره ورأيه (الريح) تدل على السلطان في ذاته لقوتها وسلطانها على ما دونها من المخلوقات مع نفعها وضرها وربما دل على ملك السلطان وجنده وأوامره وحوادثه وخدامه وأعوانه وقد كان خادما لسليمان عليه السلام وربما دلت على العذاب والحوائج والآفات لحدوثها عند هياجها وكثرة ما يسقط من الشجر ويغرق من السفن بها سيما ان كانت دبورا لأنها الريح التي هلكت بها عاد بها ولأنها ريح لا تلقح وربما دلت الريح على الخصب والرزق والنصر والظفر والبشارات لأن الله عز وجل يرسلها بشرا بين يدي رحمته وينجي بها السفن الجاريات بأمره فكيف بها ان كانت من رياح اللقاح لما يعود منها من صلاح النبات والثمر وهي الصبا وقد قال صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور. والعرب تسمي الصبا القبول لأنها تقابل الدبور ولو لم يستدل بالقبول والدبور إلا باسمهما لكفى وربما دلت الريح على الاسقام والعلل الهائجة في الناس كالزكام والصداع ومنه قول الناس عند ذلك هذه ريح هائجة لأنها علل يخلقها الله عز وجل عند ريح تهب وهواء يتبدل أو فضل ينتقل فمن رأى ريحا تقله وتحمله بلا روع ولا خوف ولا ظلمة ولا ضبابة فإنه يملك الناس ان كان يليق به ذلك أو يرأس عليهم ويسخرون لخدمته بوجوه من العز أو يسافر في البحر سليما ان كان من أهل ذلك أو ممن يؤمله أو تنفق صناعته ان كانت كاسدة أو تحته ريح تنقله وترفعه رزق ان كان فقيرا وان كان رفعها اياه وذهابها به مكورا مسحوبا وهو خائف مروع قلق أو كانت لها ظلمة وغبرة وزعازع وحس فإن كان في سفينة عطبت به وان كان في علة زادت به وإلا نالته زلازل وحوادث وأخرجت فيه أوامر السلطان والحاكم ينتهي فيها إلى نحو ما وصل اليه في المنام فإن لم يكن شئ من ذلك أصابته فتنة غبراء ذات رياح مطبقة زلازل مقلقة فإن رأى الريح في تلك الحال تقلع الشجر وتهدم الجدار وتطير بالناس أو بالدواب أو بالطعام فإنه بلاء عام في الناس أما طاعون أو سيل أو فتنة أو غارة أو سبي أو مغرم وجور ونحو ذلك فإن كانت الريح العامة ساكنة وكانت من رياح اللقاح فإن كان الناس في جور أو شدة أو وباء أو حصار من عدو بدلت أحوالهم وانتقلت أمورهم وفرجت همومهم وريح السموم أمراض حارة والريح مع الصفرة مرض والريح مع الرعد سلطان جائر مع قوة ومن حملته الريح من مكان إلى مكان أصاب سلطانا أو سافر سفرا لايعود منه لقوله تعالى (أو تهوي به الريح في مكان سحيق) وسقوط الريح على مدينة أو عسكر فإن كانوا في حرب هلكوا والريح الهينة اللينة الصافية خير وبركة والريح العاصف جور السلطان والريح مع الغبار دليل الحرب (المطر) يدل على رحمة الله تعالى ودينه وفرجه وعونه وعلى العلم والقرآن والحكمة لأن الماء حياة الخلق وصلاح الأرض ومع فقده هلاك الانام والانعام وفساد الأمر في البر والبحر فكيف أن كان ماؤه لبنا أو عسلا أو سمنا ويدل على الخصب والرخاء ورخص الأسعار والغنى لأنه سبب ذلك كله وعنده يظهر فكيف ان كان قمحا أو شعيرا أو زيتا أو تمرا أو زبيبا أو ترابا لا غبار فيه ونحو ذلك مما يدل على الأموال والارزاق وربما دل على الجوائح النازلة من السماء كالجراد أو البرد أو الريح سيما ان كان فيه نار أو كان ماؤه حارا لان الله سبحانه عبر في كتابه عما أنزله على الأمم من عذابه بالمطر كقوله تعالى (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) وربما دل على الفتن والدماء تسفك سيما ان كان ماؤه دما وربما دل على العلل والاسقام والجدري والبرسام ان كان في غير وقته في حين ضره لبرده وحسن نقطه وكل ما أضر بالأرض ونباتها منه فهو ضار أيضا لأجسام الذين خلقوا منها ونبتوا فيها فكيف إن كان المطر خاصة في دار أو قرية أو محلة مجهولة وربما دل على ما نزل على السلطان من البلاء والعذاب كالمغارم والأوامر سيما ان كان المطر بالحيات وغير ذلك من أدلة العذاب وربما دلت على الادواء والعلة والمنع والعطلة للمسافرين والصناع وكل من يعمل عملا تحت الهواء المكشوف لقوله تعالى (أو كان بكم أذى من مطر)