الباب الثامن والثلاثون في تأويل السماء والهواء والليل

تفسير ابن سيرين

(السماء) تدل على نفسها فما نزل منها أو جاء من ناحيتها جاء نظيره منها من عند الله ليس للخلق فيه تسبب مثل أن يسقط منها نار في الدور فيصيب الناس أمراض وبرسام وجدري وموت وان سقطت منها نار في الأسواق عز وغلام يباع بها من المبيعات وان سقطت في الفدادين والانادر وأماكن النبات آذت الناس واحترق النبات وأصابه برد أو جراد وإن منها ما يدل على الخصب والرزق والمال كالعسل والزيت والتبن والشعير فإن الناس يمطرون أمطار نافعة يكون نفعها في الشئ النازل من السماء وربما دل السماء على حشم السلطان لعلوها على الخلق وعجزهم عن بلوغها مع رؤيتهم وتقلبهم في سلطانها وضعفهم عن الخروج من تحتها فما رؤي منها وفيها أو نزل بها عليها من دلائل الخير والشر وربما دلت على قصره ودار ملكه وفسطاطه وبيت ماله فمن صعد اليها بسلم أو سبب نال مع الملك رفعة وعنده حظوة وإن صعد إليها بلا سبب ولا سلم ناله خوف شديد من السلطان ودخل في غرر كثير في لقياه أو فيما أمله عنده أو منه وإن كان ضميره استراق السمع تجسس على السلطان أو تسلل الى بيت ماله وقصره ليسرقه وإن وصل الى السماء بلغ غاية الأمر فإن عاد الى الأرض نجا مما دخل فيه وان سقط من مكانه عطب في حاله على قدر ما آل في سقوطه وما انكسر له من أعضائه وان كان الواصل الى السماء مريضا في اليقظة ثم لم يعد الى الأرض هلك من علته وصعدت روحه كذلك الى السماء وان رجع الى الأرض بلغ الضر فيه غايته ويئس منه أهله ثم ينجو إن شاء الله إلا أن يكون في حين نزوله أيضا في بئر أو حفير ثم لم يخرج منه فإن ذلك قبره الذي يعود فيه من بعد رجوعه وفي ذلك بشارة بالموت على الإسلام لأن الكفار لا تفتح لهم أبواب السماء ولا تصعد أرواحهم اليها وأما رؤية الأبواب فربما دلت إذا كثرت على الربا ان كان الناس في بعض دلائله أو كان في الرؤيا يصعد منها ذباب أو نحل أو عصافير أو نحو ذلك فإن كان الناس في جدب مطروا مطرا وابلا قال الله تعالى (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) ولا سيما أن نزل منها ما يدل على الرحمة الخصب كالتراب والرمل بلا غبار ولا ضرر وأما ان رمي الناس منها بسهام فإن كانوا في بعض أدلة الطاعون فتحت أبوابه عليهم وان كانت السهام تجرح كل من أصابته وتسيل دمه فإنه مصادرة من السلطان على كل انسان بسهمه وان كانت قصدها الى الاسماع والابصار فهي تطيش سهامها يهلك فيها دين كل من أصابت سمعه او بصره وان كانت تقع عليهم بلا ضرر فيجمعونها ويلتقطونها فغنائم من عند الله كالجراد وأصناف الطير كالعصفور والقطا والمن غنائم وسهام بسبب السلطان في جهاده ونحوه أو ارزاق وعطايا يفتح لها بيوت ماله وصناديقه وأما دنو السماء فيدل على القرب من الله تعالى ( من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ) وذلك لأهل الطاعات والأعمال الصالحات وربما دل ذلك على الملهوف المضطر الداعي يقبل دعاؤه ويستجاب لأن الاشارة عند الدعاء بالعين إلى ناحية السماء وربما دل ذلك على الدنو والقرب من الإمام والعالم والوالد والزوج والسيد وكل من هو فوقك بدرجة الفضل على قدر همة كل إنسان في يقظته ومطلبه وزيادة في منامه وما وقع في ضميره وأما سقوط السماء على الأرض فربما دل على هلاك السلطان ان كان مريضا وعلى قدومه إلى تلك الأرض ان كان مسافرا وقد يعود أيضا ذلك خاصة على سلطان صاحب المنام وعلى من فوقه من الرؤساء من والد أو زوج أو سيد ونحوهم وقد يدل سقوطها على الأرض الجدبة وان كان الناس يدوسونها بالأرجل من بعد سقوطها وهم حامدون وكانوا يلتقطون منها ما يدل على الأرزاق والخصب والمال فإنها أمطار نافعة عظيمة الشأن والعرب تسمي المطر سماء لنزوله منها ومن سقطت السماء عليه خاصة أو على أهله دل على سقوط سقف بيته عليه لأن الله تعالى سمى السماء سقفا محفوظا وان كان من سقطت عليه في خاصيته مريضا في يقظته مات ورمي في قبره على ظهره ان كان لم يخرج من تحتها في المنام ومن صعد السماء فدخلها نال الشهادة وفاز بكرامة الله وجواره ونال مع ذلك شرفا وذكرا