السوق والمسجد ومرافق المدينة

ابن سيرين

السوق: تدل على المسجد كما يدل المسجد على السوق لأن كليهما يتجر فيه ويربح، وقد يدل على ميدان الحرب الذي يربح فيه قوم ويخسر فيه قوم وقد سمى الله تعالى الجهاد تجارة في قوله " هل أدلكم على تجارة تنجيكم ". فأهل الأسواق يجاهدون بعضهم بعضاً بأنفسهم وأموالهم، وربما دلت على مكان فيه ثواب أجر وربح كدار العلم والرباط وموسم الحج، ومما يباع في السوق يستدل على ما يدل عليه، وكل ذلك ما كانت السوق مجهولة فسوق اللحم أشبه شيء بمكان الحرب ما يسفك فيه من الدماء وما فيه من الحديد، وسوق الجوهر والبز أشبه شيء بحلق الذكر ودور العلم، وسوق الصرف أشبه شيء بدار الحاكم لما فيها من تصاريف الكلام والوزن والميزان، فمن رأى نفسه في سوق مجهولة قد فاتته فيها صفقة أو ربح في سلعة، فإن كان في اليقظة في جهاد فاتته الشهادة وولى مدبراً، وإن كان في حج فاته أو فسد عليه، وإن كان طالباً للعلم تعطل عنه أو فاته فيه موعداً وطلبه لغير الله، وإن لم يكن في شيء من ذلك فاتته الصلاة الجماعة في المسجد. ومن رأى أنه يسرق في سوقه في بيعه وشرائه، فإن كان مجاهداً غل، وإن كان حاجاً محرماً اصطاد أو جامع أو تمتع، وإن كان عالماً ظلم في مناظرته أو خان في فتاويه وإلا رأى بصلاته أو سبق إمامه فيها بركوعه أو سجوده أو لم يتم هو ذلك في صلاة نفسه لأن ذلك أسوأ السرقة كما في الخبر. وأما السوق المعروفة، فمن رآها عامرة بالناس أو رأى حريقاً وقع فيها أو ساقية صافية تجري في وسطها أو كان التبن محشواً في حوانيتها أو ريحاً طيبة تهب من خلالها درت معيشة أهلها وأتتهم أرباح وجاءهم نفاق. وإن رأى أهل السوق في نعاس أو الحوانيت مغلقة أو كان العنكبوت قد نسج عليها أو على ما يباع كان فيها كساد أو نزلت بأهلها عطلة. وإن رأى سوقاً انتقلت انتقلت حالة المنتقل إلى جوهر ما انتقلت إليه كسوق البز ترى القصابين فيه، فإنه يكثر أرباح البزازين في افتراق المتاع وخروجه. وإن رأى فيه أصحاب الفخار والقلال قلت أرباحهم وضعفت مكاسبهم. وإن رأى فيه أصحاب هرائس ومقالي نزلت فيه محنة إما عن حريق أو نهر أو هدم أو نحوه، وقيل السوق الدنيا واتساع السوق اتساع الدنيا، وقيل السوق تدل على اضطراب وشغب بسبب من يجتمع إليها من العامة، فأما من تعيش من السوق، فإنه دليل خير إذا رأى فيها خلقاً كبيراً أو شغلاً فأما إذا كانت السوق هادئة دلت على بطالة السوقيين. والحانوت: يدل على كل مكان يستفيد المرء فيه فائدة في دنياه وأخراه كبستانه وفدانه ونخلته وشجرته وزوجته ووالده ووالدته أو كتابه من قول العامة لمن اعتمد مكاناً للفائدة جعله حانوته، فمن رأى حانوته انهدم، فإن كان والده مريضاً مات لأن معيشته منه، وإن كانت أمه مريضة هلكت لأنها كانت تربيه بلبنها وتقويه بعيشها، وكانت زوجته حاملاً أو سقيمة ماتت لأنها دنياه ولذته ومتعته، ومن في بطنها ماؤه وولده الذي هو في التأويل ماله، فإن لم يكن شيء من ذلك تعذرت عليه معيشته وتعطلت عليه الأماكن التي بها قوامه. ومن رأى أنه يكسر باب حانوت، فإنه يتحول منه. وإن رأى أبواب الحوانيت مغلقة نالهم كساد في أمتعتهم وانغلاق في تجارتهم. وإن رأى أبوابها مسدودة ماتوا وذهب ذكرهم. وإن رآها مفتحة تفتح عليهم أبواب التجارة. الخان والفندق: فندق الرجل يدل على ما تدل عليه داره من جسمه ومجده وإسمه وذكره وحمامه وفرنه ومجلس قضائه فما جرى عليه عاد عليه، وأما المجهول منها فدال على السفر لأنه منزلهم، وربما دل على دار الدنيا لأنها دار سفر يرحل منها قوم وينزل آخرون، وربما دل على الجباية لأنها منزل من سافر عن بيته وخرج عن وطنه إلى غير بلاده وهو في حين غربته إلى أن يخرج منها مع صحابته وأهل رفقته، فمن رأى كأنه دخل في فندق مجهول مات إن كان مريضاً أو سافر إن كان صحيحاً أو انتقل من مكان إلى مكان، فأما من خرج من فندق إلى فندق فركب دابة عند خروجه أو خرج بها من وسطه نظرت إلى حاله، فإن كان مريضاً خرج محمولاً، وإن كان في سفر تحرك منه وسافر عنه، وكذلك إن رأى رفقة نازلة في فندق مجهول ركباناً أو خرجوا منه كذلك، فإنه يكون وباء في الناس أو الرفاق كما تقدم، أو يخرج بفرق بين الأمرين بأهل الرفقة وأحوالهم في اليقظة ولما لهم ومعروفهم ومجهولهم وبرهم ومراكبهم. السجن: يدل على ما يدل عليه الحمام، وربما دل على المرض المانع من التصرف والنهوض، وربما دلت على العقلة عن السفر، وربما دل على القبر، وربما دل على جهنم لأنها سجن العصاة والكفرة ولأن السجن دار العقوبة ومكان أهل الجرم والظلم، فمن رأى نفسه في سجن، فانظر في حاله وحال السجن، فإن كان مريضاً والسجن مجهولاً فذلك قبره يحبس فيه إلى القيامة، وإن كان السجن معروفاً طال مرضه ورجيت إفاقته وقيامه إلى الدنيا التي هي سجن لمثله لما في الخبر إنها سجن المؤمن وجنة الكافر، وإن كان المريض مجرما فالسجن المجهول قبره والمعروف دالة على طول إقامته في علته ولم ترج حياته إلا أن يتوب أو يسلم في مرضه. وإن رأى ميتاً في السجن، فإن كان كافراً فذاك دليل على جهنم، وإن كان مسلماً فهو محبوس عن الجنة بذنوب وتبعات بقيت عليه، وأما الحي السليم إذا رأى نفسه في سجن، فانظر أيضاً إلى ما هو فيه، فإن كان مسافراً في بر أو سفينة أصابته عقلة وعاقة بمطر أو رياح أو عدو أو حرب أو أمر من سلطان، وإن لم يكن مسافراً دخل مكاناً يعصي الله فيه كالكنيسة ودار الفكر والبدع أو دار زانية أو خمار كل إنسان على قدره، وما في يقظته مما ينكشف عند المسألة أو يعرف عنه بالشهرة أو بزيادة منامه من كلامه وأفعاله في أحلامه، وقيل من رأى أنه اختار لنفسه، فإن إمرأة تراوده عن نفسه والله يصرف عنه كيدها ويبلغه مناه لقوله تعالى " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ". وحكي أن سابور بن أردشير في حياة والده رأى كأنه يبني السجون ويأخذ الخنازير والقردة من الروم فيدخلها فيه وكان عليه أحد وثلاثون تاجاً فسأل المعبر عنه، فقال: تملك إحدى وثلاثين سنة، وأما بناء السجون فبعددها تبني مدائن وتأخذ الروم وتأسر منهم، فكان كذلك، كأنه بعد موت أبيه أخذ ملك الروم وبنى مدينة نيسابور ومدينة الأهواز ومدينة ساوران. المزبلة: هي الدنيا وبها شبهها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقف عليها، والزبل الماء لأنه من تراب الأرض وفضول ما يتصرف الخلق فيه ويتعيشون به من عظام وخزف ونوى وتبن ونحو ذلك مما هو في التأويل أموال، فمن رأى نفسه على مزبلة غير مسلوكة، فانظر إلى حاله وإلى ما يليق به في أعماله، فإن كان مريضاً أو خائفاً من الهلاك بسبب من الأسباب بشرته بالنجاة أو بالقيام إلى الدنيا المشبهة بالمزبلة، وإن رأى ذلك فقير استغنى بعد فقره وكسب أموالاً بعد حاجته، وإن كان له من يرجو ميراثه ورثه لأن الزبل من جمع غيره، ومن غير كسبه. والمزبلة مثل مال مجموع من ههنا، ومن ههنا بلا ورع ولا نحر لكثرة ما فيها من التخليط والأوساخ والقاذورات، وإن كان أعزب تزوج، وكان الأزبال شوارها وقشها المقشش من كل ناحية والمشترى من كل مكان والمستعار من كل دار، فإن لم تكن ذلك فالمزبلة دكانه وحانوته ولا يعدم أن يكون صرافاً أو خماراً أو سفاطاً أو من يعامل الخدم والمهنة كالفران، وإن كان يليق به القضاء والملك والجباية والقبض من الناس ولي ذلك وكانت الأموال تجيء إليه والفوائد تهدى إليه والمغارم والمواريث لأن الزبل لا يؤتى به إلى المزبلة إلا من بعد الكنس. والكنس دال على الغرم وعلى الهلاك والموت، وربما كانت المزبلة للملك بيت ماله وللقاضي دار أمينة وصاحب ودائعه، وأما من يقرأ فوق مزبلة، فإن كان والياً عزل، وإن كان مريضاً مات، وإن كان فقيراً تزهد وافتقر. الطرق الجادة: الطريق هو الصراط المستقيم والصراط هو الدين والاستقامة، فمن يسلك فيه فهو على الطريق المستقيم ومنهاج الدين وشرائع الإسلام ومتمسك بالعروة الوثقى من الحق، فإن ضل الطريق فهو متحير في أمر نفسه ودينه. وإن رأى أنه يمشي مستوياً على الطريق، فإنه على الحق، فإن كان صاحب دنيا، فإنه يهدي إلى تجارة مربحة. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: رأيت كأني أخذت جواد كثيرة فاضمحلت حتى بقيت جادة واحدة فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقه إلى جنبه أبو بكر رضوان الله عليه قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. وأما الطريق المضلة: ضلالة لسالكها، فإن استرشد وأصاب عاد إلى الحق.