الأرض وجبالها وصخورها وترابها

ابن سيرين

أما الأرض فتدل على الدنيا لمن ملكها على قدر اتساعها وكبرها وضيقها وصغرها، وربما دلت الأرض على الدنيا والسماء على الآخرة لأن الدنيا أدنيت والآخرة أخرت سيما أن الجنة في السماء وتدل الأرض المعروفة على المدينة التي هو فيها وعلى أهلها وساكنها، وتدل على السفر إذا كانت طريقاً مسلوكاً كالصحارى والبراري وتدل على المرأة إذا كانت مما يدرك حدودها ويرى أولها وآخرها، وتدل على الأمة والزوجة لأنها توطأ وتحرث وتبذر وتسقى فتحمل وتلد وتضع نباتها إلى حين تمامها، وربما كانت الأرض أماً لأننا خلقنا منها، فمن ملك أرضاً مجهولة استغنى إن كان فقيراً وتزوج إن كان عازباً وولي إن كان عاملاً، وإن باع أرضاً أو خرج منها إلى غيرها مات إن كان مريضاً سيما إن كانت الأرض التي انتقل إليها مجهولة وافتقر إن كان موسراً سيما إن كانت الأرض التي فارقها ذات عشب وكلأ أو خرج من مذهب إلى مذهب إن كان نظاراً، فإن خرج من أرض جدبة إلى أرض خصبة انتقل من بدعة إلى سنة، وإن كان على خلاف ذلك فالأمر على ضده، وإن رأى ذلك مؤمل السفر فهو ما يلقاه في سفره.

وإن رأى كأن الأرض انشقت فخرج منها شاب ظهرت بين أهلها عداوة، فإن خرج منها شيخ سعد جدهم ونالوا خصباً، وإن رآها انشقت فلم يخرج منها شيء ولم يدخل فيها شيء حدث في الأرض حادثة شر، فإن خرج منها سبع دل على ظهور سلطان ظالم، فإن خرج حية فهي عذاب باق في تلك الناحية، وإن انشقت الأرض بالنبات نال أهلها خصباً.
وإن رأى أنه يحفر الأرض ويأكل منها نال مالاً بمكر لأن الحفر مكر.
وإن رأى أرضاً تفطرت بالنبات وفي ظنه أنه ملكه وفرح بذلك دل على أنه ينال ما يشتهي ويموت سريعاً لقوله تعالى ” حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة “.
ومن رأى أنه تولى طي الأرض بيده نال ملكاً، وقيل إن طي الأرض أصاب ميراثاً.
وضيق الأرض يؤول بضيق المعيشة، ومن كلمته الأرض بالخير نال خيراً في الدين والدنيا وكلامها المشتبه المجهول المعنى مال من شبهة.
والخسف بالأرض يؤول بزوال النعم وانقلاب الأحوال والغيبة في الأرض من غير حفر طول غربة في طلب الدنيا أو موت في طلب الدنيا، فإن غاب في حفيرة ليس فيها منفذ، فإنه يمكر به في أمر بقدر ذلك، ومن كلمته الأرض بكلام توبيخ فليتق الله، فإنه مال حرام.
ومن رأى أنه قائم في مكان فخسف به، فإن كان والياً، فإنه تنقلب عليه الدنيا ويصير الصديق عدوه وسروره غماً لقوله تعالى ” فخسفنا به وبداره الأرض “.
وإن رأى محلة أو أرضاً طويت على الناس، فإنه يقع هناك موت أو قال، وقيل يهلك فيه أقوام بقدر الذي طويت عليهم أو ينالهم ضيق وقحط أو شدة، فإن كان ما طوي له وحده فهو ضيق معيشته وأموره.
وإن رأى إنها بسطت له أو نشرت له فهو طول حياته وخير يصيبه.
والمفازة: إسمها مستحب وهي فوز من شدة إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، ومن ذنب إلى توبة، ومن خسران إلى ربح، ومن مرض إلى صحة.
ومن رأى أنه في بر، فإنه يناله فسحة وكرامة وفرحاً وسروراً بقدر سعة البر والصحراء وخضرتها وزرعها.
والأرض القفر فقر والوادي بلا زرع حج لقوله تعالى ” ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع “.
ومن رأى أنه يهيم في واد، فإنه يقول ما لا يفعل لقوله تعالى عن الشعراء ” ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون “.
الجبل: ملك أو سلطان قاسي القلب قاهر أو رجل ضخم على قدر الجبل وعظمه وطوله وقصره وعلوه، ويدل على العالم والناسك ويدل على المراتب العالية والأماكن الشريفة والمراكب الحسنة والله تعالى خلق الجبال أوتاداً للأرض حين اضطربت فهي كالعلماء والملوك لأنهم يمسكون ما لا تمسكه الجبال الراسية، وربما دل على الغايات والمطالب لأن الطالع إليه لا يصعد إلا بجاهه، فمن رأى نفسه فوق جبل أو مسنداً إليه أو جالساً في ظله تقرب من رجل رئيس واشتهر به واحتمى به إما سلطان أو فقيه عالم عابد ناسك فكيف به إن كان فوقه يؤذن أذان السنة مستقبل القبلة أو كان يرمى عن قوس بيده، فإنه يمتد صيته في الناس على قدر امتداد صوته وتنفذ كتبه وأوامره إلى المكان الذي وصلت إليه سهامه، وإن كان من رأى نفسه عليه خائفاً في اليقظة أمن، وإن كان في سفينة نالته في بحره شدة وعقبة يرشى من أجلها.
وقال ابن سيرين: الجبل حينئذ عصمة إلا أن يرى في المنام كأنه فر من سفينة إلى جبل، فإنه يعطب ويهلك لقصة إبن نوح، وقد يدل ذلك على من لم يكن في يقظته في سفينة ولا بحر على مفارقة رأي الجماعة والانفراد بالهوى والبدعة فكيف إذا كان معه وحش الجبال وسباعها أو كانت السفينة التي فر منها إلى الجبل فيها قاض أو رئيس في العلم أو إمام عادل.
وأما صعود الجبال فيؤول بمطلب يطلبه وأمر يرومه فيسأل عما قد هم به في اليقظة أو أمله فيها من صحبة السلطان أو عالم أو الوقوف إليهما في حاجة أو في سفر في البر وأمثال ذلك، فإن كان صعوده إياه كما يصعد الجبال أو بدرج أو طريق آمن سهل عليه كل ما أهله وخف عليه كل ما حوله، وإن نالته فيه شدة أو صعد إليه بلا درج ولا سلم ولا سبب ناله خوف وكان أمره غرراً كله، فإن خلص إلى أعلاه نجا من بعد ذلك، وإن وهب من نومه دون الوصول أو سقط في المنام هلك في مطلوبه وحيل بينه وبين مراده أو فسد دينه في عمله وعندها ينزل به من التلف والإصابة من الضرر والمصيبة والحزن على قدر ما انكسر من أعضائه.
والسقوط من فوق الجبل والروابي والسقوف وأعالي الحيطان والنخل والشجر، فإنه يدل على مفارقة من يدل ذلك الشيء الذي سقط عنه في التأويل عليه من سلطان أو عالم أو زوج أو زوجة أو عبد أو ملك أو عمل أو حال من الأحوال يسأل الرائي عن أهم ما هو عليه في يقظته مما يرجوه ويخافه ويقدمه ويؤخره في فراقه له ومداومته إياه، فإن شكلت اليقظة لكثرة ما فيها من المطالب والأحوال أو لتغيرها من الآمال حكم له بمفارقة من سقط عنه في المنام على قدر دليله في التأويل، ويستدل على التفرقة بين أمريه على قدر دليله وأن علمه باستكماله من الشيء الذي كان عليه وقوته وضعفه واضطرابه ربما أفضى إليه من سقوطه من جدب أو خصب أو وعر أو سهل أو حجر أو رمل أو أرض أو بحر ربما عاد عليه في جسمه في حين سقوطه ويدل على السقوط في المعاصي والفتن والردى إذا كان سقوطه فيما يدل على ذلك مثل أن يسقط إلى الوحش والغربان والحيات وأجناس الفأر أو إلى القاذورات والحمأة، وقد يدل ذلك على ترك الذنوب والإقلاع عن البدع إذا كان فراره من مثل ذلك، أو كان سقوطه في مسجد أو روضة أو إلى نبي أو روضة أو إلى نبي أو أخذ مصحف أو إلى صلاة في جماعة.
وأما ما عاد إلى الجبل من سقوط أو هدم أو احتراف، فإنه دال على هلاك من دل الجبل عليه أو دماره أو قتله إلا أن يرتفع في الهواء على رؤوس الخلق، فإنه خوف شديد يظل على الناس من ناحية الملك لأن بني إسرائيل رفع الجبل فوقهم كالظلة تخويفاً من الله لهم وتهديداً على أما تسيير الجبال فدليل على قيامة قائمة إما حرب تتحرك ففيه الملوك بعضها على بعض أو اختلاف واضطراب يجري بين علماء الأرض في فتنة وشدة يهلك فيها العامة، وقد يدل ذلك على موت وطاعون لأنها من علامات القيامة.
أما الجبل إذا رجع زبداً أو رماداً أو تراباً فلا خير فيه لمن دل الجبل عليه لا في حياته ولا في دينه، فإن كان المضاف إليه ممن عز بعد ذلته وآمن بعد كفره واتقى الله من بعد طغيانه عاد إلى ما كان عليه ورجع إلى أولى حالتيه لأن الله تعالى خلق الجبال فيما زعموا من زبد الماء والزبد باطل كما عبر به تعالى في كتابه.
والجبل الذي فيه الماء والنبات والخضرة، فإنه ملك صاحب دين، وإذا لم يكن فيه نبات ولا ماء، فإنه ملك كافر طاغ لأنه كالميت لا يسبح الله تعالى ولا يقدسه.