يوم من أيام المخيم الصفحة 4 من 4

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

يدهشك الصوت القادم من حلقات البنات والأولاد وهم يعلنون احتجاجهم على الغش الممارس من احدهم، أو القادم من معركة بين مجموعتين اثر خلاف على خسارة، أو انتقاما للكرامة اثر مسبة أو لعنة أتت من غيظ مكتوم. ومن احد الأبواب يطل رجل ووسن القيلولة في عينيه، وهو يصرخ ويشتم، ويلعن الساعة التي أُنجب فيها الأولاد، كما يلعن كل الآباء الذين لا يتقنون تربية أولادهم، والذين ينجبوا ويقذفوا نتاجهم بالشارع، لكنه يفاجأ بوجود ولده بين الجميع، فيثأر للسباب الذي حاق به من ولده بلسعات الصفعات ووجع الركل. يقترب المساء، وللمساء في المخيم نكهة خاصة، محملة بأريج زهور البيارات المحيطة به، البيارات المنتشرة بكثافة كسوار من خضرة حول منافذه جميعا، تعطيه رونقا خفيا، ينعش الجو، ويجعله أكثر شفافية، وإذا ما أضفت إلى ذلك، روائح الياسمين المعربش على الحيطان، ورائحة شجرة ليلة القدر المنتشرة على أبواب البيوت، وعلى بعض الأرصفة، تكون قد جمعت في ذاتك روعة المساء القادم من بين رموش النهار المستعدة للنزول نحو العين. تعج الشوارع من جديد، بالمقاهي التي بدأت بإرسال روائح النراجيل، والقهوة، والشاي، واليانسون، لتتكاتف مع روائح مقالي الفلافل التي بدأت بإرسال بخار زيتها مع روائح بسطات الشواء. في هذه اللحظات، تتعالى أصوات الناس من جديد، صحن حمص، صحن فول، واحد مسبحة، ومن مكان ليس ببعيد، دجاجة محمره، صحن لحمه حمره مع بعض أسياخ الكلى. وعلى رصيف المقهى الأصوات تتعالى، واحد شاي، طاولة نرد للشباب، ورق لعب على طاولة حبيبنا فلان، واحد قرفة، واحد يانسون. مساء ساخن، بحركة الناس والأولاد، تتقلب فيه الأشياء وتتنوع بروعة العفوية المنتظمة بكل ما فيها من اختلاف وتنافر، في لوحة رائعة لا يمكن لبشري على الأرض أن يجمع اختلافها وتنافرها، إلا في روعة المشهد وقدرته على التوحد والانصهار ليشكل بكل ما فيه وحدة لا يمكن فصل أي من مكوناتها. يأتي صوت الآذان، رقراقا، ليثير في النفس نوازع الروح المنشغلة بالدنيا، تتوقف أحجار النرد، وتتوقف أوراق اللعب، تغلق المسجلات والمذياعات، ويستعد الجميع، للتوجه إلى المسجد. تقفر الشوارع إلا من بعض الشباب المحتاج إلى زمن كي ينخرط في الصفوف المنتظمة بالمسجد، يأتيك همس النساء وهن متجهات نحو القسم الخلفي للمسجد، أمهات، وأخوات، وزوجات، فتيات وعجائز. تنتظم الصفوف، تتراص، ترفع الأيدي بالدعاء والابتهال، ويأتي صوت الإمام، الله واكبر، يسود صمت غارق بالإيمان، بالذوبان في شعائر تتخلل القلب وتخضله بندى الخوف والرجاء. تعود الشوارع لتحمل الضجيج المتناسق المتناغم، يعلو صوت المذياع والمسجل، وتضرب أحجار النرد الطاولة، وتأتي الأيمان المستثارة من هزيمة غير معترف بها، تتالى الاحتجاجات، والاتهامات، يحاول البعض التدخل للفصل بين المختلفين، لكنه يعود بندم حارق على تدخله فيما لا يعنيه. في الأزقة يطيب السمر، فحيث درت، وحيث يممت وجهك، تصطدم بحلقة من حلقات الشباب والأولاد، أو حلقة من حلقات النساء، المدعومة بإضاءة باب البيت، أو عامود النور، والشاي الذي تتحرك الملاعق بأكوابه برنين خاص، بمذاق خاص، فهو شاي السمر الممزوج بنكات وأحاديث وقصص، وأحيانا بأسى وشجن، ودموع تهطل من عيون قرحها الألم وأضناها الوجع. تتكون المشاهد كلها على الأرض، وفي الذاكرة، لتستقر بكل ما فيها من متناقضات داخل النفس، التي ترتب الأشياء بكيفية لا نعرفها، ولا ندرك لماذا يأتي إلى الذاكرة حدث ما في لحظة تكون النفس فيها بأقصى البعد عن الحدث أو ما يصل به، لكنه يستقر في عمق الوعي، كصورة تسجيلية على شريط مرئي، لينازع العقل والنفس في لحظة صفاء، منازعة نباح في ليلة غائصة في الهدوء والتأمل. تحاول الخلاص من استبداد المشهد، لكنه يتجذر بقوة خفية بأعماقك، تشعر بالضيق، بالتعب، تتعوذ بالله من الشيطان، لكنه يستمر في الإيغال باستفزاز ذاتك الموزعة بين الغضب وبين محاولة الخلاص منه، تتأفف، ويبدأ خلقك يضيق، تتراكم مشاعر النقمة. وفجأة يهزك شخص وهو يصرخ، ما بالك، أين شارد، السلام لله، يخرج المشهد من ذاكرتك وكأنه لم يكن، وعليكم السلام، سامحني، والله بالي مشغول. تهبط من مكانك إلى الشارع، أباريق الشاي ودلات القهوة في كل بقالة ومحل، والناس تتحدث بالسياسة التي أصبحت محور حياتهم ونواة وجودهم، تصلك الشتائم المصبوبة على العرب، كنيران تصب غضبها على غيب غير مشهود، خلافات في الرأي، تتبعها ألفاظ عدائية جارحة، يتجمر الموقف ويتلظى المتحدث، يصبح همه الوحيد النيل من محاوره، يغضب، فيعلن خروجه من الجلسة. مجموعة من الدعاة تقترب من المقهى، تتوقف أحجار النرد، وتختفي الأصوات، بعض الشباب ينسل من مكانه بهدوء متقن، والبعض الآخر يشغل نفسه بشيء ما، وبعض ينصت للمجموعة التي تفيض بالطيبة والسماحة، لحظات وتنهي المجموعة عظتها بدعوة الموجودين إلى المسجد بعد صلاة عصر الغد للمشاركة بالموعظة. يبدأ الليل بالتعمق، بنشر غلالته على المساحات كلها، فتبدأ الأجساد بالتراجع نحو البيوت، وهي محملة بهموم الغد والرزق والمعاناة. تقفر الشوارع، وتغيب رائحة الشواء والفلافل، لتنتشر روائح البيارات القادمة من السهول المحيطة بالمخيم، لتتشابك مع روائح الياسمين المعربشة على الأسوار والجدران ومداخل البيوت، ولتندمج مع روائح العطرية وليلة القدر، وليتوحد المشهد مع القمر المرسل ضياءه بتأنق حياء يزيده روعة وبهاء. قليل من الشباب يظل مسامرا الليل الغائص بالعتمة، يتحدثون عن الرتابة القاتلة، والبطالة المحكمة قبضتها على مستقبلهم الموزع بين النوم والمقهى والسمر. أصبحنا وأصبح الملك لله، الحمد لله الذي أحيانا بعد ما آماتنا واليه النشور، اللهم بارك لنا في هذا الصباح وقنا شره، الله واكبر، لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب يسر ولا تعسر. يوم جديد.