يوم من أيام المخيم الصفحة 3 من 4

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

الانتهاء من خبرة الانتقاء، يشكل بداية جديدة، خبرة يكرهها ويمقتها الرجال، لذلك تعتقد النسوة بأن فقدان هذه الخبرة دليل دامغ على استهانة الرجال بتعبهم وعرقهم، بل ويذهبن إلى ابعد من ذلك، حين يصرحن بأن كل الرجال يستمرؤون الضحك عليهم وخداعهم، ليصبحوا في النهاية حاملين لصفتي البله والهبل، وعلى صاحب المحل أو البسطة أن يفقأ مرارته مع بداية ممارسة هذه الخبرة، لان دمه سينشف، وروحه ستطق، وصبره كله سيتحول لتسرع يؤذي الأعصاب، لكنه في النهاية سيخضع وهو يضرب جارور النقود بيده مع الزبد المتصاعد في عقله وقلبه، وفي أحيان أخرى يندفع نحو الأكياس المملوءة ليفرغها في الصناديق من جديد وهو يصرخ بعبارات تدل على عدم رغبته في البيع أو الرزق القادم من هذا العناء، أما النسوة، فيغادرن وهن يتهمن البائع بالسرقة والحرمنة وعدم معرفة الله، وهذا الاتهام قائم في كل الظروف والأحوال، سواء حصلن على السعر الذي يردن ام لا، فالإيمان بلصوصيته وحرمنته غير قابل للشك أو النقاش. غرفة الانتظار في العيادة الصحية التابعة للوكالة، تغص بالنساء والأطفال، تمور بالأصوات والأحاديث المختلفة المواضيع والصور، لكنها تصب في محور واحد، الشكوى من مصاعب الحياة، وخبث الكنه والجارة، أثواب مختلفة الألوان، ووجوه تتركز في مساحات الزمن المعبأ بالذهول. - خير ماله الولد يا أم محمد؟ - والله ما بعرف يا أختي، اليوم صحي من النوم ساخن، الله يلطف فيه وفينا. - وانت، خير إنشاء الله بعيد عنك المكروه؟ - لا والله، قربي أوشوشوك، عيب يسموعونا الناس. - لا والله؟ معقول؟ ما عليك شر، انت مليحة وبنت أصول، وما بتستاهلي الا كل خير. في زاوية أخرى، بعض النسوة يتحلقن وهن يهمسن بصوت يسمعه المار من الشارع الفاصل بين العيادة والبقالات. - انتن مش عارفات انه أبو حسن طلق زوجته من يومين. - لا والله ما بعرف، يا حرام، والله زوجته فقيره. - فقرها من نقرها، هاي حرباي بسبع وجوه وألف لون. - خافي الله يا مستوره. - يعني هو اللي بحكي الحق بتنخزق طاقيته. - بينك وبين الحق الله. - وليش طلقها؟ - الله واعلم، أنا ما بحط بذمتي، وهي تنفخ داخل صدرها. - والله ذمتك بتسع المخيم واللي فيه. ويلفت نظرك منظر النساء العائدات من المدينة، بعد انتهائهن من تسوق، وهن يضعن ' المِدْوَرَة ْ'- وهي عبارة عن فقطعة قماش ملفوفة حول نفسها لتشكل دائرة توضع فوق منتصف الرأس- على رؤوسهن، والسلال أو خبايا الزيت، أو أي شيء مستدق أو ثقيل، حرات الأيدي، سريعات الخطى، وما يقف على رؤوسهن، يظل متوازنا بطريقة تثير الدهشة والاستغراب. تقفر الشوارع من جديد، إلا من بعض المتبطلين الذين يلتصقون بمقاعد المقاهي يشعلون دخينة من أخرى، أو يسحبون أنفاسا عميقة من نرجيلة تتقلب مياهها بقوة، ثم تسكن، وأصحاب المحلات يتحلقون مع بعضهم أمام متجر واحد، يرمون نظراتهم نحو محلاتهم ودكاكينهم، يخوضون في أسرار البيوت، ويفتحون صفحات الديون المتراكمة على أهل المخيم، يتهامسون بعدم الرضا من فلان وفلان، ويتهمون فلان بتهم يندى لها الجبين، وكل زادهم وعتادهم انفعالات تتعلق بالبيع والمتاجرة. ولكنك، إذا ما خطوت داخل الازقة، فانك ستجد حلقات متفرقة للنساء، هنا وهناك، يجتمعن حول وعاء لتنقية الأرز من شوائبه، أو للف بعض الدوالي والملفوف، أو'لتقطيم' الملوخية، أو الزعتر، وأحيانا للحديث ليس إلا، وكلها حلقات تنوء بحمل اللسان في الحلق، وتضيق ذرعا بالصمت الذي قد يجلب نوعا من الهدوء أو الراحة من استغابة الناس والنم عليهم. هذه الحلقات، كانت، ولا زالت، المشكلة الكبرى، بين الرجال الذين يرفضون تجمعات النساء، على اعتبار أنها تجمعات شياطين، تغذي المغيبة والنميمة، وتجلب القيل والقال، مما يتسبب بمشاكل بين عائلات كان يجمعها الود والصفاء. لكنهم هم، الرجال، الذين يتخذون من حافة المسجد، أو ساحة بقالة، مركزا لتجمعهم، فأنهم، لم يحاسبوا أنفسهم، على الغيبة والنميمة التي يمارسونها بشكل يبدو انه للنقد اقرب من الغيبة، فهم برجولتهم، وهدوء ملامحهم، وتقطيع نبرات جملهم، يحاولون تغليف أخطاءهم بوجه غير وجه أخطاء النساء شكلا وظاهرا، لكنهم بالحقيقة، أكثر تأثيرا، وأقوى تعرية للناس من النساء اللواتي يتناولن الفضائح المكشوفة المعروفة، أما هم، فإنهم، بحكم حركتهم واتصالهم بالمجتمع، يكشفون فضائح وأسرار، كانت قبل أيام، في علم الغيب، وطي الكتمان. وفيما أنت تجول بين الأزقة، ترى بعض الأطفال المنتشرين على حواف الحارات بعد أن تسلقوا سوق المدرسة، مولين الأدبار من مدرس طالبهم بواجب لم ينفذوه، أو طلبا للخلاص من رتابة اليوم والصف. ينتصف النهار، تعلن الشوارع استعدادها من جديد، يبدأ الصخب، حين تفتح المدارس أبوابها أمام الطلبة ليغادروا نحو البيوت، تفيض الجموع فيضا، ويهدر الجو بموجاتهم المتلاحقة، معركة تنشب هنا، ومعركة تنشب هناك، وبعض المارة يقف حائلا بين المتعاركين، لكن صخب الجموع يستمر بالهدير، وتتعالى أصوات الصفير والمناداة، يرقب الطلاب الفتيات بعيون حذرة، ترتد خجلا وحياء، وتسير الفتيات من بين الجموع، بتمنع أنثوي يسيل على الأرض أنوثة مغلفة بالرقة والحنان والاستحياء. رائحة الطبخ، تحاصر الأجواء، وتشدها إليها، تعوم الرائحة الزكية على نسمات الهواء، فتصدم انفك بقوتها، وتنوعها، ويشكل اختلاطها، إثارة عصية على المقاومة، وتبدأ الزوايا بسحب الجموع إلى أحشائها، فتفترق، وتتوزع، وتبدأ بالاختفاء التدريجي، وما هي إلا دقائق، حتى تجد الشوارع قد خلت من السيل الذي كان يندفع بقوة فياضة، مشكلا هديرا قاسيا وسط هدوء كان يستعد لاستقباله. وإذا ما قادتك قدماك داخل بيت، فأول ما يلفت نظرك، المراوح الموزعة في السقوف والزوايا من اجل التخلص من حرارة الجو ورطوبته، رطوبة تكاد تمسك بالجلد مثل صمغ قوي، وتأتيك حركة الأم وهي تهرول بين المطبخ وبين المائدة المفروشة على الأرض، أو على 'طبلية' مستديرة من الخشب، بهمة ونشاط، بفرحة وحنان، وهي تتلفظ بجمل تفيض روعة وأمومة لأبنائها وبناتها، وستلحظ دون أدنى شك، كيف تخفي بحرص وبشعور خاص بعض من قطع الدجاج أو اللحم للزوج الغائب في عمله. دقائق قليلة، وتعج الأزقة بالبنات والأطفال، فهؤلاء يلعبن 'النطة'، أو 'بيت بيوت' أو 'القال' أو ' الخرز'، أما الأولاد، فإنهم ينقسموا إلى مجموعات، فمنهم من يتجه نحو السهول أو الجبال، باحثا عن متعة الدوران بين الأعشاب والزهور، وسرقة اللوز والبرتقال، أو البوملي، وبعض يهتم بجمع الأعشاب البرية التي تضاف للشاي، أو تستخدم كطعام، كاللوف والزعمطوط، واللسينه، والبقله، وقسم يبقى في الأزقة يمارس لعبة 'الدقة والحاح'، أو ' البنانير' أو 'الرنه'، وغيرها من الألعاب.