يوم من أيام المخيم الصفحة 2 من 4

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

وعلى الشارع الذي بدأ يستقبل أشعة الشمس الأولى لليوم الجديد، تبدأ الحياة تسري في عروق المخيم وتفرعاته، المقاهي تستعد لاستقبال العاطلين عن العمل وكبار السن، محلات الجزارة تشحذ سكاكينها وسواطيرها، ترفع كلاباتها على مواسير الحديد الممدودة فوق المصطبات الخارجية، الخراف والعجول تقف مطمئنة سعيدة، دون ان تعرف بان اللحظات القادمة، هي اللحظات التي ستراق فيها دماءها وتزهق روحها، لكنها قبل موتها، ستثغو وتخور، ثم تنتفض بكامل جسدها لتضرب رأسها وجسدها بالمصطبة، ولكن ذلك كله لن يفيدها شيئا على الإطلاق، أما أبو صالح، فانه يباشر غلي الماء استعدادا' لمعط' الدجاج بعد ذبحه. والدي يبدأ استعداده اليومي للتسوق، يرتدي ملابسه المكوية، يغطي رأسه بالحطة البيضاء، ثم يرمي فوقها عقالا اسود، وبيده اليمنى يحمل سلة مستطيلة ومخرمة من البلاستيك، وقبل ان يخرج يتجه نحو والدتي وهو يقول: ' أنا متسهل يا أم العبد، محتاجة أي شيء غير الخضار واللحمة '؟ فترد أمي ' لا ولا شيء، الله يسهل أمرك وينور دربك '. ويخرج والدي وأمي تشيعه بنظرات حنونة، أستطيع من خلالها ان اعرف مقدار الحب الذي يربط هذين المسنين برباطه. وما ان يغيب والدي في التواء الزقاق، حتى تعود أمي لتأدية واجباتها البيتية بنشاط وهمة، لتخرج بعدها للجلوس على مصطبة باب البيت كنا قد صنعناها لها خصيصا، وذلك لأنها لا تحب الجلوس على الكرسي الخشبي أو البلاستيكي، فهذه الكراسي حسب رأيها، تجلب أوجاع الظهر وأمراض المفاصل، تماما كالطعام الذي يطهى من غير لحم، فانه يفسد الصحة ويهد الحيل. وعلى الشارع الرئيس للمخيم، المشهد خلاب، رائع، ينبض بالحياة، بالفرح، بالأقدام، بالخطى، بالتدفق من كل مكان، من كل زقاق وتفرع نحو الشارع. أطفال، يافعين، صبايا كأعواد وأزهار الجوري، يحثون الخطى نحو المدارس الواقعة على طرف المخيم، على الشارع الواصل بين مدينة طول كرم ومدينة نابلس، ومن هنا اخذ اسمه ' شارع طول كرم نابلس '. الفتيات بالمراييل المقلمة باللونين الأخضر والأبيض، دلالة على دخولهن المرحلة الإعدادية، أما الفتيات الأخريات، فمرايلهن مقلمة باللونين الأزرق والأبيض، دلالة على أنهن ما زلن في المرحلة الابتدائية، أما الأولاد فيرتدون ملابسهم العادية حيث لا تميز فيها بزي خاص. أسراب، أسراب، تتدفق، تسمع ضحكة هنا، وقهقهة هناك، جمال يغمر الشارع، أنوثة تسيل على الطرقات، أنوثة تنبعث منها روائح بكارة الياسمين، وينتشر حنانها بالأجواء، وهم الواجب المدرسي يضرب بقوة في أذهان وعقول الطلاب والطالبات، مطارق الخيزران والرمان تنتظر هناك، لكن كل هذا لا يلغي ولا يؤثر في سحر المشهد. أصحاب المحلات والدكاكين يجلسون على الأبواب، ومقالي الفلافل تعلن استنفارها من جديد، فأرغفة الطلاب يجب أن تجهز سريعا حتى لا يفوت وقت المدرسة، وعلى امتداد الشارع تنتشر مجموعة من الشباب، تراقب، تتأمل، تلاحق الفتيات، وما أن يمر سرب من أمام احدهم حتى تنطلق من فمه تعليقات حالمة ' الحلو حلو يا عمي '، نظرة واحدة مشان الله ' الحلوة بطلعلها تكبر علينا ' ارحمونا ' وينتا ناويين تشفقوا علينا '. على امتداد الشارع جمل تلاحق الفتيات، بعضهن يطفو الخجل احمرا على وجوههن، وبعضهن يبتسمن إعجابا، وأخريات يكدن يقعن أرضا من شدة الحياء، وإذا ما وقفت فتاة أمام احد المعلقين، فانه يصاب بالدهشة والذهول، تسقط الدخينة من بين أصابعه، ويبدأ بالارتجاف الشديد، ويغزوه شعور الرعب والخوف، فهو يعرف تماما ما الذي سيلقاه لو رفعت تلك الفتاة صوتها موبخة له، مئات الأيدي والأرجل ستنبثق من المجهول لتبدأ بلطمه وركله، وبعضها سيسقط من السماء فوق رأسه، لذلك ما أن تقف الفتاة حين سماعها تعليق حتى يخرج هو من دهشته وذهوله راكضا دون أن يدير نظره خلفه ليعرف إن كان هناك من يلاحقه ام لا، تتحرك الفتيات وهن يبتسمن ويرددن ' الوقح وقح وجبان ' أو ' بدل ما تهرب مثل النسوان احترم حالك '. وفي اللحظة التي يدق فيها جرس المدرسة معلنا بداية الانتظام في الصفوف في الساحة الخارجية، تتجه عيناك للشوارع والأزقة، فيدهشك اقفرارها، بعد أن كانت تغص بالأرجل والأجساد والأصوات والروائح، الضحكات والابتسامات الخجلة والحياء، رعونة شباب يقفون على حواف رصيف ينفثون لواعج طفولة ومراهقة في نظرات وتعليقات، هدوء شديد ينشق عن صوت موحد قادم من فضاء واسع ليضرب الآذان والنفوس، صوت الطلاب والطالبات وهم يتلون معا سورة الفاتحة استعدادا لدخول الصفوف والانخراط في دوامة يوم موزعة لحظاتها بين الكتب ومطارق الرمان والخيزران. مرة أخرى تتفجر الشوارع والأزقة بالرحمة، بالحنان، بالأمومة، بالدفق الطيب المنساب من وجوه ربات البيوت وهن يتوزعن على المحلات التجارية فرادى وزرافات، يلقين تحية يوم جديد، تحية مخلوطة بأدعية صادقة حارة. - صباح الخير يا ام خالد، كيف أصبحت اليوم، إن شاء الله أحسن؟ - الله يخليك يا ام محمد، الله يخلي ولادك يا رب، الحمد لله على كل حال، كيف انت يا اختي؟ كيف الأولاد والبنات؟ - كلهم بخير وببوسوا على ايديك، والله همهم كبير، مدرسه، وكتب، ملابس، أكل، الله يجبر زلامنا ويزيد من رزقهم. - آمين. - هاي ام عمر، من زمان والله ما شفتها، أهلا وسهلا يا ام عمر، تعالي، تعالي. - الله يخليكن أنا مستعجلة، ما عندي وقت، مره ثانيه إن شاء الله. أصوات، دعوات، بسمات، ضحكات، ثرثرة، نميمة، استغابة، بكاء، شهيق الم، شكوى، حمد، جمل تختلف وتلتقي، تتناقض، تتنافر وتتجاذب، مزيج من هموم حياة وفرح وجود، لكن كل هذه، دلالات على أواصر وروابط. الصناديق المطروحة على ارض بسطات الخضار، تتناوشها الأيدي التي تقوم بعملية الانتقاء الخبيرة بطريقة التخلص من خداع المزارعين الذين اعتادوا على خلط الطازج بالمضروب، أنامل تملك مرونة خبرة التنقل بين حبات الخضار والفواكه، أنامل تدور في الصناديق بحيوية ونشاط وخفة ومهارة، والألسن تدور في الأفواه بنفس الحيوية والنشاط والخفة والمهارة، فهذه تبحث بين حبات الخضار والفواكه، وتلك تبحث في أسرار البيوت وخصوصية العائلات، ووسط كل هذا، يضيع معنى الوقت وتفقد عقارب الساعة أهمية حركتها على ميناء الزمن، وصاحب المحل أو البسطة يجأر من وقت وآخر بغضب وحنق زاجرا وناهرا، معجلا خطوات الوصول للانتهاء من كل هذا التمازج العجيب.