يوم من أيام المخيم الصفحة 1 من 4

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

أصبحنا وأصبح الملك لله، الحمد لله الذي أحيانا بعد ما آماتنا واليه النشور،
اللهم بارك لنا في هذا الصباح وقنا شره، الله واكبر، لا اله إلا الله وحده لا
شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب يسر ولا تعسر.

صوت والدي الذي يصحو في كل يوم باكرا، يتناهى إلى مسامعي حين تبدأ خطاه
بالتوجه نحو المطبخ، ليُحَضر إبريق شاي الصباح الذي لم يطلع بعد، ليجلس بعد
ذلك مع أمي في قاع البيت يستدعيان ذكريات اختزلتها الذاكرة اختزالا عجيبا
ومدهشا، ثم ينتقلون مرة واحدة للتسبيح والدعاء، ليعودوا للحديث عن الدنيا
ومتاعبها، فتسبيح ودعاء، وهكذا، حتى تبدأ سماعات المسجد بالخشخشة إيذانا ببدء
الآذان، فيقومان نحو المغسلة لتبدأ دورة الوضوء مع الأدعية المرافقة له، ثم
يتناهى لمسامعنا أصوات الجيران وهم يتحدثون، يضحكون، يوقظون أبناءهم للحاق
بصلاة الجماعة.

الطريق من الزقاق للشارع الرئيسي لا يستغرق من الوقت إلا مجموعة من الخطوات
التي لا تتعب طفلا، لكن هذه الخطوات تكون مشحونة بالحديث، بالأصوات العالية
والمنخفضة، بالأدعية، بصوت الملاعق وهي تدور بأكواب الشاي فتبدو كرنين عذب له
امتياز التفرد والروعة، بالسعال المتقطع والمتوالي، ليأتي صوت الزوجات
والأمهات منبها من الضرر الذي يلحقه التدخين بالصدر والحلق، صوت الأواني وهي
تصطدم ببعضها في المطابخ التي تتهيأ لتحضير الزوادات وكسر السفرة، لتشكل
باصطدامها قطعة موسيقية خاصة لا يحس روعتها وتدفقها إلا ابن المخيم الذي ارتبط
بهذه الروعة ارتباط الروح بالحياة، دعوات الأمهات والآباء الخارجة من نبع
القلب الصافي صفاء الرحمة، صراخ الأطفال، وعصبية زوج أو أخ كبير، أصوات عديدة
متضاربة، مختلفة، لكنها تنتظم في سلم موسيقي رائع، لتنساب في أروقة المشاعر
انسياب الجداول في قلب الأرض، انسياب نسمات الصيف الناعمة الطرية في مسامات
الجلد وتعرجات الدماغ، لتمنح الذات نشوة غير موصوفة.

وما ان تضرب عيناك الشارع، حتى تفاجأ بالحياة الغاصة الضاجة، جموع من الناس
تتحرك باتجاهات عكسية، يلقون التحية على بعضهم، تحية الصباح الموزعة بين ألفاظ
متنوعة، أشكال متنوعة، فتحس جزالة اللغة وتلمس امكاناتها، وجموع أخرى تفترش
الرصيف أو جدار قصير، وجمع اخر يتكوم أمام إحدى البقالات، وجمع أمام مقالي
الفلافل وجرار الفول الممتدة على طول الشارع الرئيس للمخيم، سيارات العمومي
التي تصطف على امتداد الشارع لتنطلق بالناس إلى جهات العمل، نساء ورجال، شباب
وشابات، أطفال وطفلات، مسنين وعجائز، خليط مركب، ملون، في الملابس، في الشكل،
في اللون، في طبيعة العمل، وفي الهدف.

تخطو نحو بقالة أبو العبد الحافي الملاصقة لنهاية الزقاق وبداية الشارع، فترى
ساحة البقالة تغص بالناس، أبو العبد منهمك انهماكا تاما في تلبية الطلبات،
والأصوات متتابعة، ’ أبو العبد رغيف مرتديلا الله يخليك’، صوت اخر ’ علبة
دخان امبريال ‘، ’ أوقية جبنة بيضاء ‘، ’ علبة لبن ‘، الدخائن المتوهجة
بالأفواه تلمع هنا وهناك، أصوات محركات السيارات ورائحة دخانها يزكم الانوف،
يعكر نسمات الصباح، ومشادة هنا أو هناك بين اثنين، تكسر روعة المشهد وتحطمه
حين تبدأ الشتائم بالتنقل من نسمة لأخرى.

تخطو قليلا، خطوات معدودة، تلتصق بأنفك رائحة مقالي الفلافل، ويصلك حر الصاج
المليء بالزيت والبخار الصاعد منه، تحدق في الناس، في الجمع الذي يتدافع
للوصول إلى دور سريع، فترى الأيدي وهي تلوح بقوة وتنادي ’ حيدر أنا مستعجل،
الان ستذهب السيارة ’ صوت ’ يا حيدر خلصنا يا أخي، شد ايدك ’ صوت اخر ‘
مشان الله يا عالم، صفوا على الدور يا بجم، خلينا نخلص ‘. مشادة جديدة تكسر
روعة المشهد وعذوبته. يخرج حيدر من خلف منصته الرخامية وهو يصرخ: ’ الطوشة مش
هون، روحوا وخلصوا مشكلتكم بعيد عني، خليني اخلص شغلي ‘.

ترسل عينيك، الشارع من بدايته لنهايته يغص بالناس، بالأصوات المتشابكة،
بالطلبات الملتحمة، دكان الصابر، الحوده، القلق، المصيعي، الأطرش، القيسي، أبو
شاكوش، حياة، حياة صاخبة، سريعة، تندفع من جوف الظلام الذي كان يشد قيوده على
المكان، نحو صباح بدأ يشقق طبقات الظلام ويفسخها. تدرج قليلا فترى الأسراب
القادمة من أزقة مختلفة، سرب من زقاق حارة الشهداء، سرب من حارة المطار، سرب
من حارة الحمام، سرب من حارة الربايعة، سرب من حارة البلاونه، وسرب من
المربعة، كلها تسير بخطى واحدة نحو البقالات وبسطات الفلافل والفول، النعاس لا
يزال يوشم الجفون والمؤق بظلاله، والغضب المتراكم، المعبأ من صعوبة العيش،
صعوبة الحياة، قلة الحيلة، يظهر واضحا حين يفقد شخصا ما تماسكه بسبب نكتة
صغيرة، أو طرفة محببة.

تغادر هذا كله، صوب المسجد، مسجد السلام، المنتصب في الشارع الرئيس للمخيم
انتصاب التاريخ، تداهمك رائحة شجرة ليلة القدر المركزة حين تلامسها نسمة
الصباح الصافية الطرية، فتنتشر الرائحة في خلاياك، تغوص بأعماقك، وتقتحم
نظراتك خضرة الزيتون التي لا تغلق شفتاها عن التبسم، تلك الشجيرات التي غرست
على حافة رصيف المسجد، ليتعانق عبير ليلة القدر مع خضرتها في ملحمة خاصة،
ملحمة لا يقرأها، ولا يراها، إلا من تعودت قدماه على الوصول كل صباح ليستحم
بعطر الإيمان، ويتنشف بجلالة الخشوع في صفوف متراصة، صفوف تهيم في رحلة علوية
بين يدي الخالق.

وما ان تطأ قدماك عتبة المسجد الداخلية وتبدأ بخلع حذاءك، حتى ينقض عليك إحساس
جديد، إحساس يفصل بين عالمين فصلا تاما. هنا لا مجال للمشادة، للحديث الدنيوي،
للكذب، للغيبة، للحسد، هنا تشعر بالندم المطلق على الأيام الماضية التي انقضت
دون صلاة، أو على ما ارتكبت من آثام لا يعرفها احد غيرك، تبدأ نفسك بمحاسبتك،
تضغط عليك بقوة، فتتمنى لو ان الأرض تنشق وتبتلعك. تتوضأ، فتشعر بان الآثام
تتساقط من أطرافك ووجهك لتذهب مع الماء، تحس بالراحة، تقف لأداء صلاة تحية
المسجد، فيأتيك إبليس مسرعا، مشهرا كل أسلحته، حاشدا كل طاقاته وامكاناته، تقف
موزعا بين ركونك للإيمان، وانشدادك نحو وسوسات إبليس، تستنفر، تحاول التركيز،
الغوص في بؤرة الإيمان، تنجح أحيانا، وتفشل في أحيان أخرى.

تنهي تحية المسجد والسنة، تدفع ظهرك نحو عامود المسجد أو جداره، تتلو آيات من
الذكر الحكيم، سورة يس، سورة الإنسان، وأحيانا سور أخرى، تكللك الراحة، وتلفك
الطمأنينة، تدخل قلبك سكينة هادئة، سكينة فيها فيض من نور المودة والإيمان،
ينتصب المؤذن وتقام الصلاة، تنتظم الصفوف بخط مستقيم، تسافر في رحلة وادعة،
رقراقة، ويتفجر فيك سلسبيل خاص، لا يمكن ان يتفجر إلا في صلاة الصبح، تنتهي
الصلاة، تصافح الجميع وتدعو لهم بالقبول، يصافحك الجميع ويدعون لك بالقبول، ثم
تبدأ مرحلة الاستغفار والدعاء، تخرج، فيصدمك اللون الأسود للشارع، ويصدمك
العالم الخارجي بضوضائه وصخبه.