وصـايـا الصفحة 1 من 5

بواسطة: علي عمر بادحدح

1 الاخلاص
ولا داعي أن نذكر القول فيه ؛ فإنه أول الأمر وآخره وأوسطه وجوهره ، ولا شك أن الأمر بدونه لا قيمة له ، ولذلك من لطيف ما ذكر ابن القيم - رحمة الله عليه - في كتاب الفوائد أنه قال : ’ العمل بغير اخلاص كالمسافر يملأ جرابه رملا يثقله ولا ينفعه ’ يتعب دون نفع ولا فائده .

2 أن لا يحرموا أنفسهم علوم القرآن
فلئن حفظت فجوده ولئن جودت ففسره ولئن فسرت فتعلم البلاعه منه ، ولئن تعلمت البلاغة منه فارتبط بأسباب النزول وخذ حظك منه ؛ فإنه لا يشبع منه أحد ، ولا يمكن أن يصدر عن منهله أحد مطلقاً ، وحسبك في ذلك قول ابن مسعود رضّي الله عنه في الصحيح أنه قال : ’ والله الذي لا اله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت ، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الابل لركبت اليه ’ .
ولا شك أيضاً - أيها الاخوة - من الوصايا المهمة العمل بالعلم ؛ فإن هذا القران حجة لك أو حجة عليك ، فكل مرتبط بالقران لا بد أن يستشعر هذه المسئولية ، واخرج بن أبي شيبه في مصنفه عن أبي موسى - رضّي الله عنه - أنه قال عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال:’ إن هذا القرآن كان لكم ذكرى ، وكان لكم أجراً ، أو كان عليكم وزراً ، فاتبعوا اللن ولا تتبعكم القرآن ؛ فإنه من يتبع القرآن يهبط على رياض الجنة ، ومن يتبعه القرآن ؛ فإنه يزخ في قفاه فيقذفه في جهنم’ ؛ وهذا لا شك أيضاً من الأمور المهمة التي نحتاجها ، ولذلك كان دأب الصحابة - كما نعلم - من حديث أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال ’ حدثنا من كان يقرؤننا القرآن من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يقترئون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات ولا يأخذون من العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل فتعلمنا العلم والعمل معا ’ ، ولئن كان هذا الأمر غير متيسر ولا مأخوذ به فلا ضير أن تقرأ وأن تحفظ وأن تمكن وأن تراجع ، لكن لا تحرم نفسك من أن تستزيد وأن تتعلم وأنت ملزم قطعاً بأن تعمل بما علمت .

3 طلب الآخرة
ومن الوصايا أيضاً أن تطلب بصلتك بالقرآن الآخرة لاالدنيا ؛ فإن أردت أن تحفظ فاجعل حفظك لله وإن علمت ودرست فاجعل تعليمك لله فإن من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن لم يرد به وجه الله ، فقد روى أبوهريرة - رضي الله عنه - قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:’ إن الله إذا كان يوم القيامة ينـزل إلى العباد ليقضي بينهم ، وكل أمة جاثية ، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن ورجل قتل الجهاد ورجل كثير المال ، فيقول الله للقاريء : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي ؟ ، قال : بلى ، فيقول الله له:كذبت ،وتقول الملائكة : كذبت ويقول الله له : بل أردت أن يقال فلان قارئ وقد قيل ’ رواه الترمذي والحاكم .
فأرد وجه الله - عز وجل - بقراءتك وتلاوتك وحفظك وتدريسك ، فهذا أبو إياس معاوية بن قرة كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه يقول : ’ كنت نازلا على عمرو بن النعمان بن مقرن فلما حضر رمضان جاءه رجـل بألفي درهم من قبل مصعب بن الزبير فقال : أن الأمير يقرئك السلام ويقول : إنا لا ندع قارئاً شريفاً إلا وقد وصل اليه منا معروف فاستعن بهذين على نفقة شهرك هذا ، فقال عمرو : اقرأ على الأمير السلام وقل له والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا ، ورد عليه ما آتاه ’ فهكذا كان أهل القران .

وفي حديث عمران بن حصين أنه مرّ على قاصٍّ قرأ ثم سأل - كما يصنع بعض الناس اليوم عندما يقرأون قراءات التطريب والتنغيم ثم يبسطون أرديتهم ليضع الناس فيها أموالا يكتسبون منها بتلاوة القران - فاسترجع - أي قال: إنا لله وإنا اليه راجعون - وقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من قرأ القرآن فليسأل الله عزوجل به ؛ فإنه سيجيء أقوام يقرأون القران يسألون به الناس ) ، فلا تكن هذا الذي ذمّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبر انه كائن في امته في آخر هذا الزمن .

4 تحسين الصوت وحسن التلاوة
قال الإمام النووي في [ التبيان في آداب حملة القرآن ] : ’ أجمع العلماء – رضي الله عنهم - من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ، وأقوالهم وأفعالهم مشهورة نهاية الشهرة ’ ، فاجتهد في ذلك ما استطعت ، فقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن يجهر به ) رواه البخاري ومسلم .
و نعلم أن النبي قال لأبي موسى الأشعري : ( لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ) متفق عليه .
فاجعل من أهدافك أن تحسن بالقران صوتك ، وأن تزين صوتك بالقران ؛ فإن ذلك مما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك أحاديث كثيرة ، ومنها حديث البراء بن عازب عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : ( زينوا القرآن بأصواتكم ) .
ومن ذلك أيضاً ما روي عن أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر وهو يصلي يخفض صوته ، ومرّ بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعاً صوته، فلما اجتمعا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر : يا ابا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض من صوتك ، قال : قد اسمعت من ناجيت ، وقال لعمر : مررت بك يا عمر وأنت ترفع صوتك فقال : يا رسول الله أوقظ الوسنان واطرد الشيطان، فقال النبي لأبي بكر : ارفع من صوتك شيئاً ، وقال لعمر اخفض من صوتك شيئا’ ، فكن بين وبين وحسن بهذا القران صوتك واسمعه الناس كما كان ابن مسعود يغشى به مجالس أهل الكفر كفار مكة حتى يسمعهم كلام الله عزوجل .

6 الارتباط والدفاع عن القرآن
إذا كنت من أهل القرآن لا بد ان تكون من الدعاة للقرآن ومن المدافعين والمنافحين عنه، فلا ينبغي لك أن تسكت عمن يتهجم على القرآن أو يستهزئ به ، أو لا يكترث به ؛ لأنه إن كان ذلك حالك فلست في حقيقة الأمر من أهل القرآن لأن من قدّر القرآن وجمعه في صدره وحفظه في قلبه فانه يعز عليه ان يهجر الناس القران فضلا من ان يقتحموا أو يتجهموا أو يعتدوا عليه ، وحسبك في ذلك مواقف الصحب الكرام - رضوان الله عليهم - ومن ألطف وأظهر ذلك ما كان من عمر - رضي الله عنه - كما في صحيح البخاري أنه قال:’ سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكدت أساوره في الصلاة ، فتصبرت حتى سلّم ، فلببته بردائه فقلت : من أقرأك هذا السورة التي سمعتك تقرأ ، قال أقرأنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: كذبت ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ،فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :كذلك أنزلت، ثم قال اقرأ ياعمر، فقرأت القراءة التي أقرئني فقال - صلى الله عليه وسلم - : كذلك أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه ’ .

7 التميز والإتقاء
لا شك أن من الأمور المهمة التميز في الشخصية ، فأنت تحمل بن جنبيك كلام الله عزوجل وقد استدرجت النبوة بين جنبيك وقد أخذت المعجزة العظيمة وقد مر بك ما ذكر لك من القدر والمنزله لصاحب القرآن، فلا ينبغي لك أن تكون مثل غيرك وحسبنا في ذلك ما ورد عن ابن مسعود ( ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون ) .
وهكذا ينبغي ان يكون كما قال النووي ’ ومن آدابه أن يكون على أكمل الاحوال وأكرم الشمائل وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالا للقران وان يكون مصونا عن دنيء الاكتساب شريف النفس مرتفعا على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا ومتواضعا للصالحين واهل الخير والمساكين وان يكون متخشّعاً ذا سكينة ووقار’ وهكذا يقول الفضيل بن عياض ’ ينبغي لحامل القرآن ان لا يكون له حاجه إلى احد من الخلفاء ومن دونهم ’ وعنه انه قال ’ حامل القرآن حامل راية الاسلام لا ينبغي له ان يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيماً لحق القرآن ’ وانتبه لهذه الوصايا فإنها مما نبه اليها سلف الامة وعن الحسن انه قال : ان من كان قبلكم رأوا القرآن رسالة من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار .