ولادة الصفحة 3 من 3

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

أساليبهم الوحشية كلها توسلات لي من اجل كلمة، كلمة واحدة أقولها، جميعهم يركعون تحت قدمي، سياطهم، عصيهم، سلاسلهم، زنازينهم، عرييي، الكهرباء التي دفقوها بأعصابي، ركلاتهم، بنادقهم، كل هذه تركع تحت قدمي من اجل كلمة واحدة يقولها لساني وارفض، فيجلدهم رفضي ويعودون كلابا تهز أذيالها خيبة وحسرة. أتحول قطعة من اللذة، اللذة المشحونة بالنصر الحقيقي. يتقمصني عظماء التاريخ في لحظة واحدة، أعيش معهم، أحدثهم، يصغون إلي باهتمام بالغ، يبتسمون حين اخبرهم بعقابي لكتفي حين صرخا ألما، يبتسمون بشوق عظيم. أمد لهم لساني الصامت، فيتأملوه ساعات وساعات بإعجاب ودهشة، أشير لهم نحو الألم المسحوق، يحدقون فيه بتمعن، وامنح كلا منهم كومة كبيرة من صبري، يدخلونها في عيونهم، يمسدوا شعر راسي، يضغطوا على أناملي ويودعوني وكلهم شوق للقاء جديد. انفتح باب الزنزانة، دخل ثلاثة من الجنود، دفسوني بأقدامهم إلى الخارج ثم أوقفوني عنوة، ووضعوا القيود في قدمي ويدي، أما راسي فقد ادخلوه في كيس اسود عفن، وساقوني بركلاتهم دون ان ادري إلى أين. داخل الكيس الأسود الذي وضعوا راسي فيه أحسست حركة تنمنم وجهي بانتظام غريب، مسحت بيدي المغلولتين فوق الكيس فشعرت برودة غريبة على وجنتي اليمنى، أدركت الأمر، لا بد أنها قملة أو أنثى سيبان انفجرت حين ضغطت على الكيس فسال دمها على وجنتي كحبة برد. صعدنا درجات طويلة والتوينا يمينا فبدأت الضوضاء تصل اذناي قوية من خلال الأصوات المتداخلة بالضحكات المتفرقة والصراخ الحاد. نغمات موسيقية عذبة ترامت من مذياع في الجهة اليمنى خلفي فتسللت إلى قلبي تداعبه برخامتها وسموها. وفجأة أوقفوني، خلعوا الكيس عن راسي وفكوا الأغلال، ألصقوني بالحائط، تقدم احد الثلاثة نحو الباب المقابل، قرعه ودخل، ثم عاد وامسكني من يدي وأدخلني الغرفة. - جهاد سيدي الكابتن. - حسنا اتركه. الغرفة صغيرة، فيها مكتبان متعاكسان، احدهما يعطي ظهره للشباك المطل على الشارع، والثاني يقع بشكل مواز تماما للشارع نفسه، وعلى كل مكتب كان يجلس احد رجال المخابرات وأمامه حقيبة دبلوماسية من الجلد الطبيعي ومجموعة من الأوراق الفارغة، ووسط المكتبين، حيث الفاصل منفضة دخائن ضخمة غير متناسقة تبدو وكأنها جمجمة مسخ وضيع، وبين المكتبين كرسي من الخشب تدل شدة صفاره على قدم عهده في هذه الغرفة. انتصب الكابتن وأفسح طريقا وأشار لي بإصبعه كي أمر من أمامه، مررت فأصبحت بين المكتبين تماما، وبسرعة أدرت نفسي نحو الشارع لألقي عليه تحية لم القها عليه منذ أيام. - ' تفضل بالجلوس ' قال الكابتن. ولما جلست بدأ يدور بالغرفة وهو يضع القلم على شفته السفلى وكأنه مستغرق بأمر عظيم. اقترب مني فالتقت عيناي بعينيه، ابتسم نفس الابتسامه الصفراوية المصطنعة. نفس الابتسامة لم تتغير منذ ابتسمها لي على باب البيت، عاد يدور من جديد، وبشكل مفاجىء سألني: - هل تحب ان تشرب شيئا ما؟ - لا. - لا تخجل، لدينا أي شيء توده، قهوة، شاي، ماء. - لا. - هل تدخن؟ - نعم. - تقضل دخينه، علبة الدخائن امامك. - ليس في بالي. - لماذا يبدو عليك الخوف، لا تخف. - لا أنا لست بخائف، ولماذا أخاف؟ ليس هناك ما يدعو لذلك. - حسنا، حسنا، لندخل في الموضوع، ما رأيك؟ - كما تشاء. أزاح كرسيه قليلا ورمى نظره نحو الشارع وعاد ملتفا نحوي من جديد. - اسمع سيد ' جهاد'، أنا لا أريد أن تبقى في العذاب ولا أحب ذلك، ولكن طالما انك اصطدمت بأمن الدولة فواجبنا يحتم علينا ان نحافظ على هذا الأمن وان نعيدك إلى رشدك، وقبل ان ابدأ أسئلتي هناك أمران مهمان يجب ان تعرفهما وتكون واثقا منهما تماما: الأول: انك الآن بين أيدينا وحيدا، معزولا عن كل العالم وكل شيء في هذه المدينة بكاملها، بل أنت معزول عن العرب بكاملهم، كل الناس، وحتى الله، لن يستطيعوا الوصول إليك إلا إذا شئنا نحن ذلك. نستطيع ان نفعل بك ما نشاء، نعذبك اليوم بساعاته الكاملة، نفرم أذنيك، نستل عينيك، أي شيء تتصوره أو لا يخطر لك على بال نستطيع ان نمارسه نحوك ببساطة تامة ودون جهد. والثاني: أننا نعلم عنك كل شيء، أقرب الناس إليك يوافونا بتقارير كاملة عنك يوميا. ماذا تأكل؟ لون ملابسك، عطرك المفضل، ماذا تقرأ، في أي الساعات تكتب، حتى ملابسك الداخلية نعرف عنها كل شيء. التفاصيل والتقارير، ها هي، في هذه الحقيبة، سوف اريك إياها في نهاية التحقيق. تأمل وجهي، كان يبحث في قسماته عن اثر ما، أي اثر احدثته الكلمات في نفسي، اخترقت عيناه جلدي، نبشت بداخله بنفس المهارة التي نبشت أنامله أدراج مكتبي، لكنها عادت خالية. لأني لست وحيدا، ان الله معي، بجانبي، أحس وجوده بقوة غامرة، ثم انني املك الكثير أيضا، أملك شرفي وأمانتي، أملك دموع أمهات لم تسقط بعد، وأنا، أنا الوحيد القادر على حمايتها من السقوط، لأني املك التحدي مع كلبكم الأمين ' أبو خديجة '، أملكه بإحساس قاهر لذاتي، لعقلي، لقلبي، فكيف أيها المسخ القزم تظن بأنك قادر على النفاذ من هنا، كيف تظن انني وحيد وسط كل الأشياء العظيمة المهتزة بداخلي والمنتشرة كنقاط نور في دماغي؟ أما معرفتك لكل شيء عني، فهل أسهل من هذا أي أمر؟ أنا واثق انك تعرف عني الكثير، ولكني واثق انك كاذب متمرس حين تتشدق بمعرفتك شيئا عن أكلي أو ملابسي الداخلية. أيها الكابتن انضج قليلا وزد في طولك شبرين، شبرين فقط، حتى تستطيع ان تقول شيئا يوازي عقلي، أما قصرك هذا فانه يجعل كلماتك تسقط عند حذائي تماما حين تتكلم، أتدري لماذا؟ لسبب بسيط جدا، لأني أعلى منها بكثير. مضت الساعة الثالثة منذ بدء التحقيق ولم تأخذ مني شيئا، سؤالك عن أصدقائي، نشاطات جيراني، هوايات زملائي في المدرسة لن تستفيد منه شيئا، لا تحاول إرهاقي، لأنك لن تقدر على مثل هذا الأمر، صحيح أني لم انم منذ ثلاثة أيام، لم يغمض لي جفن ولم يسترح جسدي من السياط، لكني املك طاقة كبيرة، اكبر كثيرا مما تملك أنت، املك سرا لن تنتزعه مني مهما فعلت، املكه أمانة، أمانة دموع أمهات لم تسقط، وقلوب أباء لم تخفق حزنا بعد، وروح أخوات متأججة بدفء أخوتهن بقربهن. ألا تدرك الآن يا هذا الفرق بين ما تملك وما املك، بين ما تريد، وما أريد، ألا يكفيك هذا دليلا على نوع القوة التي أتمتع بها. أكثر من عشرين ساعة مضت وما زلت تدور حولي ككلب جائع، ألا يوصلك هذا إلى درجة اليقين، أنت تدور وأنا جالس، أنت تغضب، تصرخ، تشتم، تلعن، وأنا مكاني راض فرح، تدخل النشوة أعماقي حين يفلت راسك من عنقك، فتهيج كالثور الأحمق أمام اللون الأحمر، أحس ضعفك والمس بأنامل أصابعي الخمسة عجزك وخنوعك. ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاني؟ أنت امرأة في موقع القوة، ما رأيك بتجربة قصيرة مداها لحظات، دع الأمر يتبدل علي، لحظات، لحظات فقط، اقسم انك ستكون كداعرة الأرصفة في مجتمعكم تنبطح لعشرة رجال في نفس اللحظة التي تظهر أمامها ورقة نقد تافهة، ثم ان أمي ليست عاهرة يا هذا، أنت تعرف هذا جيدا، تريد إثارتي بهذه الكلمة، لكنك لن تنجح. ولكن، هل سالت أمك كم مسخ مر فوق جسدها طوال حياتها، ابن أي مسخ أنت منهم؟ جرب ان تسألها إن كانت غير صندوق نفايات يلقي فيها كل المسوخ كل يوم ما يتقيـأ جسدهم، وعندها عد إلي وضع عينيك في عيني. علمي رفعته بكل شجاعة وجرأة، ولكن لن أخبرك بذلك مهما فعلت، وسأرفعه فور خروجي من عندكم، وقبل ان اقبل يد أمي وأبي، وقبل أن أعانق أختي وأخي، وقبل أن أداعب أبناء أخوتي، تلك العصافير الصغيرة التي تتدرب على الطيران لترتفع بالعلم حتى تجعله يلامس وجه السماء، وسأبصق في وجه كلابكم أمام الناس، في وسط المقهى، سأنثر بصقاتي في وجوههم بكل قوة، ثم امسحها بحذائي، وبعدها فليحصل ما يحصل. أما الآن فاني ابصق عليك بصمتي وإصراري، ارني أنت شجاعتك، رد الأمر علي إن استطعت، أنت لا تستطيع، أنا واثق من هذا، فلساني أقوى منك وممن كل من ورائك أيها القزم، أيها المسخ اللعين. ان تكون في دوامة العذاب خير لك من ان تكون مشاهدا لها، والمثل القائل بان الذي يأكل العصي ليس كالذي يعدها مثل فارغ لا فائدة منه، يجب ان يلقى في سلة مهملات ليدفن في لهب الحريق. كنت أقف استل عصبا من جسدي لأجعله ركيزة لعصب آخر، مزقت جلدي، حفرته، أخرجت أعصابي لأركز عليها ما تبقى من أعصاب، عيناي، آه لو فقدتهما، وأذناي كم تمنيت لو ثقبتهما، كي لا أرى المشهد ولا اسمع الصراخ، لا أرى تلويه ودموعه، لا اسمع صراخه الذي يفتت الفولاذ. أجلسوه على كرسي من الحديد، رفعوا صدره بشكل مستقيم، قيدوا صدره بسلسلة ضخمة، وربطوا قدميه بأرجل الكرسي بسلاسل مثل التي قيدوا فيها صدره، مدوا يديه على حاجز حديدي وضبطوا الرسغين بأقفال ضيقة، فثبتت الرسغين ثباتا تاما، ثم ادخلوا بين أصابع يديه حلقات حديدية تضيق وترتخي بصواميل في وسطها. أرخوا الصواميل بشدة وزرعوا في ثقوب الحلقات مسامير ثم ضيقوا الصواميل بقوة فانفرجت الأصابع العشرة انفراجا حادا لا يستطيع الإنسان وهو حر اليدين ان يصل بانفراجهن إلى هذه الدرجة. وقف أبو خديجة أمامه والابتسامة تعلو وجهه، نظر إلينا بحقد اسود وتناول كماشة من يد زميله، قربها من وجه الأسير، ضغط بها على شفته ضغطة صغيرة فنفر الدم على لحيته وعنقه. - ما رأيك هل ستعترف؟ وكان الصمت ابلغ جواب، وضع كماشته على الجزء البارز من الظفر، سحب بقوة فقفز الدم كنمر، كسهم بعيدا حتى وصل منتصف القاعة ودوى الصراخ وتلوى الرأس وبرزت الدموع من شدة الألم. لم يخلع أظفره اللعين. سحبه من جذره وعاد إليه، بدأ يخلخله ببطء شديد، يسحب ثم يرخي، بحركة دائرية بين ثنايا اللحم، والصراخ يعلو والدم يتطاير زوابع متفرقة. انخلع قلبي من مكانه، شعرت بعجزي لأول مرة وأردت البكاء فلم تطاوعني الدموع، اجتاحني غثيان قاتل فاستفرغت ما في جوفي. حصنت عيناي محاولا ان لا أراه فهوت سياطهم وعصيهم علي مثل المطر، وأمسكوا راسي بقوة، لقد أرادوا أن أحدق، أن أتعذب، ضعوني مكانه اقسم انني موافق ولكن لا أريد أن أراه هو. لا أريد. انخلع الظفر من مكانه تماما، وأطبقت الكماشة بعنف على الظفر الثاني، وبقوة وبلمحة عين كان الظفر في فم الكماشة النهمة، أما الدم فقد طار من الإصبع بقوة كالغاز المضغوط حين يخلى سبيله فجأة. خلع الأظافر العشرة استغرق ما يقارب الأربع ساعات أو يزيد، استنفذ خلالها أبو خديجة كل خبرته وفنه في التعذيب، خلخلة الظفر، الدوران فيه بين ثنايا اللحم، عكفه للخلف، الميلان به بزاوية حادة وخلعه وهو مائل، محاولة إعادته للإصبع بعد خلعه، ضرب الإصبع بمسطرة معدنية أثناء الخلع. قدرة فذة في التعذيب، فقد الأسير من جرائها وعيه مرات عديدة، رشوه بالماء في كل مرة، ما قيمة العذاب وهو فاقد الوعي؟ من أين ستأتي المتعة واللذة لهذا الخبير من غير تلو وصراخ ودموع. أما نحن الذين شاهدنا المنظر فقد طار صوابنا، تجشأنا الألم حتى كدنا نخنتق به، ففقد كثير منا الوعي، هوت قلوبنا حسرة بين أحشائنا، لمسنا عذابه بأناملنا وقاسينا ما قاساه بصورة أفظع، يكفي علينا شعورنا بالعجز، بالشلل، أمام تلويه ودمائه ودموعه. حتى ونحن في زنازيننا مزقنا الألم، وانتزع من عيوننا النعاس ومن عقولنا التفكير، كان صراخه يأتينا واضحا ممزقا السكون، مبددا الوحشة، كان يصرخ بوحشية كثور هائج وبحر صاخب، مدة طويلة ثم يضعف شيئا فشيئا حتى يبدو كخوار الثور وقت الحشرجة. وفي الصباح بدا عاجزا، عاجزا تماما، يداه ممدودتان على فخذيه لا تتحركان وكلما حاول رفعهما كانتا تقطران دما، ويعلو صراخه المجنون ليهز جدران السجن بأكمله، نحن من يطعمه، نسقيه، نضع الدخينة بين شفتيه، نأخذه للحمام. أما هو فقد توزع بين شعورين حادين كحدي الشفرة، شعور الألم وشعور العجز. اسمه مناسب لكل صفاته وخلاله، لقد أحسنت أمه مرتين: الأولى: حين أنجبته. والثانية: حين أسمته منتصر. الليل بطيء وثقيل والنفس الموزعة بين الفراق واللقاء تصليني، تقلبني على جمارها المتقدة بخبث ودهاء. سنتان يا أمي! سنتان! ما لمس راسي حضنك ولا أنغمر في صدرك الحاني، عذبني الشوق إليكم، لأحاديثكم، لسمراتكم، لمعارككم، لكل شيء فيكم حتى رائحتكم، غدا وما ابعد الغد، كأنه السنتان لوحده. غدا ادفن راسي بصدرك، الثم يديك، أمسد تجاعيد قدميك، احضن أبي، اقبل كفيه الطاهرين، وأجثو عند قدميه الثمهما. أخوتي، أبناءهم، سيرن صوتهم بسمعي مثل موسيقى ملائكية، خالي، عمي! احملهم فوق كتفي إلى البقالة لأحملهم حلوا وسكاكر، أدغدغ وجناتهم بشوقي واشتياقي، أضمهم جميعا لحضني وقت النوم وأغفو على نغمات أنفاسهم المنتظمة. لكني أصدقك القول، اشعر بالحسرة حارقة في حلقي أمام عيون أخوتي الذين معي، لا اعرف كيف ساحيا بعيدا عنهم، هؤلاء يا أمي أخوة البطولة والعذاب، أخوة الألم، الم الروح لا الم الجسد، هؤلاء كيف احيا بدونهم بعد كل الذي خضناه وقاسيناه معا. أنا فرح لخروجي، فرح للقائي بكم، وحزين كذلك بسبب فراقي لهذه العيون الصادقة، لهذه القلوب العامرة بصدق المودة والوفاء. اليوم، اليوم فقط، سالت الدموع يا أمي، تصوري لم ابك طوال سنتين من القهر والكبت والعذاب، أما الليلة فقد انسابت دموعي غزيرة وأنا أتلمس أجسادهم واشد على أيديهم. – على فكرة – يدا منتصر عادتا صخرتين صلبتين وقد ضغطت عليهما بكل قوتي، ابتسم، عرف ما قصدته. الم اقل لك أننا نتحدث بالأيدي، بالعيون، بالألم، بالتحدي، حاجتنا للسان قليلة، بل نادرة، عقولنا متشابكة على نفس الخط، قلوبنا متعانقة على نفس الهدف، كل شيء بيننا مشترك، ليس هناك ما هو لي وما هو لك، هنا كل شيء لنا، حتى أمومتك لم تعد لي وحدي لأنهم جزء مني، جزء لا ينفصل، متعلق بالروح، والروح لا تنفصل أبدا. الآن كم تمنيت لو كنت بجانبي هذه اللحظة لتشتركي في الحفل المقام بمناسبة خروجي، كلهم يعمل بفرحة الألم، حتى النوم حظروه هذه الليلة على أنفسهم، يريدون ان يحيوا لحظاتي الأخيرة بكل عمقها وتأثيرها. وحين يطلع الصباح علينا تنسدل الستارة، تنسدل على عامين قضيتها في كنفهم، تنسدل لتفتح على فصل جديد لقادم جديد. سنتان يا أمي بأيامها وشهورها، ساعاتها وثوانيها، عشناها بكل ما فيها من زخم وفوضى وكبت وقهر، ويأس وأمل وفرح، حتى دماءنا جعلونا نلعقها بالقوة عن أجساد بعضنا، فوحدوا فينا الدم دون ان يدروا، ولو عرفوا معنى وحدة الدم ما جعلونا نلعقه أبدا، لحالوا بيننا وبين هذا الأمر بكل ما أوتوا من قوة وبطش. دمي يسري بأوردتهم في هذا السجن وذاك، ولي بعروق من فيه طوفان من الدم، وكم من طوفان لهم بعروقي. وغدا، غدا صباحا لا اصدق الأمر، سأتركهم، وسأخرج للمشي في الشوارع، للأرصفة، لأقلامي وكتبي، لأهلي وخلاني، لذكرياتي، لتراب الأرض الذي يحمل أثار خطواتي الأولى. وسأتركهم، للظلمة، للجدران، للعزلة، للألم، للحرمان. أي مفارقات هذه، أي تناقض صاغته الحياة لنا من دون شعوب الأرض. وكان صباح وكان وداع، غطت الدموع عيناي ولهث قلبي متعبا من شدة الخفقان، لمست أيديهم جميعا يدا يدا. قبلت جباههم جبهة جبهة، وحدقت في عيونهم، قرأت فيها بريقا يشع فرحة ويشع ألما، وكانت البسمة الأخيرة مع صفعة الباب الحديدي العنيف، أصبحت خارجه لكنهم ما زالوا يا أماه خلفه مغمورين بالبطولة والرجولة شاء الزمن ذلك أم لم يشأ