ولادة الصفحة 2 من 3

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

دخل الصالة وهو يبتسم ابتسامة صفراوية كوجه عجوز ميتة، دفعني بخفيه فاخذ جسمي يتطوح بعشوائية شديدة في فضاء الصالة، أما معصماي فكأنما انغرست فيهما مسامير فولاذية. وقف بعيدا وفي يديه سوط اسود، وكان كلما اقترب الجسد منه يهوي عليه بالسوط. كان مخلصا في عمله، متفانيا في أداء واجبه، خفاه لا تعرفان التعب، أما العرق المتصبب من جسده بغزارة فهو دليل واضح على انه يأكل لقمته من عرق جبينه. اسمه ' أبو خديجة '. هكذا سمعتهم ينادونه قبل ان يغمى علي، صحيح ان الصورة كانت مشوشة آنذاك، إلا ان هذا الاسم رسخ في ذاكرتي وكأنه نحت بأزميل فولاذي. دورة العذاب سائرة لا تنتهي، حين يزهق أبو خديجة يدخل غيره وهكذا، حلقة محكمة قاسية وعلي ان احيا في قطرها، أدور فيها كالثور يدور حول الساقية، لكن الثور يدور لأنه خلق لهذا الأمر، أما أنا؟! عاد صاحب الخفين، خبير العذاب والألم، دفعني بقوة فطار جسدي بعيدا بسرعة فائقة، وحين اقترب منه عائدا، لقف جسدي من القدمين وهزني للأسفل، صرخت، نعم صرخت، كانت الصرخة الأولى، لكنها أتت من كتفي الذين طارا من جسدي بسبب الهزة، لم تكن من فمي أبدا، اقسم على ذلك أغلظ الأيمان، لساني وقتئذ كان متجمدا، متحجرا، ميتا لا حياة فيه. لكن الصرخة بقدر ما مزقتني بقدر ما أفرحته، داعبت نفسيته ودغدغت ساديته. تبسم مستشعرا لذة الانتصار، فأعاد الكرة، لكني لم اصرخ، ليس لأني لم أحس الألم، بل أحسسته أكثر لان الهزة كانت أقوى واعنف، إنما هو التحدي. هو يجلدني بسياطه وخفيه وقدميه، يعلقني بسلاسله، لكنه لا يشعر باللذة والمتعة إلا حين اصرخ، هكذا أنبأتني ابتسامته وبريق عينيه حين فلتت الصرخة مني. لذلك لن اصرخ، سأجلده أنا الان، جاء دوري، لقد كشف لي عن نقطة ضعفه وانهياره، سأنتقم منه بقص لساني وإسكاته، أما كتفاي اللذان صرخا فليعاقبا بشدة هزاته على الفرحة التي قدمت له بسببهما. الان ' أبو خديجة ' يبدأ التحدي، أنت بكل ما تملك من قوة، وأنا بكل ما املك من احتمال، أنت الذي بدأ، وأنا قبلت التحدي، وسنرى من سيركع في النهاية، من سيستسلم. الوقت في هذه الصالة صيف طويل، فهي من غير نوافذ، ومضاءة دوما بنور اصفر باهت، لا تدخلها الشمس، لكن لا بد وأنها تضرب جدرانها بحرارتها اللاهبة، خيوط صفراء باهتة مرسلة من المصابيح المتدلية وسط الطرقة الضيقة التي تؤدي إلى الصالة، لكني رغم ذلك استطعت ان احدد ببساطة بعد مرور أيام على وجودي في هذه الصالة وقت الليل من النهار. العزلة تنفيك عن العالم الخارجي نفيا تاما، هذا صحيح، لكنها تدفعك لامتلاك حواس خاصة شديدة الرهفة، لا تستطيع امتلاكها بغير هذه الأجواء، هي حواس الضرورة الراهنة، مثال على ذلك: انني لم استطع تحديد الليل من النهار إلا من خلال السياط التي كانت تجلد جسدي، ففي أحيان كانت السياط تهوي على جسدي مؤلمة شديدة الألم، أنا اعترف بذلك، لكنها في أحايين أخرى كانت تهبط على جسدي كالجمر، كاوية شديدة الحرارة، فحين كانت تنزل مؤلمة كنت اشعر جسدي حارا يملأه الدفء، وحين يكون حسدي باردا ينهال السوط كجمرة لاذعة. الفرق إذن، ان جسدي حين يكون دافئا، معنى هذا ان الدنيا ما زالت تتوسط النهار، وحين يكون باردا، يكون الليل قد خيم، بهذه الطريقة ومن خلال عذاب السياط استللت مقدرة خاصة منحتني قوة خاصة رغم أنوفهم. أرادوا عزلي فنجحوا، أرادوا ان يكون نهاري ليلا ليس بالرؤية فقط، إنما بالإحساس أيضا ففشلوا، خانتهم سياطهم، وآزرني جلدي. والزنزانة، هذا الجحر الصغير الذي صنعوه ليرموني فيه كفأر، أي عالم واسع رحب فيها حين ادفع داخلها ويوصد الباب علي وانكمش لاما جسدي، مدفئا أجزاءه ببعضها، يهجر النوم عيني، واغرق في بحر من صاخب من الأفكار المتأنية والصبورة، فتنفتح أمامي عوالم جديدة، عوالم يتفجر فيها الربيع مزهوا بحنونه وشقائقه. الزنزانة بكلمة بسيطة هي التأمل، فيها أستطيع الاستغراق في كل شيء، الأحداث والتاريخ، الأدب والفلسفة، العلم والنفوس البشرية استغراقا تأمليا يحكمه العقل ويحده المنطق. فيزخر رأسي بالمعاني اللامعة الجديدة لكل سطر، لكل سطر، لكل بيت من الشعر كنت قد قرأته، المعاني الجديدة في جو هذه الزنزانة الغارقة بالظلمة والوحشة والسكون، جعلتني اسخر من المعاني القديمة، تلك المعاني أصبحت أمامي باهتة تماما كالضوء الأصفر المعلق وسط صالة العذاب. في الزنزانة رأيت الله، أحسست قوته القاهرة بأعماقي كما لم أحسها من قبل. وتأكدت يقينا بأنه يقف بجانبي، فاستشعرت العظمة والشموخ تنغرسان في قلبي أعمدة من نوره الوضاء. وتذهب الظلمة، فيجلل النور الساطع روحي، وتنفتح أمامي مسافات الأرض كلها دون عناء، يتسرب الألم من شقوق الجروح في جسدي خائفا مرتبكا، أدوسه بقدماي واسحقه من رأسه حتى ذيله، فتغمر النشوة قلبي، ويتفتق الإصرار بعقلي صور إباء وشموخ وتعال، يندفع الدم في عروقي بنشاط وحيوية، يغلق جلدي نفسه على الشقوق المفتوحة فيه، فأتذكر أبي الطيب حين يقول: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام واضحك، جروحي يا هذا أغلقت نفسها بنفسها، لكنها حية، لو كنت تعلم بان هناك جروحا ستداوي نفسها ماذا كنت ستقول؟ الناس ترهب الظلمة، وأنا اعشقها. فهي هنا، وهنا بالذات لحظات استنارة كلية لعقلي، تضيئه بنور ساطع وضاء، اشد من إضاءة الكهرباء في غرفة مكتبتي، بل واشد من نور الشمس في وسط الظهيرة، هنا املك ذاتي، بالحقيقة، بالتجربة، بالواقع، وليس بالكلام والتشدق، القوة ان تملك نفسك ساعة الخطر، وأي خطر أعظم مما أنا فيه.