ولادة الصفحة 1 من 3

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

الظلام يكلل كل شيء، لو مددت إصبعك أمام عينيك، فانك لن تراه، والجسد الملوح بالسياط والعصي والتعب منتصبا كشجرة حور عملاقة.

التعذيب طوال الساعات الماضية لم ينل منه شيئا، والوقوف الإجباري بسبب الربط الخلفي في ماسورة مثبتة بالحائط، الجلوس الإجباري على كرسي أطفال من الخشب مع التقييد التام لليدين والقدمين معا، اجبر الجسد ان يكون مقوسا تقوسا يشبه الانحناء بالرأس نحو القدمين، كل هذا لم يزحزح الرجل عن موقفه قيد أنملة.

عادت الذاكرة للعمل من جديد، هكذا يحصل دائما، حين لا تجد ما تفعله، فانك لا تستطيع ان تمنع عقلك من الانفلات على هواه ليعمل ما يشاء، ويصور ما يشاء. وفي عمله مع لحظات الهدوء القاتل، ولحظات التوقع القادمة من الظلام، تبدأ روعة العقل في الظهور لتطفو فوق كل الحدود والجدران، ترسم عبقرية فذة في صنع شيء ما للجسد المقهور والمغلول، هذا العقل هو الانتصار الأبدي على كل المعاقل العاتية، وسطوة القهر الطاغية. لا توقفه الجدران ولا تسيطر عليه القيود. هو حر داخل الزنزانة، وتحت السياط، حر برغم القيود الضارية التي تغل اليدين والقدمين في آن.

أستطيع الان ان أمر به فوق كل شوارع المدينة وأرصفتها، أستطيع ان أتجول بين رفوف مكتبة البلدية العامة، أتأمل بعمق خاص كل العناوين المرصوصة فوق الرفوف، أزور أهلي وخلاني، ألاطف أبناء أختي بضحكة عالية طويلة، أكاد أشرق بدموعي من شدتها، أرسم معالم خطوات أزلية لمعركة أجنادين، وذي قار، اقرأ المتنبي وجرير والفرزدق، ما زال لي عقل، إذن ما زلت حرا، ولن تستطيعوا سلب عقلي، آلات تعذيبكم، بطشكم، همجيتكم. كل هذه الأمور لن تغير شيئا لأنني الأقوى، الأقوى، نعم، ليس بجسدي، بل بعقلي.

طاف عقلي كثيرا، لكن أكثر ما توقف عنده، تلك الليلة المشؤومة.

كانت الساعة تقارب الواحدة بعد منتصف الليل حين ظهر في السكون صوت سيارات متتالية تصطف في الحارة، وعلا صوت البساطير على الأرض بين جدران البيوت، حركات وأصوات غير اعتيادية في حارتنا، في هذا الوقت المتأخر من الليل، سكنت الحارة مرة واحدة، وما هي إلا ثوان حتى كان باب البيت يقرع بشدة.

أفاق أهلي من نومهم والنعاس ما زال فوق رموشهم، أفاقوا مذعورين مدهوشين، من سيأتي في مثل هذا الوقت الغائص في العتمة؟!
‘من بالباب’؟ سأل والدي.
’ جيش، افتح الباب’ أتاه الجواب.
طوحت الكتاب بعيدا عني وخرجت من غرفتي صوب الباب الخارجي وفتحته.

كان يقف بالباب ثلة من الجنود المدججين بالسلاح وعلى أهبة الاستعداد، يتوسطهم شخص قصير أصلع بلباس عادي، على وجهه عوينات معدنية لمع إطارها حين أشعل والدي الضوء الخارجي، هو ضابط المخابرات كما توحي هيئته.
‘أنت جهاد’؟ سأل مع ابتسامة صغيرة مصطنعة.
’ نعم’.
’ هل تسمح لنا بتفتيش البيت’؟
أراد ان يبدو مؤدبا، نوع من التحاذق الثقيل، لو كان يعلم انني املك حق منعه من دخول البيت، ما أتى إليه مطلقا، ثم أي حق هذا أمام الحشد المدجج بالسلاح؟
دخل دون ان يسمع جوابي، واتجه مباشرة نحو غرفتي الخاصة، ودخل خلفه ثلاثة جنود، وانتشر خمسة آخرون في قاع الدار وأصابعهم متحفزة على زناد بنادقهم. حدق في المكتبة، وانزل مجموعة كبيرة من الكتب، قلب صفحاتها بتمعن وسألني بين فينة وأخرى عن موضوع كتاب أو مجلة، نبش الأدراج واحدا تلو الاخر، بتأن وصبر، وبأنامل صغيرة رفع أغطية السرير، وبسكين حاد مزق فرشته ونفش صوفها على ارض الغرفة، فرغ محتويات قوارير الورد فوق الصوف المنثور، كسر إطارات الصور المعلقة على الحائط وضربها بعصبية حادة بجدار الغرفة.

حدق في بغضب واضح، كوحش جارح يحدق في فريسته، نفض يديه وصرخ بشكل مفاجىء:
’ أين العلم’؟
ضبط نفسي بقوة وقلت بصوت عادي متزن:
’ أي علم’؟
’ علم فلسطين’
’ ما زلت لا اعرف عم تتحدث’.
’ إياك ان تتحاذق معي، اخبرني أين العلم ووفر على نفسك ما لا تحب’.
’ ما زلت لا اعلم عم تتحدث’.
’ لا تريد الاعتراف، إذن بدل ملابسك وسوف تأتي معنا لنتفاهم هناك’.

خلعت منامتي وارتديت ملابسي، خرجت من الغرفة، كانوا قد نبشوا البيت بكامله، حتى المطبخ لم يسلم من أذاهم، خلطوا كل شيء ببعضه، الدقيق مع السكر مع الملح مع الأرز مع الزيت، عجنوا المحتويات ببعضها، أتلفوها. تأملت وجه أمي، كان مربدا حزينا، قانيا، تعلوه الدهشة والانكسار، ويتوج عينيها الرجاء. ضمتني بعينيها الحانيتين، كانت الدموع تترغرغ فيهما وتتحجر، بدا الألم عنيفا طاغيا على وجنتيها المرتعشتين. لماذا لا تبكي يا أمي؟ أنا اعلم بأنك تحجزين دموعك بجهد كبير، اعلم ذلك يقينا، أنت لا تريدين ان تريهم انكسارك وتلهفك، وهذا أروع ما فيك هذه الليلة، كابري ما استطعت، اضربيهم بسياط صبرك، ودعي الألم يدمي قلبك دون ان يروه.

أما أنت يا والدي، يا صاحب الكفين الطاهرين، والعيون الخضر كسهل مرج ابن عامر. اقسم بأنك ناقم علي الان، وانك غاضب على تصرفاتي، ولكن فوق كل هذا، اقسم أيضا انك تتمنى ان تفتح قلبك لتخبئني فيه، وانك اشد حزنا من مالك في هذه الليلة، لكنه قدري، وليس هناك من يستطيع الفكاك من قدره.

وأنت يا أختاه، يا صنو الروح وشقيقة القلب، ها أنا أتركك وحيدة، حبات الدموع المنسابة من عينيك كعقد لؤلؤ تكويني في سويداء قلبي، تكويني بعمق صارخ، لكني لست الأخ الوحيد الذي تنتزعه براثنهم من بين أهله، ولن أكون التخير، فهل يكفي هذا عزاء لك؟

وضعوا القيود في يدي ودفعوني أمامهم بفوهات بنادقهم، كانت المسافة من باب البيت حتى السيارات المصطفة على قمة الطريق مرصوفة بالجنود، وكذلك أسطح المنازل. رفعوني على أرضية السيارة بغضب، وجلسوا صفين متقابلين وبدأوا يضربون جسدي ببساطيرهم الثقيلة وفوهات بنادقهم الشرهة، وظلوا على ذلك حتى وصلنا باحة المركز، وهناك سحبوني من قدماي بسرعة خاطفة فترنح جسدي على الأرض، وخبط راسي بقوة بحافة حديد السيارة، واندفعوا جميعهم يكيلون لي الركلات والضربات بأعقاب وفوهات البنادق حتى استسلم جسدي للإعياء.

رفعوني من شعر راسي، قادوني والدماء تنزف من راسي ووجهي للداخل، نزلنا درجات طويلة تحت سطح الأرض، ودخلنا ممرا ضيقا مضاء بأنوار باهتة ثم انعطفنا يسارا فبدا أمامي باب حديدي هائل السماكة، فتحوا الباب فعلى صريره وقذفني احدهم بقدمه فاندفع جسدي داخل الصالة وهويت على الأرض واقفل الباب.

مرت لحظات قبل ان يفتح الباب ليظهر منه رجل طويل القامة، ضخم الجثة، قاسي النظرات، طويل اليدين، كفة يده كخف جمل جاب الصحراء ألف مرة. حدجني بعينيه، ضرب كفيه ببعضهما فعلا دوي هائل تردد صداه في الصالة، تقدم وهو يفرك يديه بفخذيه وأطبق يديه على كتفي بشدة، شعرت بانهما ينخلعان من جسدي، شدد الضغط، وشدد حتى استنفذ كل طاقته وقوته. تقوست قدماي وبدأ جسدي بالهبوط ببطء وما كاد يلامس الأرض حتى رفعني بقوة وخفة شديدتين، ولطمني بكل عزمه على وجهي فطار جسدي كريشة ليصطدم بالحائط المقابل ويرتد نحوه بسقطة قوية على الأرض.

رفعني مرة أخرى، أطبق بيديه تحت إبطي، غامت الدنيا أمامي، وترنحت أناتي بصدري وفقدت توازني حين سدد لوجهي لطمة جديدة صدمتني بالحائط واسقطتني ارضا من جديد، انتشلني بخفيه الضخمتين واسندني إلى الجدار، وبصوت عميق كأنه آت من أعماق مغارة سحيقة صرخ:
- اخلع ملابسك.
حدقت فيه بدهشة واستغراب وكأني لم اسمع ما قاله، اقترب مني حتى كاد يلامس جسدي، وضع خفيه على وجنتي وبسرعة البرق رفعهما واعادهما بصفعة هائلة على أذني، هويت نحو الحائط متكوما كجذع نخلة خاوية، سحبني من أذني وألصقني بالحائط وقال هامسا:
- حين اطلب منك ان تخلع ملابسك، عليك ان تخلعها وبسرعة. عانيت كثيرا كي ارفع عيني في وجهه، قلت بصوت متقطع متحشرج من شدة الإعياء:
- كيف اخلعها وأنا موثوق اليدين؟ أدار المفتاح بالأغلال وسحبها من يدي ناظرا إلي باستعلاء وتقزز ظاهرين.
- ‘اخلع ملابسك بسرعة’. خلعت القميص والشباح، صرخ بي ان اخلع البنطال والسروال الداخلي. ’ رفضت’. استشاط غيظا وانهال علي باللكمات والركلات وهو يصرخ طالبا المعونة، فدخل ثلاثة آخرون يحملون السياط والعصي، اجتمع علي أربعتهم بكل عزمهم وقوتهم، وبكل عزم سياطهم وقوة عصيهم، وغصت في دوامة الإنهاك.

لم اعرف ماذا حصل، كل ما اذكره انني وجدت نفسي موثقا بسلسلة معلقة في سقف الصالة، أما يداي فكانتا من اثر التعليق أشبه بجوربين معلقين على حبل في يوم عاصف. أمسكت بكف يدي اليمنى طرف السلسة من فوق الرسغ، وشددت جسمي للأعلى كي أريح يدي اليسرى ثوان معدودة، وحين اشتد الألم في اليد اليمنى عكست الأمر، وعاودت الكرة مرة أخرى، وهكذا.