و ر م 1 و 2 الصفحة 1 من 2

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

الثامنة صباحا ، في أقصى الشمال الاروبي ، أفقت كعادتي ، تسللت نحو الصالة
لأعانق فنجان الشاي الصباحي ، ولأحرق ثلاث دخائن ، دخلت الحمام ، غرقت تحت
مياه حارة ، يتصاعد البخار منها ليهرب من فتحة صغيرة ، خرجت ، وكالعادة ، كانت
القهوة التي أعدتها زوجتي تقتحم خلايا دماغي بقوة ، فللقهوة مكانة في قلبي ،
لا يعرفها إلا المقربون مني ، أحرقت ثلاث دخائن أخرى ، ارتديت ملابسي ، وخرجت
.

العاشرة صباحا ، موعد مع طبيبي الخاص ، قدت السيارة إلى مكان بعيد عن العيادة
، طلبا للتمشي واكتساب بعض أنفاس من هواء نقي ، لم التفت إلى شيء ، ولم ادقق
بأي تفصيل ، فالشوارع معهودة ، وكل ما عليها أصبح بسبب العادة لا يثير دهشتي
أبدا .

انتظرت في الصالة ، كان أفراد دائرة السير يختفون خلف العيادة مباشرة ،
يصطادون السيارات المارة ، لا بد وان الراتب الشهري الذي اقترب ، كان همهم
الأوحد ، فلا بد لخزنة الدائرة أن تكتظ بالنقود ، وبين ملامح هؤلاء والسائقين
كان هناك اختلاف كبير .

انتزعت من المراقبة حين دعاني الطبيب للدخول ، سألني عن حالي ، أجبته بان
الصداع الذي يراودني ما زال على حاله ، بل وتصاعد بقوة أصبحت تفقدني التوازن
والتركيز في بعض الأحيان .

ولأول مرة تنبهت للاهتمام الزائد الذي أظهره الطبيب ، كان يسألني عن أشياء
كثيرة ، بتركيز وتنبه ، واخذ يصغي لأجوبتي وكأنه يتابع مشهدا في الرائي لا
يمكن إهماله ولو للحظات . أحسست بضغط الأسئلة على نفسي ، ولمحت من بين ثناياها
جملة تنتظر أن تستقر بأعماقي ، شعرت بغصة عميقة تضرب حلقي ، ولكني ظللت مواصلا
التماسك والصبر وأنا أردف اسئلته بإجابات واضحة ومحددة .

استدار بكرسيه نحو الحاسب ، حدق فيه قليلا ، ثم استدار نحوي بتحفز وقال :-

- علي أن أخبرك بالحقيقة ، فانا لا املك حقا بإخفائها عنك .

لأول مرة منذ أعوام ، تجتاح العين المكان ، بتحفز مفترس ، تدقق في التفاصيل ،
تلاحق الأشياء الصغيرة المختبئة تحت الأرض وبين الشقوق ، تمسح الجدران بتفحص
متوثب ، تحاول أن تطوي المسافة بين الغربة وبين الوطن .

تداخلت صور أولادي في بؤرة الرؤى ، ضحكاتهم ، بسماتهم ، حزنهم ، غضبهم .

هذا السور به قليل من التصدع ، وذاك الشارع به حفرة صغيرة تزعج السائق والمارة
، هناك على السطح المقابل للسور المتصدع تقف شابة يافعة ، ترتدي سروالا من
الجينز ، تسحب أنفاس الدخينة بتؤدة ، تجول بعينيها الشوارع والأرصفة ، لكنها
لم تلتفت لوجودي .

نسمات الهواء تقطع جسدي ، تتكوم كدائرة تستعد لتشكيل عاصفة ، نظرة الطبيب
تلاحقني ، كانت تحمل شيئا من الشفقة ، وبعض من الغرابة ، هو عربي مثلي ،
ملامحه تتشابه مع ملامح المتوسط والفرات ، فيه رائحة النخيل وتقاطيع بغداد .

قبل أعوام كنت هناك ، أقف على شوارع بغداد ، أتنقل بين أسواقها ، \’ المسقوف
\’ \’ والمن والسلوى \’ ما زالت تعيش بأعطافي ، هنا وقف هارون الرشيد ، ومن
هنا زحف جيش المعتصم استجابة لصرخة امرأة ، وهنا بدأت الحضارة ، ومن هنا تعلم
الناس كيف تصاغ الحروف .

نهضت أمي من قبرها ، لمحتها في الشارع المقابل ، انتفضت ، سارعت الخطى ، حاولت
اللحاق بها ، لكنها بلحظة سهو تلاشت .

الطبيب قال لي : يجب أن أخبرك بالحقيقة ، لا اعرف إذا ما كان رجال السير لا
زالوا يلتقطون السيارات ، تعثرت امرأة على رصيف ، نهضت وملابسها مبتلة بالمياه
، نظرت إلي ، أشحت ببصري للجهة المقابلة ، تنهدت ، بعد أن أيقنت عدم مشاهدتي
لما حصل .

النوارس تنتشر في الأجواء ، ترسل زعيقا يوقظ التشاؤم والتلبد في النفس ، ابنتي
الصغيرة بالمدرسة ، وولدي البكر يغط بنوم عميق ، زوجتي تمارس أعمال اليوم ،
وأمي ترقد بجانب أبي في مقبرة ذنابة .

العالم كله لا يعلم من أمري شيئا ، فقط أنا والطبيب ، ووجوه لم اعرفها ، لا
أستطيع تذكرها ، كانت تخاطبني بروتين قاتل ، الصورة الطبقية تحتاج إلى نصف
ساعة من الزمن ، عليك أن تصمد ، تصبر ، اضغط على الزر الذي بين يديك أن شعرت
بعدم القدرة على الاحتمال ، لكن حاول بشدة أن تصمد .

ضغطت على الزر مرتين ، وأخيرا استطعت الصمود .

سرت باتجاه البحر ، هناك خليج غير واضح البداية أو النهاية ، على مقربة منه
تقف مكتبة البلدية ، هناك ترتسم خطوات لي ، كانت قبل أيام تصعد الدرج بعزم
وسرعة ، تنقب بين الرفوف ، عن كتاب يستطيع أن يساعدني تعلم اللغة القطبية
المتجمدة ، ولماذا علي الآن أن أتعلم شيئا في الوجود ؟ أرحت ذاتي على دكة
خشبية ، أشعلت دخينة ، تأملت الموج القادم من أعماق البحر ، لينثر قليلا من
المياه فوق راسي ، آه ، لو كانت تعلم الموجة سر جلوسي في هذا المكان ، تابعت
منظر قارب صغير ، وهو يستدير بحركة مباغتة إلى الجهة العكسية ، كاد أن ينقلب ،
لولا حنكة السائق وخبرته .

مرحبا ؟ أدرت نظري نحو الصوت ، شابة يافعة ، شقراء ، بيضاء لامعة ، تحمل
تقاسيمها نوعا من كآبة مثقلة بالفراغ ، لامست انهيار شيء في تداعي نظرتها ،
طلبت دخينة ، حين أشعلتها ، أعلنت أنها لا تملك ثمنها ، تبسمت ، قالت ، أنت
شاحب الوجه ، تدفقت صورة الطبيب أمامي ، علت الموجة القادمة ، أحقا هو الشحوب
؟ أم هو الخوف الناهض بتؤدة ليسيطر على مكمن الذات ومركزها ؟

قلت للطبيب : ادفع بالحقيقة كاملة ، اهو الموت ؟ كم من الأيام تبقى ؟ كم من
الأحزان تبقى ؟ كم من الخفقات تبقى ؟

لا تخشى ، لن اسقط فوق بلاط الغرفة ، لكن علي أن اعرف ، أن احسب ما تبقى ،
لأوزعه على أولادي بالتساوي ، أتدري ، منذ اشهر وصلت حفيدتي إلى الدنيا ، كانت
نقطة النور الوحيدة بأرض الغربة ، حين خرجت من رحم ابنتي لينا ، شاهدت الضوء
يغمر الكون كله ، وعرفت لوهلة ، باني امتد فوق الوجود بصورة أخرى ، حين ضممتها
إلى صدري وهي ملطخة بماء الرحم ، وشممت رائحتها ، أحسست رائحة أمي وأبي ، همست
بأذنها ، سنلتقي أنا وأنت يوم زفافك ، سأكتب عنك الكثير ، سأخفيه بين طيات
الأيام ، وحين تعتلي \’ اللوج \’ أنت وزوجك ، سأخرج الزمن لأمنحه لك .

هي ما زالت بأشهرها الأولى ، لم تبلغ العام ، وجئت أنت لتخبرني بالحقيقة ، هل
سأراها وهي تتأبط يد زوجها في ليلة عمرها الخالدة .

لا تخشى شيئا ، اخبرني فقط كم تبقى ، لأحمل أولادي إلى ارض الوطن ، لأحدثهم
هناك عن أبي ، عن أمي ، لأريهم مكان جلوسهم ، ومكان سيرهم ، لأنقلهم من غوائل
الاغتراب إلى غائلة الفقر ، كيف يمكنني المغادرة الآن ؟ واتركهم بين هذا وذاك
؟

لا عليك ، أهي أيام ؟ أم شهور ، وربما أكثر ؟ فقط اخبرني ، فانا أستطيع أن
أتحرك داخل المحدود المتبقي بعدل وإنصاف ، هنا ساعة لمعتصم ، وأخرى للينا ،
ومثلها لأحمد ، وكذلك ساعة لرؤى ، والأخيرة في هذا التقسيم لمصطفى .

لحفيدتي ساعتان ، للسفر المتواصل ساعات ، في الأردن ، أخي وصديقي ، كم من
الساعات سأمنحهم ، تسير السيارة ، تصل جسر دامية ، هنا استراحة أريحا ، رائحة
الوطن المثقوب ، تواصل سيارة أخرى ، هنا مخيم طول كرم ، لا متاع معي ، أترجل
منها على الشارع الرئيسي ، أحدق بحائط مسجد الفردوس ، اقترب منه ، المسه بيدي
، تندفع الذكريات ، الميضأة ، كم من المرات توضأت عليها ، المروحة ، المنبر ،
البساط الخمري اللامع المحشو بروائح الطيب ، الدرجات ما زالت خمس ، كما تركتها
قبل أعوام ، المسافة بين المسجد وبين مدخل المخيم مئات الأمتار ، مدرسة
اللاجئين ، اقتحمت ناظري ، حاولت الدخول ، لكن حساب الزمن لم يسعفني ، أختي
إيمان أحق بالوقت من ذكريات أتشوق للمسها ، مكنة مياه بيارة \’ أبو حمد الله
\’ مازالت مكانها ، وشجرة الجوافة التي كنت اقطف أوراقها لمعالجة معدتي عرفتني
، نداءها وصل مسمعي ، عدت إليها ، لمستها ، ولأول مرة منذ خرجت من العيادة ،

بكيت .

سألتني الشابة عن دخينة أخرى ، حاولت أن تدفعني نحو الابتسام ، رفضت بقسوة ،
علي أن أواصل المسير ، من شجرة الجوافة إلى منزل والدي ، الطريق كله يعرفني ،
معرفة الزمن للمكان ، ومعرفة المكان للزمن ، مصافحتنا ستأكل من الوقت ، هناك
أشياء لا تعد ولا تحصى علي الانتهاء منها قبل فوات الأوان ، بقالة \’ أبو
جاموس \’ جرفت من أصولها ، تغيرت معالمها الطيبة ، أصبحت تحمل طابعا جديدا ،
شعرت بالنفور ، منزل \’ أبو مجدي \’ السباك ، قلع من جذوره ، تطاول قليلا ،
حاكورة الزغل ، تلاشت ، انتصبت مكانها جدران صماء ، صالح الجرمي ، ما زال يقلي
الفلافل كسابق عهده ، بيت \’ أبو طاحون \’ تحول إلى كتلة إسمنتية واحدة ، لو
دخلت الزقاق الذي على يساري ، لواجهت حارة النادي ، ولو انعطفت يمينا ، لدخلت
حارة الربايعه ، لكن الوقت سريع ، ربما أسرع مما أتخيل ، وربما أبطأ .

رحمك الله يا أبا أيوب ، بقالتك الجميلة بفقرها وبؤسها المزروع جمالا بالنفس
التي تعودت رؤيتك مع عجائز المخيم ، تحولت إلى مذبح ، تراق فيها الدماء ،
وتغادر الأرواح ، يتدلى اللحم على الكلابات ، كتاريخ ميت مهجور ، بقالة أبو
هاشم ، تحولت إلى صالون للحلاقة ، فقدت مذاقها ، ورائحتها وذكرياتها ، الأطرش
ما زال في بقالته المواجهة لبقالة أبي هاشم ، فوقها مسجد جديد ، صليت فيه مرات
، لكنني لم اعشقه كثيرا ، كنت أحاول اخفاء امتعاضي عن نفسي ، تمسكت بالمسجد
المنتصب في المخيم منذ أعوام طويله ، به كنت اشعر بالخشوع ، بتجلي الإيمان
ووميضه ، بساعدي الغضين ، حفرت أساس مكتبته ، وبعرقي تكون سقفه ، أول كتاب
دخلها ، كان مني ، عن روح أبي وأمي ، تفسير القرطبي .

بقالة المصيعي ، ذهبت حلاوتها ، اختفى بريقها ، والرجل المسكين ، المصيعي ،
الذي كنا نسطو على أكوام البطيخ التي ينام لحراستها بالشارع ، فقد النطق ،
اختفت أوتاره الصوتية ، أصبح يتحدث بالإشارة ، على يمينه ، بقالة حديثة ،
للقلق ، لا اعرف لماذا سميت بهذا الاسم ، لكنه يستطيع أن يفصح عن حالة التبدل
التي اجتاحت الشارع والتفاصيل .

رن الجوال ، زوجتي ، تسأل عن سبب التأخر ، قالت ، تحدث مع حفيدتك ساره ،
الفتاة تواصل التحديق بي ، لم تفهم شيئا مما قلت لزوجي ، منحتها دخينة ثالثة ،
ابتسمت ابتسامة عريضة ، تأملت وجهها ، وأوقفت نظراتي على قمة الرأس ، تداعت
جملة الطبيب مرة واحدة ، الفتاة أصيبت بالارتباك والدهشة ، نظراتي كانت قوية ،
خارقة ، أنا لم اشعر بذلك ، لكن تفاصيل الدهشة التي كست سحنتها قادتني للتراجع
عن التأمل .

وصلت بقالة الحافي ، التف حولي الجيران والأصدقاء ، قبلات وعناق ، شق الجمع
صديقي جهاد عطار ، هزني بقوة ، ضمني إلى صدره ، همس ، رائحتك لم تتغير ، عرقك
ما زال غزيرا ، امسك بيدي ، دخلنا الزقاق المؤدي لبيت الوالدين ، لبيتي ، وبيت
أطفالي ، تسللت روائح الطبخ والمخيم إلى أعماقي ، كانت النساء المارات يلقين
بالتحية ، بمودة خالصة ، وبفرحة لا توجد خارج ارض المكان الذي غرزت عبقي به .

الباب مغلق ، والبيت مهجور ، تعلوه وحشة ضارية ، ويسكنه موت خانق ، المفتاح مع
أخي عبد الرحيم ، نظرت إلى صديقي ، وقبل أن يفوه بكلمة ، كنت قد خلعت الباب من
مكانه .

الموت يحاصره من كل زاوية ، هنا مات أبي ، وهنا ماتت أمي ، وربما أنا هنا أو
هناك ، من يعلم ، هنا مات أخي محمد ، وهناك أخي قاسم ، وباسم مات على تلك
البقعة من الأرض ، هنا ماتت أختي خالدية ، وماتت ميسون على بعد قليل ، وكذلك
صفاء .

تحسست الجدران ، بيد تعرف كيف تسترجع الماضي ، كيف تخرج خفقات وأنات ، كيف
تبرز البسمات والدمعات ، شعرت بالغصة ، بالقهر ، بالغضب ، بالتوق المتفرع
المتلولب ، يتشكل بأعماقي بقوة وسرعة ، توجهت نحو صنبور المياه ، أرويت ذاتي
من ماء اشتركت فيه مع أهلي وخلاني .

قال صديقي : أنت تشعر بالجوع ، لنتناول الغداء ، حدقت بوجهه ، لفترة طويلة ،
تقاسيمه تغيرت ، يد الزمن صنعت بداية ترهل أسفل الرقبة ، لا يلمح إلا بالتدقيق
، شعره انقلب إلى بياض مزرق ، بين ثنايا وجهه طفولة اعرفها ، اعشقها ، نفرت
مرة واحدة من بريق عينيه ، أحاطت اللحظات بغشاء يدفعك للبكاء والفرح في نفس
الآن ، احترم صمتي ، بطريقة غير معهودة فيه ، ترى ، كيف تعلم جهاد احترام صمت
مثقل بالأسى وحساب الزمن ؟ لعلها الحاسة التي تأتي مرة واحدة لتغير معالم
الناس لهنيهات أو دقائق .

أريد أن أرى صنو روحي وفلق قلبي ، أختي إيمان ، أريد أن اقبلها ، من رأسها ،
يديها ، قدميها ، أود أن اشرب عرقها ودموعها الهاطلة فرحة ، حتى أغادر الكون
ولا طعم في ذاتي غير طعم فرحتها ، لمسة واحده لشعرها الأسود ، قبله واحدة
لجبهتها وخديها ، تستطيع أن تلغي حساب الزمن المتبقي في ذاكرتي ، إيمان فقط ،
من تستطيع أن تمنحني عمرا أطول واكبر ، عمر يمتد بي الآن إلى أزمان لا تدخل
ضمن الساعات والأيام .

سرنا بالسيارة ، طلبت منه التمهل ، للشوارع والجدران والأرصفة مكانا بالعين ،
بالساعات ، أو الأيام التي يجب أن تتقاسم وجودي عليها ، أشجار النخيل ، وأشجار
الزيتون ، الدفلى ، كلها ما زالت بأمكنتها ، لكنها حزينة ، شجرة الجميز
الوحيدة بالمخيم تطاولت ، امتدت في الأفق ، المسجد الجديد ، والمسجد القديم ،
ما زالا على نفس البقعة ، مدرسة الأصمعي ، خاوية ، تحولت إلى أحشاء خالية ،
غادرتها أنوثة المدينة المترعة بالخجل الكرزي ، البيارات سحقت على جانبي
الطريق ، جدران تسد النظر ، تبعث رائحة الحرارة والرطوبة .

مسجد السفاريني ، على بعد أمتار منه ، يقع بيت أختي إيمان ، طلبت منه التوقف
بعيدا ، حتى لا تسمع صوت السيارة ، أردت أن تكون مفاجأة ، مثل باقي المفاجآت
كلما عدت من سفر طويل أو قصير ، للفرحة المداهمة بريق العين ، وتقاطيع الدهشة
، مذاق خاص ، وذكرى خاصة .

ترجلت من السيارة ، شجرة الحناء التي غرست بوجودي ، تبسمت ، أرسلت شهقات
متوالية ، أحسست بها ، الدرجات ما زالت تحمل نفس العدد ، كل ما طرأ عليها ،
أنها تحولت من شكل الاسمنت إلى شكل الرخام ، صديقي كان يراقب المشهد ، هو أيضا
يحمل ذكريات العائلة ، عاش بيننا ، كواحد من الأسرة ، لم يكن يشعر بالغربة ،
أو الخجل ، وصلت الباب ، على يميني كانت شجرة التفاح ، وعلى يساري شجرة الدراق
.

طرقت الباب ، بيد ترتجف ، كنت أخشى أن يرد علي احد أولادها ، سمعت حركة
القدمين ، عرفتهما جيدا ، وصلت ، خفق قلبي ، صوت الملائكة ، من بالباب ، تجمدت
مكاني كقالب ثلج ، أعادت السؤال ، راودتني أفكار كثيرة ، لكن لساني أصيب
بالشلل .

فتحت ، التقت العيون ، ورجفت القلوب ، تهاوت نحو الأرض ، مذهولة حائرة ، أمسكت
بها ، \’ اخوي \’ ، نعم .

رن الجوال من جديد ، أين أنت ؟ الغداء جاهز ، ساره بانتظارك ، حسنا ، أنا قادم .

ما زالت جملة الطبيب تسيطر على عقلي ، \’ هناك ورم بحجم أربع سنتمترات وبعض
المليمترات ، نحن لا نعرف عنه شيئا ، لا أستطيع الجزم الآن بأي شيء ، لكن
علينا الانتظار ستة اشهر أخرى .

رائحة إيمان ، تتداخل وتشتبك ، مع رائحة أمي وأبي ، فيها من رائحة من رحلوا
كثير الكثير ، وفيها من عطف أمي وحنانها ما يكفي لدفن راسي بحضنها الزاخر
بالذكريات المتلاطمة ، بكت ، فرحا ودهشة ، بكيت حنينا وتوقا ، قالت : أنت شاحب
الوجه ، هو السفر المتواصل ، أنت تشعر بالجوع ، بالعطش ، ربما تشعر بالحنين
للقهوة المعدة من يدي ، أو للشاي الغارق برائحة النعناع ، كانت مضطربة ، لا
تعرف ماذا تفعل ، أشرت لها بالجلوس على الأرض ، جلست ، ألقيت راسي بحضنها .

مرت بيديها على صلعتي ، شعرت براحة من نوع خاص ، تسللت من أناملها إلى عقلي ،
إلى الدماغ ، هي لا تعرف شيئا عما يحدث بداخله ، حتى زوجتي وأولادي ، لن
يعرفوا بذلك ، ربما في وقت ما ، تكون المعرفة حتمية ، لا اختيار فيها ، أما
أنا فلن أبوح بكلمة ، أحسست بشيء ساخن ، يسقط على خدي ، عرفت أنها الدموع ،
نظرت إليها بحركة نصف دائرية ، حتى لا ارفع راسي من حضنها ، ابتسمت ، عرفت
فورا أنها ابتسامة مرسومة ، تريد أن تخفي ما بالداخل ، رفعت راسي وأنا محشو
برائحة الحنان .

صديقي معي ، سأعود ، علي المغادرة الآن ، نحو أخي عبد الرحيم ، أمسكت بيدي ،
سبرت أعماقي ، ضمتني إلى صدرها ، قالت : أنت لن تعود .

وصلت بيت أخي ، محاصرا بالحنين الظامىء ، لم يكن بالبيت ، قلت لابنه ، أنا في
الطريق إلى مقبرة ذبابة ، حيث أمي وأبي ، الشوارع كلها تحمل ملامح إيمان ،
شكلها ، انهيار صوتها وهي تقول \’ أنت لن تعود \’ ، وصلنا المقبرة ، لم اشعر
بهيبتها كسالف العهد ، وصلت القبر المزدوج ، ووقفت .

أمي ماتت ، بكائن غريب سكن دماغها ، وأبي مات بجلطة أطاحت بدماغه ، والدي عبر
إلى الموت دون عذاب ، أيام فقط هي التي تناوشته ، وزعته بين الألم الحارق ،
والحرقة المضنية ، أمي ، لم تعبر النهاية ببساطة ، سنوات ثلاث ، تقلبت فيها
على غضى الألم المستبد المتواصل ، تصحو من غيبوبة ، لتدخل في أخرى ، تَسَلًخَ
جلدها ، سقطت أجزاء من جسدها ، كانت تنظر إلينا نظرة مترعة بالانكسار ،
بالهزيمة ، بتمني الرحيل من دنيا أحبتها وعشقتها ، أخي مصطفى اتصل لينقل لي
نعي خالي صبحي ، لم اخبرها عن ذلك ، لكنها عرفت ، بحاسة الموت الزاحف فيها ،
في لحظات صحوها ، كانت تخبرني بان أخاها صبحي قد زارها ، الذهول كان يمزقني ،
لماذا تتحدث عن صبحي الذي نزل إلى حفرة النهاية ؟ وليس عن فؤاد القابع بأعطاف
الحياة ؟ هناك صلة ، مفقودة ، لا ندركها نحن ، بين لحظات الموت وبين الحياة ،
غريبة ، لكنها موجودة ، بكل ثبات ويقين .

رن الجوال ، أين أنت يا رجل ؟ سارة أخذت كل وقتي ، عليك القدوم مباشرة ، حسنا
، أنا قادم ، لماذا يبدو صوتك مكسرا ؟

أحقا صوتي مكسر ؟ سألت الشابة التي بجانبي ، لكنها أمعنت النظر بدهشة ، هي لا
تعرف العربية ، أدركت ذلك تماما ، وكأني اعرفه لأول مرة ، منحتها دخينة جديدة
، وأنا أهم بالانصراف ، وبعد خطوات قليلة ، عدت ومنحتها علبة الدخائن مع
الولاعة ، شاهدت الفرحة التي كست وجهها ، تبسمت لها وانصرفت .

وجوه تمر وتختفي ، حركة سريعة ، لا رابط بيني وبينها أبدا ، تحمل سحنة تختلف
عن سحنتي ، وتسير بخطى تتغاير عن خطواتي ، حتى الهواء المشترك الذي نتنسمه ،
فيه تباين وتفارق ، هنا لا حبيب ولا صديق ، لا جدران تشبه الجدران ، ولا أرصفة
تحمل أنفاس الحياة ، الجليد الممتد إلى ما لا نهاية ، يطوف بأعماقي ، يستبد بي
، ينتشر بخلايا الوجود الدافق الممتد ، بيني وبين السيارة خطوات تحتاج إلى
دقائق ، وبيني وبين أختى صبحية ، من المقبرة إلى بيتها ، جدار بناه الاستعمار
، ليحول مسافة الساعة ، إلى أيام وربما اشهر ، هل لدي من الوقت ما يكفي للوصول
إلى صبحية في حيفا ؟

صديقي تلفع بصمت غير معهود ، النخلة الصغيرة ما زالت تغطي أطراف القبر المزدوج
، والصخرة الملساء الوجه ، بقيت مكانها ، حيث زرعتها للجلوس مع روحي أبي وأمي
، الاسم فوق القبر بدأ بالاختفاء التدريجي ، الحواف متصدعة متشققة ، تحتاج إلى
ترميم ، على الجهة اليسرى تماما ، مكان يتسع لقبر جديد .

نظرت إلى صديقي ، تحول شكله إلى طلل متآكل ، في عينيه بريق تساؤل ، وفي قلبه
رغبة للسؤال ، هيبة المكان ، وسهومي ، كانا يدفعانه للالتزام بصمت مغلف
بالسواد .

اقترب نحوي ، قال : أنت لم تذرف دمعة كعادتك ، في الأمر ريبة ، قلق أنا من
قادم تحمله بين ضلوعك ، في مركز القلب والذهن .

أشرت بيدي للتصدع ، وللأسماء المتآكله ، عليك إصلاحها ، وهنا في البقعة
الخالية ، عليك أن تضعني ، دون اسم ، ودون تاريخ .