توالج الصفحة 6 من 12

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

سُئِلَ الجبل يومًا: من أتعبتَ؟ ومن أتعبكَ من الخلق؟ فأجاب: أتعبتُ الشابَّ حتى لم أُبْقِ فيه أملاً لترويضي، وأتعبني العجوزُ حتى لم يُبقِ في أملاً لترويضه، أما الشاب فقد أتعبته لثقته بنفسه حين قرَّر أن يروضني بما يَملك من طاقة وفتوّة وقوة، فما هي إلا خطوات حتى أجلسته يعالج لُهاثَه، وأما العجوزُ فرَوَّضني بما يَملك من صبر وأناة ومعرفة لحجم طاقته وقُوَّته وقدرته. وسُئل البحر يومًا: من أتعبتَ؟ ومن أتعبكَ من الخلق؟ فأجاب: أتعبتُ مَن لَم يعرف تقلُّباتي وأنوائي وغضبي وسُكوني، وأخذتُ من ظن أنه عرفني وخبر غضبي وسُكوني، فدفعه غرورُه إلى لُجَجٍ ظن أنه بخبرته فقط يستطيع اجتيازَها، وأتعبني ذلك الصيادُ الجالس على قاربٍ صغير مُمسكًا بصِنَّارته منذ ساعات منتظرًا السمك دون إقحام نفسه بلُجَجٍ يُمكن الظن أنها رُوِّضَت بما يكفي لعدم الانتباه والحذر من غضبها وسكونها. تلك الفلسفة أوقفتني كثيرًا أمام قدرتها على التعامُل مع الإنسان، حتى جعلته رغم أنفه يعترف بأنَّ الطبيعة التي ظن يومًا أنه روضها إنَّما هي طبيعة متبدلة، تتشكل بعيدًا عن إرادة الإنسان وقدراته، فهذه الجبال الممتدة أمام ناظري لم تكن يومًا هنا، كانت خفاء مستترًا في رحم الغيب والمجهول، إلى أن شاء الله، فكانت غضبةً عارمة من بركان لَم يستطع لَجْمَ أواره، فانبثق من عُمقٍ بعيد، وانطلق بكثافة عارمة متوقدة، لكنَّها حاذقة؛ ليتشكل ما هو أمام ناظري جبلاً يَملك من المنعة والقوة أضعافَ ما نظن وما نعتقد، ربَّما يكون البركان الآن يتحضر، يغلي ذاته ويؤجِّجها، يقدح قدراته؛ لينهارَ الجبلُ ويقفز مكانَه جبلٌ آخر. هي ذاتُ الفلسفة مع البحر، ألَم يقُلِ العلماء بنظرية زحزحة القارات، وأنَّ الصحاري الموجودة في العالم اليوم كانت موطنَ البحار والمحيطات يومًا ما؟! أنا أصدق ذلك، كما لو كنت حاضرًا وشاهدًا على كل تلك التقلبات، لا لشيء سوى أنني أومن بحركة الأشياء كلها حركة دائرية لا نستطيع الادعاء أو التنبؤ بأول الدائرة أو نهايتها. الرحابة والاتِّساع ذاتهما يَتسللان إلى نفوس الناس، رجالاً ونساء، فتلحظُ من بعيد الاعتدادَ والفخر، بكل ما سبق، وبالتاريخ، حتى بالآخرين، تنسحب الأشياء لتتداخل وتندغم بتكوين الناس، فهنا خضرة مزدحمة، وهناك تفجر جبلي، في الجهة الأخرى نفوس سَهْلِيَّة، وأخرى صحراوية، تتناوب الفطرةُ والطيبة قلوبَ الناس بدرجات، لكنَّها تتشكل في النهاية بؤرة من مجهول يتحسس المستقبل بطريقة مَذهولة، يكاد يكون فيها نوعٌ من النوم المتقلقل بين العمق والصَّحو. وحين تتجول قليلاً بالأسواق الشعبية المكتظة بالمحلات المتصلة بعضُها ببعض اتصالاً وثيقًا، وترى الناس وهم يتجولون باحثين منقبين، متسللين لاهين - ينتابُك إحساسٌ غريب من نوعه، فرغم الرحابة تلحظ بالأعماق زوايا تسكنها العتمة، غير مرئية، لا تخضع للمجهر أو أدوات العلم، لكنَّها متوثبة، تبحث عن شيء واضح للعيان، كوضوح الشمس، لكنَّها لا تجده ولا تراه، رُبَّما أكون شاهدته يومًا، وربَّما أكون مبالغًا في قدرتي على المشاهدة، لكن الذي لا شك فيه أنَّ التوثب والتهيؤ والتسديد كلها مرسومة على ملامح الحيرة والذُّهول، وربما بصورة أصح، استشراف الآماد الخاضعة للفظ المستقبل وما يُخفي من أسرار وأحاجي.