توالج الصفحة 5 من 12

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

وحين أرسيت قدمي متخلصًا من رعب الارتفاع فوق المياه، بميناء بومدين، انتابني ذات الإحساس، إحساسٌ كبير ومُتنامٍ بأن المساحات الطويلة تنصبُ مَجموعة من الكمائن لاختبار قدرة الزائر على التقاط السر الأول فور دخوله الأجواء والأراضي الجزائرية. وحين أرسيت حقائبي في الفندق، وسبحت في حمام دافئ، اتَّصلت بالسائق، كنت مستثارًا، أحاول اقتناصَ الثواني واستغلالَها استغلالاً كاملاً، وما إن وصل، حتى انطلقنا إلى حي القصبة، كانت المرة الأولى التي تطأ قدماي أرضَ الحي، لكنَّها أشعلت في أعماقي جموحًا متّقدًا للتفرس، والتدقيق، والتنقيب، مُحاولة سبر الأشياء والدلالات والرُّسومات والبنايات، وحين وقفت أمام الميناء، ودخلت المسجد الكبير ومساجد أخرى، أدركت أنَّني كنت خارج لحظات الكمائن المنصوبة إلَيَّ، عرفت أني امتلكت سِرَّ الدهشة ومِفْتاحها. الرحابة والاتساع هما من مكوناتِ الدهشة التي تتوغَّل في الصدر، وتُضرم النيران في النفس، والشوارع، والأرصفة، والبنايات، والأراضي الخضراء، وأماكن التنَزُّه، والميناء، والأسواق القديمة، وبنايات المجمعات الحديثة، حتى مواقف السيارات، كلها وعلى إطلاقها تدعوك إلى فتح صَدْرِك بكل ما فيه مِنْ إحساس متوثب وطاقة كامنة للدُّخول في دوامةِ رَحَابة الأماكن واتِّساعها. حين تجولت مع يوسف بن المهيدي، ودخلنا المتحف الخاص بتاريخ الجزائر، ووقفنا أمام مقام الشهيد، قلت له ذلك، وأضفت: إنَّ المجمعَ التِّجاري الذي نَمشي فيه يُشعرني بضآلة وجودي في مَمَرَّاته، بل إنه يبدو واضحًا بأن السرب البشري الذي أراه هناك يكاد يكون نقاطًا في ممر هذا المجمع، لم أقصد بالضآلة معنًى مخالفًا للذوق أو الخلق أو الثِّقَة، بل الشعور بعظمة ما تتجول فيه أمام رُؤى أخرى، فالرحابة تُضفي على النفس نوعًا من الهدوء الرائق المشوب بهيبة مغلفة برُقِيِّ عَظَمة تتبَدَّى في النفس كمشاعر من احترام وتقدير دون أي تَخطيط سابق لتشرب تلك العظمة أو تلك الهيبة. تساند هذه الرحابة وعورة الجبال التي تتسلق ذاتها وتُحاول التعانُق مع ذُراها، لكنَّها تعود للانحدار باحثةً عن نقطة التقاء في أسفل الخطوات، ثم تراها مرة أخرى، توزع نفسها صعودًا نحو القمم المتفرعة المتلولبة، وكأنَّها تحتضن بأمومة صلدة منيعة ما تحتها كأي أم تنشر جسدَها ورائحتها على مولودِها، ثم تسحبه ليرى النورَ ويتعانق مع الشمس. وقفت على حافَّة غير بعيدة عن مقام الشهيد، نظرت إلى جزء من العاصمة من هناك، الميناء الممتد على الشاطئ يَمنحك مزجًا هائلاً غير مدرك بين المسافات التي تعجز العين عن بلوغها، وهي تحدق بالمياه المتوغلة بالترامي والانتشار والتخفِّي، وإذا سارت عينك من الأسفل للأعلى بنظرات مدققة متفحصة، ستشعر بالهول الذي يَفجؤك إذا ما سَرَتْ برأسِك فكرة السقوط والانحدار نحو الأسفل، لكنَّ أمرًا مُشابِهًا للمدى المزروع بغيب البحر يصدِمُك الغيب المخبَّأ بين الارتفاعات المختلفة التي تخفي تحتها ما لا تستطيع العين إدراكه أو ملامسته. في شارع أول نوفمبر وقفت مرة أخرى أمام البحر، السِّر المغلَق الذي يُحاول العالم فهمه منذ الخلق وحتى يومنا هذا، ونظرت إلى الأفق المُضَاء بروعة الشمس المنتشرة في كل الأشياء وكل الآفاق، وتطلعت من هناك صَوْب الجبال مرة أخرى، في مُحاولة لالتقاط مكونات السِّرِّ بين البحر والجبال وما بينهما من خفايا ومستغلقات، للبحر هيبة، وللجبال هيبة، لكنَّ هذه غير تلك، فهيبة البحر تكمُن في المجهول، بانتفاء المسافات الفاصلة التي تحدد العين وتضعها أمام حواجز، وهيبة الجبال تكمُن في قُدرتها على إحداث رَجفة العجز والضآلة الشديدة، للبحر فلسفته، وكذلك الجبال، أما فلسفة الجبال فإنَّها تعتمد على قدرتِها على امتصاص الطاقات وتحجيمها؛ لذلك ترى المتسلقين الذين يَصِلُون الذُّرى يتحولون إلى أبطالٍ حقيقيِّين، أما من يخفق فليس أمامه سوى النِّسيان.