توالج الصفحة 4 من 12

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

في الجِهة الُمقابلة لمنزل 'أكلي' - الذي أبقى معنى اسمه سرًّا لسبب لا أعلمه الآن، لكني سأعْلمه - قصر الحاكم التركي 'الداي حسين' الذي لوَّح بالمروحة للقنصل الفرنسي الذي رفضتْ بلده ثورته، تسديد الديون للجزائر التي أطعَمت الفرنسيِّين وقْت المجاعة، مِن أموالها وحَصادها، فكانت النتيجة سداد الديون، قضْم اليد الجزائرية التي أوقفتْ زحْف الجوع بالشعب الفرنسي، وكان احتِلال الجزائر، ليس بسبب المروحة، وإنما انتِقامًا مِن وفاء الشعب الجزائري لقضايا الإنسان، وللقصة بقية، ربما أعود لإمساكها من ناصيتها، لتبيان النواصي الخاسئة، والنواصي المتوهِّجة. كم هو قصير هذا الزمن، وكم هي صغيرة هذه الأرض، في طُفولتي، وأنا بأول تفتُّح براعِم العُمر، كنتُ هناك في فلسطين، أنتظِم بالصفوف المدرسيَّة، وأقرأ نشيد الجزائر كل صَباح قبل الدخول إلى الصف، كانتْ حَناجِرنا تُردِّده كما لو أنه جزء مِن أوتارنا الصوتية، أو جزء مِن حناجِرنا المُتشقِّقة مِن عذاب المخيم ولهيبِه، وكنا هناك في المدرسة، نَدرُس حادثة المروحة، نقرؤها كنُقطة نور وكرامة لا يَقبل الضيم والخضوع والمهانة، كنا نَشعُر بنشوَةِ الكرامة، البعث، الدفْق العربي المتأصل بنواة الحدث والكون والوجود، اليوم أقف - وما زلتُ ذاك الطفل - أتلمَّس برؤاي القصر الذي حدثَتْ فيه الحادِثة، ألمسُه ببريق الرُّوح قبل بَريق العين، وأحضُّه على الدخول بعالم رؤى قلْبي المُعتقة بالوجع والأنين والانكِسار، كم هي الدنيا صغيرة! وكم هي الجزائر عظيمة! سأكشِف ذلك في التوالج الثاني، حين أقف أمام البنايات، لأستَنطِقها التاريخ الذي مضى، بكل تفاعُلاته وانفعالاته، ربما أتمكَّن عِندها مِن الوصول إلى نقطة الاقتِحام والمبادأة. المُدُن كالإناث، هذه تدهشك، وتلك تستفزُّك، إثارة الرَّغبة في الاختلاط والمزج صفةٌ لازمةٌ للانطباع المركب الذي يَمنحك إياه المكان، ومن عادتي كلما نزلْتُ أرضًا أن أستثير رغبتي في التمسُّك بالانطباع المتكون بعفوية عن اللحظات الأولى التي تُحاول استشراف المكان، أو بالأصح استشراف المكان لذاتي. ولمن لم يتنبّه لمفردة عفوية الانطباع المتوالد من اللحظات الأولى أقول: إنَّ الأشياءَ المدهشة والمثيرة لكوامن الاستغراب والصَّدمة، إنَّما تنشأ من ملامسة الحواس مُجتمعة للمكان الذي تراه العين لأول مرة في حياتها، وهي اللحظة التي تنقل الذَّات إلى الإعجاب والاستهجان المنتوج عن صدمة سريعة خاطفة غير مفهومة أو مدركة العوامل والتكوينات؛ بحيث تكون النفس موَّارة مُلتهبة مَشدودة منفعلة دون إرادة منها أو تَخطيط، ومثل هذه اللحظات نادرة الاستمرارية، وأيضًا نادرة الحدوث. بدأت الدهشة المُستفزة بامتلاك اللحظة من الأجواء، حين وقع نظري على الامتدادات الخضراء الموغلة في التوسُّع والانطلاق، امتدادات عميقة تكْتَظُّ بخضرة متنامية مُتَّسعة مترامية تستطيع استنزاف الشمس التي تحاول الوصول إلى درجة السيطرة والتمكُّن والإخضاع، لكنَّها تبقى مشدودة إلى الدرجة ذاتها دون أن تصل إلى لحظات السيطرة والإخضاع، يردف كل ذلك البنايات التي تكاد تختنقُ من تلاصُقها واتصال حوافها بعضها ببعض، حتى ليبدو المشهد وكأنه يتعامل مع تلاحم بين الذَّات المرتفعة الصامتة، وبين الطبيعة الناطقة بإحساس الخضرة ورياح شواطئ المتوسط.